دخلتُ غرفته بصمتٍ، كأنني أزحف في ذاكرته بخجل…
كان جالسًا على كرسيه المعتاد، يحدّق في الفراغ، وفي عينيه غيومٌ لا أمطار فيها.
قلتُ بهمس:
ـ السلام عليك يا أبي…
فالتفت إليّ، نظر طويلًا، ثم قال:
ـ من أنت؟
ابتسمتُ رغم ارتباكي، قلت:
ـ أنا فلان… ابنك يا أبي.
طأطأ رأسه قليلًا، وكأن الاسم يحفر له طريقًا في زحام الذاكرة، ثم تمتم:
ـ فلان… فلان…
آه… كنتَ مشاغبًا جدًا… كيف لي أن أنساك يا طفلي؟
ضحكتُ بمرارة.
ـ يا أبي… أنا لستُ طفلًا… أنا هنا أمامك، رجُلٌ أنهكته الحياة، ولا زال يتوق لحضنك.
ـ لا أدري يا بني…
ربما هرمت… وربما ذاكرتي تعبت من كل الوجوه…
لكني ما نسيت حبك.
تسمرتُ مكاني…
كم هو قاسٍ أن يتذكرك كطفل… ولا يعرفك كرجل.
أن يحمل حبك في قلبٍ لا يذكر اسمك…
أن تنظر في عينيه وتبحث عن نفسك، فلا تجدها…
سوى في أطياف الماضي.
أردتُ أن أبكي، لكنني فقط اقتربت، جلستُ عند قدميه،
وضممتُ يديه إلى وجهي، وقلت:
ـ لا يهم يا أبي… حتى لو نسيتني…
أنا سأتذكرك عنّا معًا.
التعليقات
لا يهم، المهم أنك تعرفه، ليت أبي على قد الحياة لأقوم بكل ما أستطيع من أجله، وأرد له بعضًا من حبه وتضحياته، فالحياة قصيرة لكن اللحظات التي نعيشها مع الأحبة هي التي تبقى في الذاكرة إلى الأبد حتى لو غابت الذاكرة أو خفتت التفاصيل يبقى الشعور والوجود وهذا هو الأهم، رحم الله آبائنا وأحبابنا الذين فقدانهم وأسكنهم فسيح جناته.
اعتقد ان الزهايمر واي مرض يؤدي لفقد الذاكرة هو من اقسى التجارب التي يمر بها اهل المريض وكل من كان لديه معه ذكريات، أن ترى الشخص يعاملك كالغريب ولا يذكر تلك الذكريات مطلقا، أسال الله أن يشفي والدك ويرد عليه صحته وكل المرضى
الزهايمر.. فعلا يبدو أنه شعور صعب جدا، رأيت آباء ينسون أولادهم بالكلية، عندما يأتي يقول له من أنت ولا يتذكره.
لكني لاحظت أنهم لا ينسون من يكونون معهم طوال الوقت، إلا في الحالات المتأزمة من المرض.
نعم، وهذا من أكثر ما يُؤلم في الزهايمر في مراحله المتأخرة، لا ينسى الشخص من حوله فقط، بل يبدأ بنسيان نفسه:وكأن المرض لا يكتفي بسرقة الذاكرة،
بل يبدأ بسلب الهوية، شيئًا فشيئًا…
أتمنى أن تكون بخير، وأن يكون والدك بخير أيضًا،
أردت فقط أن اقول، لا تحمّل نفسك أكثر مما يجب، حاول أن تجلس بجواره والتحث إليه كما تعودت دائمًا، بالقدر الذي لا يؤلمك طبعًا.. ولكن لا ترهق نفسك بمشاعر الذنب أو الحزن المرهق على حالته.. فأنت تفعل كل ما تستطيع، وهذا ما يهم.