كيف نميز الحقائق الزائفة؟!

  • Amany11

رغم ميلي للشك، والتحقق من معظم المعلومات التي أطلع عليها، إلا أنني بفترة ما إعتدت مثل الكثيرين، أن أتغاضى عن هذه النزعة الشكية، خاصة إذا ما أكدت مصادر عدة على صحة المعلومة. وبالتالي فلا داع للشك بها.. ومن الطبيعي أن تأتي الحقائق التاريخية، والعلمية، بمقدمة تلك المعلومات الموثوقة.. لكن منذ فترة، أدركت أن تلك الحقائق قد فقدت موثوقيتها هي الأخرى، خاصة بعد انكشاف خداع بعضها.. فمثلا، لم يعد كافيا أن يذكر مؤرخ ما الأحداث التي جرت بالماضي، حتى أسلم بصحة روايته بجميع تفاصيلها!

ومن أبرز الأمثلة التي كشفت لي عن تلك المعلومات الزائفة، ما تم تداوله مؤخرا، حول حقيقة موت الفيلسوف "رينيه ديكارت". إذ نشأنا على أن ديكارت قد مات نتيجة إصابته بالإلتهاب الرئوي أثناء تواجده بالسويد عام(1650)... لكن وبعد مرور مئات السنين، يظهر كتاب "الموت الغامض لديكارت" ل تيودور إيبرت، ليجادل بأن ديكارت قد مات مسموما، على يد قسيس، أرسل إليه بأمر من محاكم التفتيش الكاثوليكية المنتشرة بأوروبا آنذاك. وذلك للتخلص من أفكاره الشكية، المحررة للعقول من سيطرة الكنيسة!!

صراحة لم أعرف أي الإحتمالين أقرب للحقيقة، لكن ما عرفته هو ضرورة التحقق من صحة جميع المعلومات قبل قبولها...

فماذا عنكم، كيف تتفادون الوقوع ضحية لتلك الحقائق الخادعة، وتميزونها عن غيرها؟!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

بالتاريخ تحديدا الامر ليس له حل قطعي، خاصة إن كان مثل مثالك بالمساهمة، لأن ما بين أيدينا هو الأقرب للحقيقة ولو لم يظهر الكتاب لن يكون هناك مجال للشك، لذا دوما التاريخ لا أصدقه حتى لو قرأت له عدة روايات من منظور مختلف، لأنه بالنهاية كتبه شخص برؤية متحيزة وليست موضوعية، وهذا تأكدنا منه عندما مررنا بثورات ووجدنا كيف حول البعض الحقائق التي رأيناها بأعيننا إلى روايات مختلفة تماما إرضاء لأصحاب السلطة، لكن بالعلم أو العلوم الأمر مختلف، فالتأكد يأتي من التطبيق والتجارب، فلو هناك شك يمكن للتجربة التأكيد أو النفي ويسهل الوصول للحقيقة من زيفها

لكن بالعلم أو العلوم الأمر مختلف، فالتأكد يأتي من التطبيق والتجارب، فلو هناك شك يمكن للتجربة التأكيد أو النفي ويسهل الوصول للحقيقة من زيفها.

حتى في العلم بشكل مستمر يتم إثبات عدم صحة نظريات وحقائق قد عملنا بها لسنوات مع تطور أدوات العلم والتكنولوجيا التي تعيد التجارب والقياس للتأكد من صحة المعلومات، فالأكيد أنه لا توجد حقيقة مطلقة سوى الإيمان بوجود الله ومن دون ذلك فهو عرضة دائما للشك وللإنسان أن يأخذ أو يصدق ما يجده عقله مناسب بناء على المنطق أو المعتقدات.

تقريبا منذ إثبات جاليليو لخطأ نظرية أرسطو، القائلة بمركزية الأرض، والعلم أصبح أكثر إنفتاحا على النقد، وأكثر تقبلا للآراء والفرضيات، المخالفة للقوانين والنظريات القائمة..

فالأكيد أنه لا توجد حقيقة مطلقة سوى الإيمان بوجود الله ومن دون ذلك...

وحتى هذه الحقيقة، أخضعها البعض للشك أيضا، وهم من سيطرت ميولهم الشكية على عقولهم. ولذلك ينصح أحيانا بالتحكم في تلك الميول، وتأطيرها!

