أنا هنا، أنا أشبهكم، وأنا جزء من هذا العالم بهذه العبارة غير الملفوظة، يندفع الملايين يومياً للمشاركة في الترند هي صرخة رقمية للبحث عن الانتماء في عالم شاسع وموحش أحياناً. لكن، دوما أسال نفسي وأنا أعيد نشر صورة أو أكتب تعليقاً يتبنى رأياً رائجاً: أين أنا من كل هذا؟ وهل هذا الكلام يمثلني فعلاً أم أنني مجرد صدى لصوت غيري؟
بينما نلهث خلف الترند لنشعر بالقبول، قد نغفل عن الجانب المظلم لهذه الظاهرة التي قد تحولنا تدريجياً إلى نسخ كربونية مكررة.
حينما يصبح معيار القيمة هو مدى قربي من الرأي الرائج، تبدأ الهوية الفردية في التلاشي. نختار الكلمات التي تعجب الناس، لا الكلمات التي تعبر عنا في بعض المنصات، يخشى الكثيرون التعبير عن الرأي مخالف للـ "Hive Mind" (عقل الخلية) تجنباً للهجوم أو الداون فوت، مما يحول المنصة من فضاء التنوع إلى مصنع للتشابه،أخطر ما في الترند هو أنه يختزل القضايا المعقدة في ميم أو هاشتاج أو جملة بسيطة هذا التبسيط المخل يقتل القدرة على النقد والتحليل العميق. نصبح كالببغاوات، نردد شعارات الترند دون أن ندرك أبعادها الحقيقية، فقط لكي لا نشعر بـ الفوات الرقمي (FOMO)
المشاركة في الترند ليست شراً مطلقاً، فهي وسيلة للتواصل، لكن الخطر يكمن في أن يصبح الترند هو بوصلتنا الوحيدة. فى أن تكون جزءاً من هذا العالم
التعليقات
كما أن هناك شيء آخر مهم
أن معظم التريندات غالبا ما تكون ظالما ومبينة على أخبار كاذبة، وتصحيح تلك الأخبار الكاذبة بالطبع لا يلقى الرواج الذي حصل عليه الخبر الكاذب.
فالأخبار الكاذبة قابليتها للإنتشار وتحوّلها إلى تريند أكبر بكثير من الخبر الصحيح، لأن الناس تتفاعل حين تغضب، والخبر الذي يجعل الناس تغضب هو الخبر الكاذب في الكثير من الأحيان، فيندفع الناس بدافع الغضب والرغبة في الشعور بالإنتماء، ويجردون الشخص صاحب التريند من إنسانيته ويهجمون عليه ليشعروا بالتميّز وبعض الفوقية، ثم؟ لا شيء
يومين ويهدأ التريند، وحين تبحثين عنه تجدين أن الخبر كان كاذب وأن هناك من صححوه لكنهم بالطبع لم يلقوا أي رواج يضاهي انتشار الخبر الكاذب.
أتفق معك تماما والأخطر من انتشار الخبر الكاذب هو أن المشاركة فيه تُشعر الفرد بأنه فعل شيئًا، بينما هو في الواقع لم يفعل سوى الانخراط في موجة انفعالية عابرة. وبعد انحسار التريند، لا تبقى مسؤولية ولا مراجعة، فقط ضجيج مرّ وترك أثرًا على أشخاص حقيقيين.هنا يتحول التريند من مساحة تعبير إلى آلية تنفيس جماعي، تُسقط التعقيد، وتُعفي المشاركين من عبء التفكير، وهذا ما يجعل مقاومته أصعب من مجرد تصحيح معلومة.
بينما نلهث خلف الترند لنشعر بالقبول، قد نغفل عن الجانب المظلم لهذه الظاهرة التي قد تحولنا تدريجياً إلى نسخ كربونية مكررة.
الدليل أن الواحد منا مستعد يختار القرار الخاطئ أو يجيب إجابة خاطئة لمجرد أن الناس من حوله اتفقوا عليها.
لكن الترند ليس شيء جديد، هو موجود من قديم الأزل، وحتى في الزمن القديم الذي سمّوه الزمن الجميل، كان الترند موجودًا، فلا أعتقد أنه ميزة مرتبطة بعصرنا نحن فقط.
نعم الترند موجود من قديم الازل ولكن الترند كان محدود الانتشار، بطيئًا نسبيًا، ويخضع لفلترة اجتماعية وثقافية؛ ما ينتشر غالبًا يكون له وزن أو قيمة ما، أو على الأقل يحتاج وقتًا ليترسخ. أما اليوم، فوسائل التواصل ألغت هذه الفلاتر، وحوّلت الترند إلى ظاهرة لحظية، قد تقوم على التفاهة بقدر ما تقوم على المعنى، وتُضخَّم لا لأنها مهمة بل لأنها قابلة للانتشار.
إذن، الإشكالية ليست في الترند ذاته، بل في تحوّله من انعكاس لذوق المجتمع إلى أداة لقيادته. لم يعد الناس يصنعون الترند بوعي، بل يُساقون خلفه بخوارزميات تكرّس ما يلفت الانتباه لا ما يستحقه. وهذا ما يجعل ترند اليوم أكثر تأثيرًا وخطورة، لا لأنه جديد، بل لأنه أسرع، أوسع، وأقل خضوعًا للنقد.