بيئتك تحدد مستوى تقبّلك وتعاملك مع المخاطر..
- ErinyNabil
- 2025-06-01T18:38:25+00:00
- 2025-06-01T18:40:30+00:00
غالبًا ما تؤثر المنطقة التي ننشأ فيها في مستويات استيعابنا للمخاطر، والقرارات التي تُبنى عليها. مثلًا، بعض الأحياء الشعبية التي تُعد "خطر" أو يسود فيها "أخذ الحق بالدراع"، نجد ساكنيها يألفون فكرة التعامل مع مواقف العنف بأنواعها، بل لديهم طرائق متعددة لفض النزاعات، ولا يصابوا بالهلع في حالات الطوارئ مثلًا، وحتى فكرة أن يعمل أحدهم مهنة محفوفة بالمخاطر، بالنسبة إليه هي أمر مألوف، سواءً من ساكني الحي نفسه، أو حتى في أفراد العائلة الواحدة.
بعض المهن بالطبع تفرض على أصحابها اعتياد الطوارئ والمواقف الخطرة، ولكن كلما كانت البيئة بها نماذج واقعية، زاد تقبّل الفرد لفكرة "الخطر" نفسها، ويستطيع حتى التعامل معها بعقلانية دون هلع مفاجئ مثلًا! فهل كان لمنطقة نشأتكم أي دور في تشكيل طريقة تعاملكم مع المخاطر، أو حتى اختيار مهن عن أخرى؟
النشأة تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل علاقتنا بالمخاطر، سواء في ردود أفعالنا أو في قراراتنا لاحقًا.
نشأتُ في بيئة يُمكن وصفها بالخشنة نوعًا ما، حيث كانت المشكلات تُحل غالبًا بطرق مباشرة، وأحيانًا بصوتٍ عالٍ. هذا الجو، رغم قسوته الظاهرة، علّمني الهدوء في لحظات التوتر، وربما منحني قدرة على تقييم المواقف دون فزع، فقط لأن عقلي تعوّد رؤية "الأسوأ" منذ وقت مبكر.
حتى على مستوى العمل، لاحظت أن كثيرًا ممن نشأوا في مثل هذه البيئات لا يتهيبون من المهن الخطرة أو غير المستقرة، وكأنهم يحملون مناعة داخلية تجاه فكرة "الخطر" ذاتها، بعكس من تربّى في أجواء أكثر أمانًا، فتراه يفضّل المسارات الواضحة والمضمونة.
علّمني الهدوء في لحظات التوتر، وربما منحني قدرة على تقييم المواقف دون فزع، فقط لأن عقلي تعوّد رؤية "الأسوأ" منذ وقت مبكر
شكرًا يا عبدالرحمن إنك ذكرت دروس مستفادة مهمة جدًا، الفكرة إنك بشخصية أخرى، كنت ربما اخذت منحنى آخر وتعاملت مع كل مواقف حياتك بنفس الطريقة "الخشنة" كما وصفت، ولذلك أنا اجد إننا عندما نعي في رشدنا كيف نغيّر الأساليب التي تعودنا عليها، ونغيّر حتى عقلياتنا في اتخاذ القرارات، تكون البيئة هنا أو النشأة دورها يقف عند غلهامنا إلى الأفضل، وعدم استمرار ما اعتبرناه "سيئًا"، ونجد لدينا قدرات على التمييز بين الاساليب الدفاعية في المواقف، والتريث والهدوء كما ذكرت، وهنا سؤال بسيط: هل تغييرك لما نشأت عليه جاء من خلال الملاحظة واختيار الإتجاه المعاكس، أم بعد أخطاء متكررة لك والتعلّم منها؟