وحتى هذه الحقيقة، أخضعها البعض للشك أيضا، وهم من سيطرت ميولهم الشكية على عقولهم. ولذلك ينصح أحيانا بالتحكم في تلك الميول، وتأطيرها!

في السابق كنت أظن أن الملحدين ينكرون وجود الله ولكن فيما بعد أدركت أنهم يشككون في الوجود وبالطبع الفارق كبير بين المعنيين لأن الأول ينفي أم الثاني فهو لا يثبت ولا ينفي، حيث يرون أنه طالما لا وجود مادي ملموس على الوجود فلا يمكنهم الجزم بالإيجاب أو السلب ولهذا هم مشككين إلا أن يظهر لديهم دليل. ولكن المشكلة في عقليتهم أن الأدلة كثيرة فنحن من الأساس نستدل على وجود الله من عظمة خلقه وبديع صنعه.

توجد مقولة شهيرة متداولة، للفيلسوف الألماني والتر بنيامين "التاريخ يكتبه المنتصرون"!.. وهذه العبارة وحدها كفيلة بأن تجعلني أشك بكل حرف بالمعلومات والروايات التاريخية..

فمثلا ما نعيشه اليوم، لا أعرف كيف سيتم نقله للأجيال القادمة، خاصة وأن معظم من يحاولون التأريخ للأحداث المعاصرة بموضوعية، غالبا ما يتم مهاجمتهم والتضييق عليهم.. فهل من حل لتلك المعضلة برأيك؟!

مهما كان الاحتراز والاحتياط شديدا فان احتمال تعرض الشخص للخداع يبقى احتمالا قائما هذا على مستوى العلاقات وعلى مستوى المعرفة.

فمن ناحية العلاقات يكون تجنب الامر اسهل لان المبدا هو الحذر قبل بلوغ الثقة فهناك مسافة امان زمنية

اما المعرفة فخلاف ذلك حسب قناعتي فكل معلومة لا تتعارض مع المنطق يؤخذ بها في انتظار ما يدحضها

..فكل معلومة لا تتعارض مع المنطق يؤخذ بها في انتظار ما يدحضها.

المشكلة أن معظم معلوماتنا نستقيها من كتب ودراسات، أنجزت منذ عشرات ومئات السنين، وبالتالي دليلنا الوحيد على صحتها، هو أمانة وموضوعية الباحث، أو مؤلف ذلك الكتاب، أو تلك الدراسة!

وهو ما لا يمكننا الإعتداد به كثيرا... ومنذ فترة قرأت مقولة تعبر عن عما أشعر به بشدة "إن كانت الأخبار مضللة، فلك أن تتخيل كم التضليل في التاريخ"!

احتمال ان تكون المعلومة مضللة او خاطئة وارد جدا للاعتبارات التي ذكرت انت فكل معرفة تحمل في طياتها جانبا من الصواب ونسبة من الخطا

وفي اخر المطاف كل حقيقة تفقد دلالاتها بتغير الظروف التي ولدت فيها.

أعتقد أن ذلك يعتمد على أهميته من ناحية، وعلى مصدر المعلومة من ناحية أخرى. إذا كانت تتعلق بمجال عملي أو قرار ما، فإنني أتحقق منها بدقة عبر مصادر متعددة ومستقلة، مع البحث في خلفياتها وسياقها التاريخي أو العلمي. أما إذا كانت مجرد معلومة عابرة، فأتعامل معها بحذر، مع إبقاء مساحة للشك في كل مرة انقلها حتى تتضح الصورة أكثر.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع." وهذا يؤكد أهمية التحقق قبل نقل المعلومات.

ويبقى الاعتياد البشري عاملاً مؤثرًا؛ فكلما تكررت معلومة وانتشرت بين الناس، زاد احتمال تصديقها دون تمحيص، لأن العقل يميل إلى الراحة ويجد في الإجماع نوعًا من الطمأنينة. لكن ذلك لا يعني صحة كل ما يُتداول. لهذا، من الضروري تبني نهج الشك الواعي—الذي يحفز البحث والتدقيق—دون أن يتحول إلى رفض مطلق لكل معلومة جديدة.

