كلما انتقدنا فعل أو تصرف هذه الأيام نسمع عبارات مثل: لا تحكم على أحد، انشغل بنفسك ودع الخلق للخالق..وهكذا.
ورغم أننا نرفض الأحكام الخاطئة، ونرفض الأحكام المتسرعة أو غير المنطقية، ونرفض الأحكام التعميمية أو غير الملمة بالتفاصيل.
إلا إننا بصفتنا بشر فنحن كائنات أخلاقية أساساً، قد ميزنا الله بالعقل فنعرف الخير والشر، ونميز الصحيح من السقيم، ونفرق بين الصحيح والخطأ، فلو اختلطت هذه المفاهيم مع بعضها البعض، وصار الخير كالشر، والباطل كالحق، والمزيف كالحقيقي، نكون فقدنا ميزة عقلنا.
فالعقل قد سُمي عقلاً (العقل في اللغة هو ربط الدواب حتى لا تتحرك)، لأنه يعقل صاحبه، أي يحبسه عن ذميم القول والفعل، فبدون تصورنا لمفهوم (الذميم) لا يكون للعقل فائدة أصلاً.
لكن يبدو إن محو فكرة (الحكم) بكليتها سائدة بين الأوساط المجتمعية الحالية، وأصبح كل شخص قد يحكم على غيره معرض لاتهام إنه يتدخل فيما لا يعنيه، ومعرض لاتهامه بإنه يرى نفسه أفضل من غيره ويقيم نفسه حاكماً وقاضياً على أفعال غيره.
برأيك: هل أصبحت عبارة “لا تحكم على أحد” وسيلة لتجميل القبيح وتمرير الخطأ؟
التعليقات
الإنسان بطبيعته لديه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وهذا جزء أساسي من مكونات الوعي البشري. عندما نرفض "الحكم" على الآخرين، يجب أن يكون ذلك استنادًا إلى أساس من الفهم والرحمة، وليس بمثابة دعوة للتغاضي عن الأخطاء أو الظلم. فقد يؤدي غياب النقد البناء أو عدم محاسبة الأفعال السلبية إلى تدهور القيم الاجتماعية والأخلاقية.
"عدم الحكم" قد يتحول إلى تبرير لتقبل الخطأ أو القبول بتصرفات غير لائقة فقط لأن الشخص الذي يرتكبها هو من ضمن دائرة من نحب أو نعرف.
الإنسان بطبيعته لديه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ
قد زادت في الفترات الأخيرة محاولات خلط الخطأ بالأعذار والتبريرات، بعضها يبرر بأسباب نفسية والبعض بأسباب اجتماعية، لكن من الجيّد للإنسان أن يحتفظ في ذهنه بنسخة صافية من الأحكام السليمة، ولا يندفع إلى التبريرات أو الأعذار في كل أمر قد لا يستحق التبرير.
بصراحة؟
مررت بتجربة شخصية علمتني أنه لابد من أن أحكم على الناس، على الأقل الاشخاص الذين تحتك بهم يوميا او بشكل شبه يوميّ، حكمك على الناس فيه تفرسٌ فيهم ، إهتمامك بأن تحكم عليهم سيجعلك تركز اكثر في تصرفاتهم وشخصيتهم وتعرفهم على حقيقتهم
لقد كنت مغفلة (أعترف) وقضيت من عمري سنتين بحسن النوايا والأخذ بالظاهر، وبماذا عاد عليّ هذا؟ لقد حكم الشخص الآخر عليّ وقولبني (وضعني في قالب) ولم يقدر الحب الغير مشروط الذي كنت ابذله مع تصرفاتي العفوية.
لذا اهتمامنا بالحكم على الاشخاص المقربين سيحمينا وسيختصر مسافات كثيرة من الممكن ان نمشي فيها بلا أي نتيجة وبكل استنزاف.