لقد صادف أن نشأتي في الطفولة وفترة المراهقة في حي شعبي مما تنطبق عليهم صفة الحي الشعبي المذكور لديك وهو حي الورديان بالأسكندرية ، ثم أنتقلنا لمنطقة غير شعبية أو راقية بالأسكندرية وهي منطقة بيانكي ، ولاحظت الاختلافات وتعلمت الكثير من طبيعة كل حي ، وبالفعل هي تؤثر بشكل كبير على طرق التعامل في المواقف الخطيرة ، فعلى سبيل المثال وليس الحصر كنت أضطررت في فترة للعمل بالأمن وكنت مسئول عن حراسة أرض نائية تحتوي بداخلها على حديد خردة ، وكانت هناك عصابات تأتي بعربات كارو مكونة من 12 شخص على الأقل مدججين بالسلاح الأبيض ينتظروا أن يغفو ضابط الأمن المسئول للتسلل للأرض وإلى برج المراقبة لتثبيته (جعله رهينة حتى يتثنى لهم سرقة الخردة دون الإبلاغ لزملائه) ، وكانوا يستكشفوا ضابط الأمن الجدد فإن وجدوهم خائفين أو نائمين يقومون بالسطو على المكان بكل أريحية ، ما يهم أنني في هذا الموقف كان معي جهاز لاسلكي للإبلاغ ، الخطير أني أكتشفت أن البطارية فارغة عند ملاحظات العصابة تقترب ، فخرجت واقفاً فوق حافة سور البرج ممسكاً بسيف حديدي بيد وفي اليد الثانية متصنعاً الحديث لزملائي : وتحدثت حينها مع رئيس العصابة الذي أخبرني أنه سيدخل للأرض رغم أنفي وأنه سيقوم بالسرقة حتى لو أضطر لقتلي .. أتذكر ما أخبرته جيداً
قولت له بالتحديد قد تستطيع قتلي لكن بعد أن أقتل ثلاثة منكم على الأقل وبالنهاية لن تستطيعوا سرقة أي شيء لأنني قمت بالإبلاغ فعلياً لزملائي وهما قادمون في أقل من 15 دقيقة وهي فترة لا تكفيكم للسرقة والهرب .
أتذكر أنه منع أحد اللصوص من أتباعه من القفز بنظرة من عينيه ثم بدأ بالحديث معي حتى أنه قدم لي سيجارة تناولتها وأشعلتها (رغم أنني لا أدخن) وبدأ بالحديث والإشادة بي لأن قلبي جامد وسألني عن منطقتي وعندما عرف أنها (الورديان) وجدت نظرة الاحترام تعلو وجهه وأخبرني أنه يسرق لأنه أكل عيشه وأن الشركة صاحبها من أكبر اللصوص في البلد (هذه حقيقة بالفعل) وأنني أحميه .. أخبرته أنني مجرد فرد أمن بسيط لا دخل لي بالسياسة أنا فقط أعمل ما كلفت به وهي حماية تلك الأرض من الدخلاء .
أخبرني أنه سيزيف كارنيه وسيدخل البوابة كسائق ولن أستطيع منعه .. أخبرته أن مسؤلية الكشف عن التصاريح والبوابة ليست أختصاصي فانصرف وبعض أتباعه لم يعجبهم تصرفه ولكن أحد أتباعه قال لي على أن أحذر جيداً لأنه في اللحظة التي سيجدوني فيها نائماً سيدخلون فوراً
أخبرته .. أنني لست خائف ببساطة لأنني لن أنام ..
مهنة الأمن رغم بساطتها الظاهرة ليست سهلة أبدًا، وقصتك فعلاً جعلتني أشعر وكأنني أشاهد مشهدًا من فيلم أكشن مشوق، شجاعتك وهدوءك في مواجهة الموقف يستحقان التحية والاحترام، وأحييك على ثباتك وروحك القوية التي جعلت حتى اللصوص يحترمونك، فمثل هذه المواقف تثبت أن الشجاعة ليست فقط في القوة، لكن في العقل والهدوء والتصرف الصحيح، وتصرفك هذا لن يقدر عليه الكثيرون، فقد يهرب البعض أو ينهار تحت الضغط.