مع إبقاء مساحة للشك في كل مرة انقلها حتى تتضح الصورة أكثر..

وهذه نقطة هامة أيضا؛ فتناقل المعلومات غير الدقيقة، والإستشهاد بها على علاتها، يسهم بشكل كبير في نشرها ونشر ضلالها..

وناهيك عن كم الخجل والإحراج الذي يتعرض لهما الشخص، عند مواجهته بخطأ وزيف المعلومات والدلائل التي يستشهد بها!

معك حق، نسأل الله السلامة.

في سياق ما ذكرت، أميل إلى تبني الرواية الأصلية ما لم تظهر أدلة دامغة تستوجب مراجعتها، وهو ما نادرًا ما يتوفر في كثير من الأحيان.

الرواية الجديدة تستند على بعض الأدلة التاريخية، من أبرزها العثور على رسالة بعثها الطبيب المعالج لديكارت لزميل له، يصف له الأعراض التي ظهرت على الفيلسوف قبل وفاته، ومعظمها أعراض تقترن بحالات التسمم..

كذلك يستندون على التاريخ الدموي لمحاكم التفتيش، ضد مخالفيها من المفكرين والعلماء بشكل خاص، علما بأن أحد رجال الكنيسة كان قد زار ديكارت قبل وفاته بالسويد..

ما طرحته يا أماني مثير للاهتمام، ويعكس نقطة جوهرية في كيفية تعاملنا مع التاريخ كمادة معرفية متجددة وليست مجرد سجل ثابت للأحداث.

أرى أن الرواية الأصلية لموت ديكارت نتيجة الالتهاب الرئوي ما تزال تمتلك قوة الاستمرارية، لأنها كانت النسخة المتداولة منذ وفاته، مدعومة بشهادات معاصريه. ومع ذلك، فإن ظهور أدلة جديدة، مثل رسالة الطبيب التي وصفت أعراضًا متطابقة مع التسمم، يفرض علينا إعادة النظر، لا بهدف القبول المطلق للرواية الجديدة، ولكن لموازنتها علميًا وتاريخيًا مع الرواية التقليدية.

ولا يمكننا أيضا إنكار أن محاكم التفتيش الكاثوليكية كانت مسؤولة عن تصفية الكثير من المفكرين، ومنطقي أن يكون شخص مثل ديكارت، بأفكاره الفلسفية الشكية، مصدر قلق للكنيسة. لكن، هل هذه الخلفية التاريخية كافية للجزم بأنه قُتل عمدًا؟ أم أن الأمر يبقى في إطار الاحتمال القوي؟

من زاوية أخرى، هناك مسألة نفسية واجتماعية عميقة في تعاملنا مع مثل هذه الروايات. فنحن كبشر لدينا ميل طبيعي للبحث عن "القصة الخفية" وراء الأحداث، خاصة حين تتعلق بشخصيات عظيمة. فكرة أن ديكارت لم يمت ميتة طبيعية بل كان ضحية مؤامرة تضيف عنصر التشويق، وتجعل القصة أكثر إثارة وملاءمة لنمط التفكير الذي يحب كشف "الأسرار المخفية".

لذا، ورغم ميلي للتمسك بالرواية التقليدية حتى ظهور أدلة أكثر حسمًا، فإنني أرى أن الاطلاع على السرديات المختلفة، وتحليلها بعين نقدية، هو ما يجعلنا أقرب للحقيقة. فالتاريخ ليس مجرد أحداث مكتوبة، بل هو صراع بين السرديات، وكل جيل يعيد قراءته وفق معطياته ورؤيته للعالم.

أما على المستوى الشخصي، فإنني أحاول تجنب الوقوع ضحية للحقائق الخادعة عبر نهج يقوم على ثلاثة مبادئ:

1. التحليل النقدي للمصادر – من قال ذلك؟ ما مدى موثوقية مصدره؟ هل هناك مصادر مستقلة تؤكد الأمر؟

2. الوعي بالسياقات التاريخية – فالتاريخ ليس مجرد وقائع، بل هو شبكة من المصالح والتحولات الاجتماعية والسياسية.

3. الشك المتوازن – فالشك ضروري، لكن الإفراط فيه قد يقودنا إلى رفض كل شيء، وهو بحد ذاته شكل من أشكال السذاجة.

