كظم الغيظ... قوة لا تُرى؟

الندبة

هي تلك النقطة السوداء في قاع الفؤاد،كبرت معنا كلما كبرنا، وبقيت عبر السنين كفرامل خفية قبل كل حادث شعوري. نستحضرها اليوم وكأنها وقعت الآن، رغم أن بيننا وبينها أعوامًا وأيامًا.

وقد تسأل نفسك:

هل أسامح من كانوا سبب وجودها؟

أم أشكرهم لأنهم صنعوا في داخلي وعيًا أقسى؟

الله عزّ وجل قال في كتابه الكريم:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾

فالغلّ، والقهر، والحسرات، والغضب…كلها مكشوفة له

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

ثم بشّرك وقال:

﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

الغضب — كما قال الدكتور محمد رجب —

هو الوسيلة الوحيدة التي تميّز الإنسان القوي من الضعيف... وتذكر ..

لم يكن كظم الغيظ يومًا ضعفًا، بل كان أعلى مراتب القوة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لكن لا أعتقد أن معنى كظم الغيظ أن نخفي مشاعرنا بداخلنا ولا نعبر عنها أو أن نقبل الإساءة ولا نرد أو نكون سلبيين، بل كظيم الغضب الذي قد يكون دافعًا لتصرفات مؤذية أو انتقامية أو أكبر من الفعل نفسه.

وعلى أي حال إذا كان لدينا مثل تلك الندبات فيجب أن نتعامل معها ونتجاوز ألمنا من تلك التجارب بطريقة صحيحة لا أن نراكمها حتى ننهار، وإذا كان بإمكاننا أن نسامح من أساء إلينا فلا مشكلة لكن لا يجب أن نجبر أنفسنا على ذلك.

أرى أن كظم الغيظ ليس معناه الصمت عن أخذ الحق، بل التحكم في ذلك الغضب، فهناك غضب مدمر للآخر والشخص نفسه، رأيت شخصيًا أشخاص ليأخذوا حقهم، كان غضبهم يضرهم ومنهم من توقف قلبه فجأة، لذا فالتحكم في الغضب في وقت أصبحت فيه الانفعالات سريعة (تحت غطاء التلقائية) هو أهم ما يميز الإنسان الواعي.

كظم الغيظ حينما يكون لأجل أعراف اجتماعية يولد ما قلت عنه من كل تلك المشاعر السلبية أما حينما يكون امتثالاَ للأمر الإلهي أو الإرشاد الإلهي فإننا هنا بكظمنا غيظنا نتوسل إلى خير أكبر من مجرد التسرية عن غضبنا هذا لأننا نعلق مثوبتنا بخالقنا. ثم أن الله لا يريد لنا بعد كل هذا أن نظم غيظنا ونعيش بطاقة سلبية فوجه الحق إلى إرشاد آخر وقال: و العافيين عن الناس.... يعني اعفو عنه كأن الخطأ لم يصدر عنه أصلا وتنساه بل وجه إلى درجة أعلى وأعظم من الشعور و السلوك لا يقدر عليهما إلا أولو العزم فقال: و الله يحب المحسنين ...يعني إن كنت تريد درجات اعلى مني فأحسن إلى من أساء إليك حتى تستل من نفسك اولا ثم من نفسه ثانيا موضع الغيظ و الغضب.

لكن الندبة التي نحملها معنا طول العمر هي عبء تمنعنا من الاستمتاع بالحياة أو التواصل بحرية مع الآخرين. كظم الغيظ ليس دايمًا قوة أحيانًا يكون مجرد طريقة لإبقاء الجرح موجود داخلنا بدل أن نتجاوزه. التسامح أو تجاوز الألم هو الذي يمنحنا حرية أكبر وقوة حقيقية لأنه يحرر القلب من أي ندبة بدل ما يظل محتفظ بالغضب كـ وسيلة قوة. الغضب المكبوت قد يعطي شعور بالقوة لكن التسامح الواعي أقوى وفي النهاية الأمر يختلف من شخص لآخر على حسب قدرته على التسامح أو كظم الغيظ .

لكن التسامح يفتح الطريق أمام اختيار السهولة وترك الحقوق، أحياناً وجود الجرح يجعلنا يقظين ومنتبهين لأي موقف مشابه فلا نتعرض لنفس الخديعة، كما أن ترك الجرح يجعلنا لا نتنازل عن حقنا بسهولة.

شعور الغضب المستمر قاتل مثل ما بنقول نار قيده جوانا هو حمل ثقيل على عقلنا وقلبنا وجسمنا ويجعل تفكيرنا غير واضح وقراراتنا ليست صحيحة ويجعلنا نرى العالم كله كتهديد بدل أن نصبح أقوى وأكثر حكمة. التسامح لا يعني أن نتنازل عن حقنا أو نغفل عن العدالة لكنه يحررنا من ثقل الغضب ونظل واعيين وحذرين في نفس الوقت من غير ما نرهق قلبنا وروحنا.

نعم ولكن التسامح طريق إلى سلامنا النفسي لأن الغضب والإستمرار عليه شعور سلبي ياكل صاحبه وأول ما يؤذي يؤذي حامله مثله مثل الحسد لما قالون عنه لله در الحسد بدأ بصاحبه فقلته قبل المحسود اما المسامحة و العفو فهو شعور إيجابي ومطلوب لذاته أولاً ولا يعني هذا اننا ننسى او كان الشيئ لم يحدث لا نحن نتذكره ولكن موقفنا حياله يكون بالعفو وكأنه لم يكن.

من تجربتي الشخصية، تعلّمت أن كظم الغيظ لا يكون موقفًا واحدًا ثابتًا، بل قرارًا يتغيّر حسب الأثر الذي تركه الأذى داخلي.

إن كان الضرر حقيقيًا وعميقًا، حاولت أن أحتسبه عند الله، لا لأنني قوية طوال الوقت، بل لأنني لا أملك دائمًا القدرة على المسامحة الكاملة. الاحتساب هنا كان وسيلتي للنجاة، وانتظار العوض في الآخرة حين يعجز القلب عن النسيان.

أما إن كان الأذى عابرًا ولم يترك أثرًا يثقّل روحي، فأجد المسامحة أسهل، وأقرب للسلام الداخلي. ليس لأن الفعل كان مقبولًا، بل لأن حمله معي لم يعد له معنى.

كظم الغيظ، بالنسبة لي، لم يكن إنكارًا للألم، بل وعيًا بحدودي الإنسانية. أحيانًا يكون العفو قوة، وأحيانًا يكون الاحتساب هو القوة الوحيدة الممكنة. وفي الحالتين، يبقى الأهم ألا يتحوّل الغضب إلى سجن نعيش فيه طويلًا.