أشكرك بسمة لكلمتك الرقيقة والمشجعة ولكن بحقيقة الأمر كما أشارت المساهمة أنني لم أدعي شجاعة لمجرد تسجيل موقف بطولي .. أنا تصرفت بتلك الطريقة لأن كل الخيارات الأخرى هي أسوأ بالنسبة لي ، فلو هربت من مكاني مثلاً وأنا أحمل بطارية فارغة سيتثنى للصوص الدخول والسرقة بأريحية في الوقت الذي أقطع المسافة للتبليغ وإتخاذ إجراء ، وحينها سيتم إتهامي بالشركة بأنني متوطئ معهم لأني تركت مكاني خاوياً ، وأنني لم أخذ إحتياطاتي من البداية مثل التأكد أنني أستلم بطاريات مشحونة (ولكن لأني كنت جديد ) لم يتاح لي الفرصة الكافية للتأكد من أني أستلم بطاريات مشحونة فبعض ضباط الأمن يعملون على تسليم بطاريات فارغة للاحتفاظ لنفسهم بعدد أكبر من البطاريات ، أما بالنسبة للثبات في الموقف فهذا تعلمته من طبيعة الحي (عمر الأنسان مكتوب لن يموت ناقص أو زائد عمر) فالمواجهة هي الخيار الأفضل حينها برغم خطورته.. مع العلم أن هناك زملاء سابقين تعرضوا لنفس الموقف وأنهروا وطردوا من الشركة والبعض سجنوا .. ليس لأنهم بالضرورة خائفين، ولكن لم يستطيعوا إدارة الموقف وتقدير حجم الخطر .. فأنا لي زميل مثلاً أقوى وأشد مني ومن نفس الحي ويعمل معي تعرض لنفس الموقف ولكن بدلاً من أن يدير الأمر بذكاء وشجاعة أكتفى بالاشتباك معهم بشكل مباشر كان يظن أن القوة والشجاعة تكفي للخروج من الموقف ، ولكن تعرض لإصابة خطيرة لأنهم لصوص معتادين على قتال الشوارع والهجوم بشكل منظم (رغم أن أغلبهم بعمر صغير يبدأ من 12 عام) وأكبرهم بعمر 36 عام ، تسبب زميلي أيضاً في طرد نفسه من الشركة ، فحتى قوات الأمن الداعمة تعمدت الوصول متأخراً لعدم الاشتباك مع اللصوص ، لذا لم يكن الحل أبداً في الهرب أو التصدي بعنف ..بل إدارة الموقف والخروج بأقل ضرر ممكن .. وهذا بالفعل ما تعلمته من الحي من المعارك فيه التي كانت تحدث بصفة شبه أسبوعية ونسمع لعشرات القصص ونتعرض لعشرات المواقف من الطفولة هي ما جعلت إلى حداً ما قلبي ميت .. لكن بحقيقة الأمر أنا بداخلي كنت أشعر بالخوف .. ولكن لم أظهر ذلك بأي شكل .
لكن بحقيقة الأمر أنا بداخلي كنت أشعر بالخوف .. ولكن لم أظهر ذلك بأي شكل .\
أنت لديك سرعة بديهة يا صديقي بمعزل عن فكرة نشأتك في الحي الشعبي، وأفهم غنك تظن أن قرارك كان فقط لمواجهة الموقف وإنه أفضل الخيارات السيئة والسيناريوهات المتوقعة، ولكن كما حدث في صديقك وذكرت إنه سوء إدارة للموقف منه، هو في الحقيقة قد يقع ف الدائرة المشهورة "الكر أو الفر أو الجمود"، صديقك اختار الكر باندفاعية فعلًا دون ذكاء في تقدير الموقف، وهذا أراه طبيعيًا في حالة عدم وجود أنماط عقلية لاواعية أصلًا يتصرف بناءً عليها، أما في حالتك فسرعة البديهة ساعدتك، وجزء منها كما ذكرت نابع من مشاهداتك لمشاجرات في الحي الشعبي، والجزء الآخر من أنماط كونّتها بنفسك، وملحوظة أخيرة، ذكائك البصري-المكاني ساعدك كثيرًا في في توقع نمط سريع للمشاجرة حتى لو لم تعِ ذلك.