وهناك دوما أيضا تلك الحقائق التي تكون محرمة الخروج العامة، إلا أنها تبقى متداولة في دوائر ضيقة من الباحثين والمؤرخين، وأحيانًا لا تظهر للعلن إلا بعد عقود أو حتى قرون، عندما تتغير المصالح أو تتبدل القوى المسيطرة على السردية التاريخية، لذا ربما يكون موت ديكارت مجرد مثال واحد، لكنه يفتح الباب للتساؤل حول كمّ الحقائق التي أخذناها كمسلمات، بينما قد تكون في الحقيقة مجرد روايات متفق عليها، وليست حقائق مطلقة.

فبعض الوقائع يتم إخفاؤها عمدًا، أو إعادة صياغتها لتناسب رواية المنتصر أو الطرف الأقوى. لذا، فكما قلتِ يا أماني، لا يكفي أن تتكرر المعلومة في عدة مصادر لنعتبرها حقيقة، بل يجب أن نسأل دومًا: من يملك القوة لكتابة هذه الرواية؟ ومن المستفيد من استمرارها؟

بالمناسبة شوقتيني للاطلاع على الأمر رغم أن يدي هذه الأيام ممتلأة بقائمة طويلة من القراءة، كانت مشاركة مفيدة.

الشك المنهجي هو ذلك القائم على التحليل النقدي، وليس مجرد التشكيك لأجل التشكيك. فلا يمكنني رفض كل معلومة لمجرد أن هناك احتمالًا بوجود خداع فيها، وإلا فلن أصدق شيئًا أبدًا. لذلك، بدلاً من التخلي عن الثقة بالمصادر لمجرد اكتشاف بعض الأخطاء، الأفضل هو بناء معايير تقييم قوية مثلا من هو المصدر؟ هل هو جهة بحثية، أم شخص له مصلحة في التلاعب بالمعلومة؟ وما مدى اتفاق المصادر حول الموضوع؟ هل هناك مصادر محايدة تؤكد الرواية؟ وهل هناك أدلة مادية؟ هل القصة قائمة على وثائق، أم مجرد فرضيات وتحليلات؟

قبل سنوات كنت أعتقد أن معظم الأخبار التي تنتقد وسائل الإعلام التقليدية صحيحة، خاصة مع انتشار فكرة أن الإعلام يخفي الحقائق. لكن مع الوقت، اكتشفت أن الكثير من المصادر التي كنت أعتمد عليها كانت تتلاعب هي الأخرى بالمعلومات، مستخدمة نظرية المؤامرة لجذب المتابعين. أي أنني انتقلت من تصديق الإعلام التقليدي بلا نقد، إلى تصديق الإعلام البديل بلا نقد! وهنا تعلمت أن التوازن هو الحل، لا الانحياز الأعمى لأي طرف.

على ذكرك للإعلام عفيفة، لا أذكر أخر مرة وثقت فيها بمحتوى وسيلة إعلامية بشكل كامل؛ فالإعلام من أكثر الحقول المحفزة على الشك والإرتياب لدى متابعيها.. خاصة إذا ما عاصرت فترة حراك إجتماعي وسياسي، كما هو حال معظمنا..

فأحيانا كنت أرى الحدث بأم عيني، ثم أعود للمنزل فأستمع لعدة روايات، حول أسباب وملابسات حدوثه، والغريب أن معظمها كانت غير صادقة، وغير أمينة في نقل الصورة الفعلية لما حدث!

رغم اهمية التحري والتشكيك في المعلومات تظل موثوقية المصادر هي الاساس في تقييم الحقائق. حيث قد يكون قبول المعلومات بناء على توافق عدة مصادر مبررا. لكن التاريخ والعلم ليسا معصومين من الاخطاء والتحيزات، كما يتضح من حالة "الطب البديل" التي اظهرت الدراسات الحديثة ان العديد من العلاجات التي كانت تعتبر فعالة تفتقر للادلة الداعمة. لتفادي الوقوع في فخ المعلومات الزائفة، يجب التحقق من المصادر، والبحث عن الأدلة، وتطبيق التفكير النقدي، ما يجعل الوعي والبحث الدائمين هما الطريق لحماية أنفسنا من المعلومات المضللة.

