"زمن الترند... وانطفاء المعنى"

في زمنٍ صار فيه الصوت أعلى من المعنى، تحوّل الإعلام من منارةٍ تُرشد العقول إلى مكبّرٍ يضخّ الصخب.

لم يعد السؤال: ما الذي حدث؟

بل: كيف نجعل الحدث أكثر إثارة؟

الإعلام الذي كان يُفترض أن يكون عينَ الحقيقة، صار أحيانًا يغمضها عمدًا ليبقي الجمهور مفتونًا بالوهج لا بالضوء.

إنه زمن «الترند» لا «المضمون»، زمنٍ تُقاس فيه قيمة الخبر بعدد المشاركات لا بعمق الأثر، وتُكتب فيه العناوين لتُدهِش لا لتُفهِم.

وما بين ضجيجٍ يصمّ وحقائق تُهمَس في الزوايا، ضاع جوهر الرسالة التي خُلِق الإعلام لأجلها: الإنارة لا الإثارة.

إن الإعلام المعاصر يشبه مصباحًا عتيقًا يشتعل بحرارة ولا يضيء إلا قليلًا؛ يستهلك أعصاب الجمهور ويغذّي شهيته للانفعال، لكنه لا يمنحه معرفة تُبنى عليها رؤية.

وكلما ازداد هذا الضجيج، ازدادت العتمة في العقول، حتى صار المتلقي يعيش في حالة تشويش مستمر: يعرف كل شيء عن لا شيء، ويملك رأيًا في كل موضوع دون أن يفهم جذره.

لقد خسر الإعلام رسالته حين نسي أن النور لا يصدر من الصوت، بل من الصدق.

فليست مهمته أن يُرضي الغرائز أو يستدرّ العواطف، بل أن يقف في وجه الموجة لا على ظهرها؛ أن يذكّر الناس بما ينبغي أن يُقال، لا بما يحبّون سماعه.

فالإعلام الذي لا يضيء، وإن ملأ الدنيا ضجيجًا، يظل صامتًا في جوهره.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

النور لا يصدر من الصوت بل من الصدق

أعجبتني جملتك ، لأنها تلخّص جوهر الأزمة. صار الإعلام يبحث عن الصدى لا عن الحقيقة، عن لحظة انتشار وهذا هو المهم. ربما الحل في أن يعود الإعلام إلى مهمته الأولى أن يعلّم قبل أن يثير، وأن يكون ضوءًا يرشد لا وهجًا يُعمينا.

الأمر صار أصعب من ذلك بكثير فهناك جهات إعلامية وإعلاميين يبحثون عن المشاهدات والشهرة وصناعة الترند لدرجة أنهم قد يستغلوا حدث أو مأساة أو يصنعوا حتى حادثة، ولنا فيما فعلته مذيعة شبكة BBC الشهيرة في أحداث غزة وعند فتح سجن صيدنايا بسوريا كذلك خير مثال على الحقارة الإعلامية.

برأيي هي بقدر ما هي جيدة لكن المقولة بعيدة عن واقعنا، اخرجي اليوم وقولي للناس أن الدولار سعره لن ينخفض بسبب كذا وكذا وكذا هذا صدق مكروه لكن سيحبون صاحب الصوت السطحي الغير مصداقي، اخبريهم أن في مصر أكثر من عشرين أو ثلاثين فريق محترف ومهما اجتهدوا البطولات للنادي الأهلي فهو يعرف كيف يفوز هم لن يحبوا ذلك رغم كون صدق مبرهن، أخبريهم أزمة ترك الشيخ لن تنتهي لأنه يعيش على الجدل ولفت الانظار وجلب المهانة لنفسه لن يسعدوا رغم كونها حقيقة فهم يحبون هذه الضجة التي تحدث، الناس لا تحب الصدق والحقيقة بل تهرب منها لمهرجين ومخادعين يعرفون فن صياغة الكذب والفرقة والسطحية

صعب جدًا بل مستحيل أن تغير الناس، أو تغير منظومة بسياسات معقدة، فـ لماذا لا نكون نحن التغيير الذي نريد أن نراه كما قال غاندي؟، ويبني كل منا المنارة الداخلية الخاصة به؟

المشكلة ليست في الإعلام المضلل طالما أنه سيظل لاهثًا وراء كل ما يزيد المشاهدات والأرباح، وإنما في المشكلة في العقول التي داخلها النور ولكنها تفضل الصمت -وهي كثيرة بالمناسبة- فتترك الساحة لكل ما هو سطحي وعديم المعنى. هذه العقول لما تنسحب من المشهد؛ من الطبيعي أن يكسب الحرب الطرف الذي بقي في ساحة المعركة. لا احتمال آخر.

هذا مشكلة بحد ذاته بل و المشكلة الأكبر أن يكون الترند في ما يضر أو فيما يهدم قيم ويغربنا عن قيمنا أكثر واكثر. للأسف التريندات صارت لست في التفاهة بل في الإنحطاط فصار المراهقون للأسف يتم تغذيتهم نفسياً وعقليًا بكم كبير من انعدام القيم والتطبيع مع الهلس إن صح التعبير وكأنه هو العادي! برأيي المسئول عن كل هذا هو ضمائر الناس ليس فقط في بث الأخبار بل في نشرها و العمل على إذكائها كلما خبت نارها أو قاربت على الإنطفاء.