متى فقدنا القدرة على التمييز بين الواقع والزيف؟

عادةً الطريق للحقيقة لا شكَّ أن له معايير معينة ينظر لها العاقل للعثور على الاتجاه الصحيح والتمييز بين طريق الحقيقة والوهم: 

البرهان / الدليل

 المرجعية / المصدر

 المنطق / السببية

 هذه المعايير لم تختفِ يومًا، لكننا مع ذلك لم نعد نقدر أن نستند إليها بسهولة وسط زحمة الصور والخطابات من حولنا اليوم، بل صار الضياع رغم وجودها عنوان كل مرحلة.

لفهم هذا، يمكن أن نستعين بما طرحه جان بودريار عن "التشَبّه": ليست مجرد كذبة تخفي الحقيقة، بل بناء واقعٍ بديل يتكرس شيئًا فشيئًا حتى نراه هو الحقيقة نفسها.

انظر مثلًا إلى صانع المحتوى الذي يصوّر حياته المثالية يوميًا حتى نصدق أن ما عداها لا يُعاش، ثم نكتشف عبر فضيحة ما بمصادفة قد لا تحدث دائما أن حياته مليئة بالمشاكل.

 أو ذلك الفنان الذي يكتب نصوصًا مليئة بالأخطاء، ومع ذلك يُرفع فوق الرأس وكأنه سيبويه هذا العصر، فيحظى بالتكريمات أو المناصب أو حتى الشهرة.

 و السياسي الذي يطل علينا دائمًا بخطابٍ براق

 يعد بالتحسن بينما الواقع يسير من سيئ إلى أسوأ. أو الأخبار المكررة التي تُعاد علينا بصيغة واحدة حتى نؤمن بها تلقائيًا وكأنها حقائق رغم أنها زيف.

هذه ليست مجرد خدع فردية، بل صارت جزء من آلية أكبر بشكلٍ إرادي أو لا إرادي

منظومة إعلامية واجتماعية خطابية كاملة قادرة على صناعة الوهم وترسيخه - بقصدٍ أو دون قصد -

لأنها تكاثفت وتكررت حتى صارت تُربك معاييرنا نفسها. 

وهنا يصبح التمييز صعبًا، لأن الدليل والمنطق لا يشتغلان بمعزل عن هذه المنظومات.

قد نقول إن الحل هو التفكير،

 وهذا صحيح من حيث البداية، لكن التفكير وحده لا يكفي إذا بقي ساذجًا أو أسيرًا للصور الجاهزة. 

ما نحتاجه هو تفكير نقدي: أن نتوقف، نتساءل، نفكك الخطابات من حولنا، ونفهم كيف يُصنع هذا "الواقع".

 عندها فقط يمكن أن نخرج من الدوامة، ونستعيد قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والحقيقة المزيفة.