يا صديقي، دائمًا ما أجد عندك قيمة فعلًا في سردك للمواقف، وبالطبع، اتمنى لك السلامة دائمًا وأبدًا،
حسنًا، أنت فعلًا ربطت بين نشأتك في حي شعبي ساعدتك على تقبّل فكرة الوقوع في مخاطر أو حتى العمل في مجال الأمن، والفكرة إنك استفدت من واقعك عمومًا وتهيئته لك دون لوم مثلًا أو تأفف من الحي الشعبي، وحتى قصتك حتى أكون صادقة، بها حمولات خطر كثيرة فعلًا، الأغلب لو شخص آخر، كان ليتراجع عن نقطة حمل السلاح واشهاره في حين أن العدد كبير مقابل فرد واحد، فلو يمكنني سؤالك يا صديقي: هل جراتك فعلًا مكتسبة من نشأتك في الحي الشعبي، هل كوّنت عقلية من خلال مواقف عايشتها، أو على الأقل شاهدتها في الحي الذي نشأت فيه؟
شكراً صديقتي Eriny Nabil لكلماتك التشجعية الرقيقة، ويمكنك القول بأنني في فترة مراهقتي تعرضت لبيئة خطيرة جداً في المدرسة والشارع بالشكل الذي يجعل تلك الأمور الخطيرة مقبولة في عقلي على إنها أمور طبيعية فكان من البديهي أن أجد في الشارع شجار بالسلاح الأبيض ، وأستراتيجيات كر وفر ، حتى الشجارات بالأسلحة النارية لم تكن بعيدة عني بالحقيقة ، بل أنني شاهدت حادث مؤلم للمرة الأولى وهي قتل شخصاً ما أمام عيني تضافر عليه عدد هائل من الأشخاص لقتله ، لنقل أنني عشت طفولة ومراهقة شديدة القسوة والخطورة و ((نجوت)) بالتأكيد اكتسبت خبرات وحتى صداقات مع مختلف أنواع البشر الصالح والطالح وتعلمت منهم الكثير .. طبيعيتي الأساسية المحبة للعلم والقراءة قد يكون لها دور كبير في اكتسابي لقدرة تحليلية لأي موقف .. يمكن أن أقول أنني أعيش الموقف في رأسي قبل أن يحدث وأضع بعض الاحتمالات وأتصرف وفقاً لذلك.
هذا الأمر معروف جدا حتى بعالم الأعمال، وبالثقافات الخاصة بالدول، يسمى Uncertainy avoidance وهو تجنب عدم اليقين، فهناك دول معروفة بميلها للمخاطرة على عكس الدول العربية تحديدا مصر معروفة بتجنب المخاطرة وهذا بدوره يؤثر على قرارات العمل، بين السرعة في حالة المخاطرة وبين التروي بالقرارات وبطئها في حالة الدول التي تتجنب المخاطرة، وهكذا بالضبط يحدث مع الأشخاص
جميل إنك أخذت المحور لنقطة أشمل، وهي البلدان والثقافات نفسها، نجد أمريكا وانجلترا والصين والهند، من أكثر الدول (أكبرها اقتصاديًا حتى وهي نقطة تتناسب طرديًا مع فكرة المخاطر في رأيي) التي لديها معدل منخفض من الخوف من المخاطر أو تجنب عدم اليقين، وهذا يسهل تفسيره بحكم نشأة دولة مثل أمريكا، وبحكم مسار الامبراطوريات البريطانية والصينية كلاهما لا خاضا مخاطر كثيرة بغرض التوسعات، وهُزمنا أيضًا كتبعات لاحقة، وكل منهما شيدت بنفسها بطرائق مختلفة، ولا سيما الصين في ستينيات القرن الماضي مع الثورة الثقافية الديكتاتورية، لذلك، انا فعلًا أدعم فكرة تأثير الخلفية الثقافية الحضارية في تكوين عقلية البشر من ساكني تلك المناطق.