المشكلة أنه لا يمكن للشخص التحقق من المصادر بكل المجالات، فلكل تخصصه المحدد..

وعلى ذكر الحقل العلمي، نفاجأ كل فترة برفع دواء ما من الصيدليات وحظر تصنيعه؛ لأنه يسبب مشاكل صحية، وله أعراض جانبية خطيرة جدا، مع العلم أن معظمها أدوية شهيرة، ونستخدمها بكثرة!

فكيف لي كإنسانة لا علاقة لها بالطب، أن أتحقق من صحة الأبحاث والمعلومات العلمية، التي تمس حياتي بشكل مباشر؟!

برأيي كل معلومة يمكننا التأكد منها بطريقة مختلفة على حسب نوعها ومجالها، فالمعلومات العلمية يمكن التحقق منها عبر التجارب والأبحاث الميدانية، بينما المعلومات التاريخية يمكن التأكد منها من خلال الرجوع إلى المصادر الأصلية والموثوقة، أما المعلومات في المجالات الأخرى، مثل الأدب أو الفن، فقد نحتاج إلى مراجعة آراء الخبراء والكتب المعترف بها، فما يهم هو استخدام الطرق المناسبة التي تتناسب مع طبيعة المعلومة لضمان صحتها ودقتها.

الطبع غلب التطبع، هذا هو المعيار الأول بالنسبة لي، لذا لا أصدق أحد، لأن الصدق من شيم النبلاء، والإنسان ليس نبيلا، هو يأكل وغير منزه عن الخراء الذي يبصقه من تحته. ما أقصد بالطبع، هو طبيعة الأشياء، والميل العام إلى الواقعية، يمكن أن نسمع أن عادل إمام مات، ويتضح أن هذه إشاعة، ولكن شيوع الإشاعة وقدرتها على الانتشار نابع من كونها لا تخالف طبائع الأشياء، فالناس تموت، يصعب التصديق أن إدغار موران عمره حوالي 103 أو 104، هذا صعب التصديق مع إنه حقيقي، فليس من سنن الحياة أن يتجاوز عمر الإنسان سن المائة عام (حتى في الصين). الفارق هنا، أنك ذكرت واقعة تحتمل التأويلين، ديكارت مات في عصر انتشر فيه المرض والطاعون وكان الإنسان يموت من نزلة برد أو بسبب تلوث أصابه في جرح سطحي، ولأتفه الأسباب (نحن نقترب من هذه الأيام مرة أخرى)، على الناحية الأخرى، كان عصره تحت سيادة محاكم التفتيش وعجيب أنه نجى من التعذيب، لأن الموت سما رفاهية لا تقدمها هذه المحاكم (شاهد أحد الأفلام التي تصور حياة جويا الرسام الشهير) ومفهوم أنه فلت من أيديهم لقربه من طبقة النبلاء والحكام.

تمييز الحقائق الزائفة يبدأ أولًا بعدم التسليم بأي معلومة دون التحقق من مصادر متعددة ومستقلة، وليس فقط مصادر متوافقة. فمن الشائع أن تتبنى عدة جهات معلومة غير دقيقة، مما يمنحها وهم المصداقية.

أيضًا، لا يكفي أن يكون مصدر المعلومة موثوقًا عمومًا، بل يجب النظر في دوافعه، ومدى اتفاقه مع مصادر أخرى غير مرتبطة به. فالتاريخ مثلًا يُعاد كتابته وفقًا لوجهات نظر مختلفة، وقد يتم طمس أو تحريف بعض الحقائق لخدمة مصالح معينة.

الأمر الآخر هو تحليل السياق؛ هل المعلومة تبدو متماشية مع المنطق؟ وهل يوجد دليل مادي يدعمها أم أنها مبنية على فرضيات؟ فالحقائق العلمية، على سبيل المثال، يجب أن تكون قابلة للاختبار وإثباتها بأدلة واضحة. في النهاية، الشك المنهجي هو أفضل أداة لعدم الوقوع ضحية للخداع، لكنه يجب أن يكون متوازنًا، فلا يؤدي بنا إلى رفض كل شيء لمجرد الشك، بل إلى البحث والتحليل بوعي.