هذه القاعدة لا بد أن تحاولي أن تستقرأي الطرف الآخر أي أن كان هو، وفهم نواياه والحكم عليه، أي شخص يربطك به علاقة سواء قريب أو صديق يجب أن يكون تحت المجهر حتى نتأكد من شخصيته وصفاته، لكن المقولة التي ذكرها @George_Nabelyoun موجه أكثر للأشخاص الذين لا نعلم عن ظروفهم شيئا فيصبح في حكمنا عليهم عدم مراعاة لما وضعوا فيه.
ولم يقدر الحب الغير مشروط الذي كنت ابذله مع تصرفاتي العفوية.
الحب غير المشروط هذا وهم ومجرد كلمة استغلالية لا أساس لها، أي علاقة قائمة على الشرط سواء كان نفسي أو مادي، حتى الأم والأب إن وجدوا أن ابنهم عاق قد يتوقفوا عن عطفهم عليه
في الواقع أنا شخصيا أميل إلى ألا أحكم على أحد، وذلك لأنني من خلال مواقف كثيرة تبين لي أنني عندما أحكم على شخص من موقف رأيته يفعله أو شيء يقوله فأنا أختزل حياة انسان بأكملها في تلك الدقائق التي رأيتها، وأن هناك العديد من التفاصيل والدوافع التي إذا علمتها قد تتغير نظرتي للشخص تماما. وبالتالي فلا أحب أن أطلق أحكاما على الناس، لكن قد أحكم على الموقف أو التصرف، حتى إذا بدا هذا تغيير لا معنى له إلا أنه بالنسبة لي على الأقل تذكير مهم أن ما رأيته هو تصرف واحد من هذا الشخص أنا لا أعلم سياقه ولا أعلم دوافعه ولا أعلم أي شيء آخر
هناك نوعان من الأحكام، واحد هو الحكم التمييزي، والآخر هو الحكم التقييمي.
الحكم التمييزي هو حكم مجرد من المشاعر كأن يقوم شخص بفعل سلبي فنعرف ذلك ونفهمه دون أن يؤثر على مشاعرنا ودون أن نحكم على الشخص كلية من موقف واحد.
بينما الحكم التقييمي: كأن يتأخر علينا شخص فنمضي في أفكارنا إنه لا يحترمنا ولا يقدرنا ويتعمد مضايقتنا بتأخره ذلك.
فائدة الحكم التمييزي هو اكتساب الحيطة والحذر من التعرض لمشاكل مستقبلية، بينما الحكم التقييمي أقل فائدة من وجهة نظري.
أنا نفسي حدثت معي مواقف مؤخراً حاولت فيها أن لا أطلق أحكام على أشخاص ووجدت بعدها إنه كان من الصواب أن أعتمد على أحكامي عنهم فقد كانت صائبة.
اسمع لو أنا نظرت في ديني سأجد أنني مكلف بالنصح فقط لا بالحكم، يعني أنت مخطئ أنصحك بأدب ورفق ولكن لا احكم عليك وكأنني خالي من العيوب والأخطاء.
ولو نظرت للجانب النفسي ستجد أن بالاحكام تفرغ وانشغال بالغير وطاقة مهدرة في إصلاح ما لن يفيدنا إصلاحه في شئ.
ولو نظرنا للجانب العملي سنجد أن الالتفات تشتت ومن أراد أن ينجو ويفلح فعليه بنفسه فقط لا بمن حوله ومن حولهم
بالتأكيد لا ندعو الناس أن يتفرغوا لمراقبة غيرهم وإصدار الأحكام عليهم، لكن كذلك ليس من الطبيعي أن نتصرف مع الجميع كأنهم ملائكة كما تدعونا أحياناً منشورات وسائل التواصل.
كما أننا لا ينبغي أن نمضي في حسن ظننا بالآخرين إلى أن نتغاضى عن عيوبهم حتى نجدها وقد انفجرت في وجهنا، وهذا يحدث إن تخلينا تماماً عن ملكة الحكم والنقد.