انا فعلًا أدعم فكرة تأثير الخلفية الثقافية الحضارية في تكوين عقلية البشر من ساكني تلك المناطق.
كلامك صحيح، ولكن لا ادعمه بشكل مطلق، فبداخل هذه الدول سنجد من يخشى المخاطرة قد يكونوا قلة ولكن موجودين، مثله مثل مصر والسعودية والإمارات وهي من الدول مرتفعة الخوف من المخاطر، سنجد بها نماذج لأشخاص يمكنهم المجازفة والمخاطرة بشكل قوي
للأسف التردد وتجنب المخاطرة رغم أنه قد يكون أحيانًا وسيلة للسلامة، إلا أنه كثيرًا ما يحرمنا من فرص رائعة كانت يمكن أن تغير مجرى حياتنا للأفضل، برأيي هذا هو السبب الرئيسي وراء تقدم بعض الدول وازدهارها، بينما تبقى دول أخرى في مكانها، غير قادرة على مواكبة التغيير، فالمخاطرة ليست مجرد خطوة جريئة، بل مفتاح للنمو والابتكار واكتشاف آفاق جديدة.
كانت نشأتى فى بيئة خشنة وهى بيئة الصعيد وتحديدا فى القرية ،تعلمت منها ألا أهاب شئ ولا تهمنى المخاطر ولطالما كنت المبادر فى معظم الأحداث التى مررت بها،وفى احيان كثيرة كان يمكننى تجنب الخطر ولم افعل،ولكن بعد إنتقالى الى المدينة لإتمام المرحلة الجامعية ،حينها أدركت الفرق بين البيئتين ،حتى بدأت اوازن بينهما فلم أعد اندفع بدون إحتراز مثل السابق ولكن فى نفس الوقت احتفظت بعدم مهابة المخاطر ولكن اصبحت استعد لها أكثر والخروج بافضل النتائج من كافة النواحى
إن بيئة الصعيد مليئة بالفخر والكبرياء والجرأة ،لقد تعودنا منذ صغرنا عدم مهابة المخاطر ،خصوصا لو كان شيئا يمس الكرامة او الكبرياء،لدينا عادات اصيلة بالدفاع عن اهلنا واصدقائنا وحتى معارفنا ،وذلك يجعلنا نندفع فى معظم الاحيان دون حساب العواقب.وكما تفضلت وذكرت بتحمل المسئولية ،فإن ما يدفعنا لذلك دوما هو الاحساس بالواجب تجاه مجتعمنا.
يا عزيزتي إيريني، جميل جدًا هذا التحليل الأنثروبولوجي السريع، وكأننا في ندوة عن التكيّف العصبي والسلوكي تحت ضغط الأحياء الشعبية
تقولين إن من نشأ في بيئة خطرة صار لديه تقبّل للمخاطر وقدرة على التصرف في الأزمات…
وكأننا نتحدث عن تدريب نخبة عسكرية، لا عن ناس عاشوا تحت الضغط لأنهم لم يملكوا خيارًا آخر!
ثم لحظة…منذ متى صار التعوّد على الخطر ميزة؟
هل لأن الناس لم يصرخوا تحت القصف العاطفي والاجتماعي صاروا أبطالًا في إدارة الأزمات؟
ما هذا التلميع الغريب لقسوة الواقع؟
لا أحد يختار أن يتربى في مكان يأخذ الحق فيه بالدراع إلا إذا لم يكن أمامه شيء آخر.
فهل نطوّب هذه الحياة كأنها إنجاز؟!
والأجمل من ذلك كله أن يأتي هذا الكلام من طبيبة، تُفترض فيها الحساسية تجاه الألم، لا تبريره تحت اسم الاعتياد
تخيلي مثلًا أن شخصًا تعرّض طوال حياته للعدوى ثم أصبح لا يمرض بسهولة…
هل نُسمّي ذلك مناعة، أم نسأل أولًا: لماذا تُرك عرضة لكل هذا أصلاً؟
المشكلة ليست في من يتحمّل الخطر، بل فيمن يُعيد تعريف الألم على أنه مرونة سلوكية… وكأن من لا ينهار صار ناضجًا، بينما في الحقيقة هو فقط تأقلم مع القسوة مجبرًا لا مختارًا...
أرجوكِ، يا طبيبه إيريني لا تروّجي لواقعية كاذبة تجعل النجاة تبدو وكأنها بصيرة.
هي أحيانًا مجرد حالة طوارئ طويلة… بلا خيار، بلا صوت، بلا شفقة.
توقعت هذا التعليق حقيقةً،
حسنًا، أفهم ما وصلت إليه بخصوص النقاش، أولًا، أنا أتحدث عما أراه في الواقع فقط، لا أضع مبررات ولأ أقول أن البيئات العنيفة حتى تسكن الشعور بالألم لدى الأفراد، او تفيدهم باي شكل، وبالطبع يا عزيزي أيضًا، لو كنت تعتقد أنني أتحدث عن بيئة مثل بلدان ك غزة ونيجيريا وغينيا وغيرها.. فهذا لم اتطرق إليه بأي شكل في كلامي ولا أقصده مطلقًا.. تلك بيئات صادمة بكل المقاييس واي أفراد نشأوا فيها، بلا أي شك، هم في أسوأ بيئة ممكنة للنفس وللجسد معًا.
تخيلي مثلًا أن شخصًا تعرّض طوال حياته للعدوى ثم أصبح لا يمرض بسهولة…
هل نُسمّي ذلك مناعة، أم نسأل أولًا: لماذا تُرك عرضة لكل هذا أصلاً
للأسف، وهذا ليس كلامي بالمناسبة، المناعة فعلًا ستكون لديه بسبب أن بيئته تعرض فيها لأنواع عدوى محددة، فتكونت له مناعة، هذا لو أننا نتحدث بأسلوب مجرد طبعًا، ولكن كلامي هنا ليس مقصود به التعود على العنف والألم والصدمات حتى نواجه المخاطر، أنا اتحدث عن ملحوظات من أناس عاشوا في بيئات مختلفة فقط.
إذن، المقصود هو، أن الطبيب النفسي مثلًا لو نشأ في بيئة راقية جدًا جدًا، غالبًا لن يكون بنفس سعة الاطلاع على صفات البشر (بطبيعة حال الخصوصية العالية في البيئة الراقية فقط) عكس أن يكون في منطقة معرّض فيها لمختلف الطبائع والشخصيات من البشر، كذلك مثلًا مهنة التمريض أو تخصص الطوارئ في الطب، أو العمل في بعض مهن البناء والإطفاء وتخصصات أخرى، تجد حتى أصحابها يتحدثون عن تاثير بعض العوامل في نشأتهم على اختيارهم لتلك المجالات (ولا أعمم طبعًا).. هذا هو المقصود، وحتى هنا أريد سؤالك، من خلال ملاحظتك الشخصية فعلًا لأنماط البشر في الواقع، هل ما تحدثت أنا عنه رأيته قبلًا، أم لديك راي مختلف تمامًا؟
- حذف بواسطة المستخدم
رائع. وصلنا إذن إلى المرحلة المعروفة في مثل هذه النقاشات "أنا لا أعمم… أنا فقط ألاحظ"،و"أنا لا أبرّر شيئًا… أنا فقط أقدّم ملاحظات"،ثم أخيرًا، بطرافة لا يمكن إنكارها "أنتَ فسّرت كلامي أكثر مما يحتمل"
سيدتي، اسمحي لي أن أكون مباشرًا بما يكفي هذه المرة
حديثك، رغم لغته الناعمة، ليس رصدًا، بل هو محاولة تجميل غير واعٍ لفكرة قاسية أن البيئات القاسية تُنتج مهارات أو تصقل نفوسًا.وهذا كلام مخادع تمامًا، حتى لو جاء على هيئة مجرد رأي..
المقصود هو، أن الطبيب النفسي مثلًا لو نشأ في بيئة راقية جدًا جدًا، غالبًا لن يكون بنفس سعة الاطلاع على صفات البشر (بطبيعة حال الخص
احقًا يا طبيبه؟!هل أصبحت الفوضى معيارًا للفهم؟
من قال إن كثرة الاحتكاك بالبشر تعني فهمهم؟
إنه فرق واضح بين رؤية الألم و امتلاك أدوات تحليله.
تمامًا كما أن مشاهدة مرضى في الشوارع لا تؤهلك لممارسة الطب. ثم تشبيهك بالمناعة… للأسف، ليس مجرد خطأ. بل هو سقوط مفاهيمي واضح..
فالمناعة ليست إنجازًا أخلاقيًا ولا استحقاقًا تربويًا.
المناعة التي تتكون بعد سلسلة عدوى ليست بطولة، بل سجلًّا من الإهمال.
وكأننا نقول لطفل
"أحسنت لأنك نجوت من الضرب، إذًا لديك مقاومة للعنف!ياللذكاء"
والأدهى من هذا، محاولتك استبعاد بيئات مثل غزة أو نيجيريا من كلامك، وكأن الفكرة تبطل بزعم النية.
لكن الحقيقة؟ الفكرة واحدة سواء لبست جغرافيا راقية أو أحياء شعبية أن العيش في الفوضى يجعلنا أقدر. وهذا أخطر ما في الكلام .
لأننا بذلك نضفي قيمة زائفة على الألم،ونحوّل المعاناة إلى رصيد خبرة،ونُشرعن عجز الواقع باعتباره مادة خام للنضج.
من قال إن كل من نشأ في بيئة صعبة صار أعمق أو أذكى أو أكثر قدرة؟
هل رأيتِ كم من النفوس المشوّهة خرجت من تلك البيئات؟ هل أحصيتِ كم الذين دُفِنوا حيًّا تحت ثقافة البقاء بدل الحياة؟
الاحتكاك لا يخلق وعيًا، كما أن الجراح لا تصنع دومًا أطباء.وأخطر ما في الأمر…أن يتحوّل الألم إلى تجربة ملهمة يتغنى بها من لم يذقها،ويُسقطها على الآخرين وهمًا أنها تصنعهم أفضل.
أعتقد أن السمات الشخصية والتنشئة داخل الاسرة تؤثران على طباع الإنسان أكثر من النشأة داخل منطقة دون أخرى، والدليل على ذلك أننا نجد الشجاع والجبان داخل المنطقة الواحدة، كما أن ميل الأشخاص للعنف لا يدل دائماً على شجاعتهم بل يمكن أن يدل على خوفهم واهتزاز ثقتهم بنفسهم.
ويدخل في حساب الشجاعة عامل آخر وهو ملابسات الموقف، فقد حكى لي صديق أعرف عنه الهدوء ونشأ في منطقة عادية: حدثت مرة مشاجرة في محيطهم وحاول بعض الأشخاص اقتحام العمارة التي يسكن فيها ليصلوا لخصومهم، وكان بيته أول ما سيمروا عليه بعد الاقتحام مباشرة، فأخرج من البوتاجاز قضيب معدني به سنون وخطاطيف مخصص لشواء الدجاج، وعزم أن يرد بضرباته أي شخص يحاول دخول مسكنه الخاص الموجود به والديه، دون أن يرف له جفن، أو تزداد نبضاته نبضة.
، كما أن ميل الأشخاص للعنف لا يدل دائماً على شجاعتهم بل يمكن أن يدل على خوفهم واهتزاز ثقتهم بنفسهم.
هذا جزء من الفكرة أيضًا، البيئة وما نشاهده في شواعنا التي نشأنا فيها، يؤثر أصلًا في وعينا وأساليب دفاعنا، إما نصبح مثلها، كما ذكرت يكون العنف هو وسيلة دفاعية تدل على عدم معرفة أي اساليب عقلانية اخرى، وإمّا نذهب في المسار المعاكس تمامًا، ونرغب في الابتعاد عن كل السلوكيات التي رأيناها، وتكون بالنسبة إلينا، مجرد دروس وعلامات ليس إلا.
ولكن هناك حالة لفتاة تربت مثلًا في منطقة شعبية، ثم تركتها وذهبت إلى منطقة راقية جدًا، وتزوجت من شخص اجنبي، وما زالت غير قادرة على التعامل معه بسلوكياته، التي تُظهر مشاعره في العلن، لأنها لم تعتاد رؤية ذلك في مكان نشأتها، بل لو حدث ذلك في منطقتها، لاضطرت إلى سماع ألفاظ سيئة لها وللزوج، وبالمناسبة هذا كلامها الشخصي. ولذلك اقول ان البيئة تساهم بشكل ما في تشكيل الوعي والإدراك، وبعض السلوكيات الدفاعية اللاواعية ايضًا.
أعتقد إيريني أنكِ قد تكونين على علم بأنماط الmbti للشخصيات فهي أقرب إلى ما أريد أن أقوله:
قد يكون العائق في الانسجام في حالة الفتاة بسبب شخصيتها الخاصة وليس بسبب مكان نشأتها، فبعض الشخصيات تميل للالتزام بالماضي وعدم المرونة مع الحاضر، فهناك آلاف الأشخاص ينشأون في ثقافات معينة، ثم مع انتقالهم لأماكن جديدة يتغيرون كلية.
نعم، انا أتفق معك، أن التعميم طبعًا خاطئ، ولكن ذكرت ما شعرت به هي، أو في رأيها هو العائق في نجاح علاقتها. بالطبع الأنماط كما ذكرت مختلفة، ولا يتاثر الجميع بالبيئة المحيطة بنفس الأسلوب، بل الشخصيات الحساسة مثلًا، معالجتها لكل المعلومات الحسية مختلف وأكثر حدة من بقية الأنماط الشخصية، وهنا نتحدث عن فئة واحدة في الأنماط، فما بالك بالتركيبات العصبية المختلفة للمخ، وعليها التركيبات النفسية وغيرها.. لذلك كنت أقول، أن ما استطيع تجاوزه، قد لا يستطيع أخي مثلًا مجاراته حتى، والعكس صحيح طبعًا.
هذا يعني أن سمات الإنسان وطبيعته الشخصية هي من تؤثر عليه حتى في استيعابه للبيئة المحيطة، فينشأ الجميع في بيئة تحض على العنف، لكن تأثر كل شخص يختلف عن الآخر؛ فمنهم من يتعامل مع الخطر بشجاعة، ومنهم من يهلع لأي بادرة خطر ويستعمل العنف ليغطي على خوفه، ومنهم من يأنف من العنف أصلاً لأنه لا يلائم طباعه. وهكذا كل إنسان مع كل بيئة، منهم من ينسجم معها، ومن يتمرد عليها كموقف ثابت، ومنهم من يتحلى بالمرونة فيتشكل كالحرباء مع كل ما يحقق له مصلحته ومكانته داخل كل بيئة مختلفة يعيش فيها.
في رأيي، البيئة التي ينشأ فيها الإنسان لا تشكّل فقط مدى تقبّله للمخاطر، بل تحدد كذلك طريقة استجابته لها؛ فالشخص الذي تربّى في بيئة يسودها الهدوء والأمان قد يرى الخطر بشكل مختلف تمامًا عن شخص عاش في منطقة مليئة بالصراعات والمواقف الطارئة. ومع ذلك، لا أعتقد أن الأمر مطلق، فالإنسان يمتلك قدرة كبيرة على التكيّف، وقد يتغيّر تعامله مع المخاطر بمرور الوقت، سواء بفعل التجارب الشخصية أو بفعل احتكاكه ببيئات جديدة. البيئة تزرع البذور، لكن التجربة هي ما يُنضج طريقة التعامل مع الخطر.
مجتمع لمناقشة المواضيع الثقافية، الفكرية، والاجتماعية بموضوعية وعقلانية. ناقش وتبادل المعرفة والأفكار حول الأدب، الفنون، الموسيقى، والعادات.