كيف نخرج من الكهف؟!
- Amany11
- 2022-01-10T12:10:35+00:00
- 2026-07-18T08:57:53+00:00
"إن لكل منا كهفا من الأوهام يحيا حبيسا بداخله"
حيث يعيش البعض وهو يحيط نفسه بكهف من أوهامه الخاصة، بل ربما لا يعيش في الحياة، وإنما يعيش بداخل هذا الكهف العقلي!
والمقصود بالكهف هنا هو كهف الفردانية، فكل فرد منا يصنع لنفسه هيكل أو بناء من المعتقدات والآراء المسبقة، - سواء أكانت موروثة أو مكتسبة- التي تحكم طريقة نظره للعالم وتعاطيه معه.
واعتبر أفلاطون أوهام الكهف مثل أن يسكن أحدنا في كهف من التصورات، وأن النور الذي يأتي من الخارج يترك ظلاله على جدران الكهف؛ فيظن من بداخل الكهف أن تلك الظلال هي الحقيقة الكاملة لما هو موجود خارج الكهف!، إلا أن الحقيقة لا يمكن رؤيتها إلا بعمل عقلي مجرد، يخلصنا من أوهامنا وتصوراتنا المسبقة.
كذلك أشار فرانسيس بيكون لأوهام الكهف بأنها، الأوهام الخاصة بكل فرد على حدة نتيجة تكوينه الخاص وثقافته الخاصة، فهي أوهام شخصية فردية تنشأ من تمسك الفرد بقناعاته ومعتقداته التي اكتسبها طوال حياته، مع عدم استعداده لتقبل سواها.
وتؤدي هذه الحالة لإنغلاق وتقوقع كل فرد داخل كهف أوهامه، رافضا الخروج منه أو قبول ما يأتيه من خارجه من أفكار مغايرة لتلك الأوهام!
وما أكثر ما نقابله في حياتنا من أمثلة لأسرى هذه الكهوف، ممن تحجرت عقولهم، حتى أصبحوا يخشون اكتشاف خطأ ما يعرفونه ويعتقدون فيه!
فيعيشون بمبدأ "اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش".
برأيكم كيف نشجع ضحايا أوهام الكهف على الخروج من كهفهم؟
وما هي الآليات الواجب إتباعها، لنحمي أنفسنا من الوقوع ضحايا لأوهامنا العقلية؟
برأيكم كيف نشجع ضحايا أوهام الكهف على الخروج من كهفهم؟
لا يمكن للإنسان الخروج من كهفه ما لم يتخلص أولا من الأوهام والقيود والعوائق النفسية التي تحول دون ذلك، لأن هناك مجموعة من القيود والعوائق النفسية هي التي تمنع كل انسان من الخروج من كهفه هذا وقد اشرت لهذا بالتفصيل في تدوينة سابقة كنت شاركت بها في مسابقة التدوين الجماعي هنا في حسوب قبل 5 سنوات مضت
"قد تكون حياة الناس مليئة بالأنشطة اليومية ويزاولون أعمالاً مختلفة، أو يصبحون متعلمين أو أغنياء، لكن دون الوصول إلى درجة من الوعي يدركون فيها بأنهم يبددون حياتهم في شقاء هباءً."
أعجبتني إشارتك لهذه النقطة بتدوينتك أسامه، فالتعليم والوعي ليسا متلازمين دائما؛ فقد نجد علماء بمجالات مختلفة لكنهم أسرى دائمين لأوهامهم، كذلك قد نجد شخص حكيم بالفطرة دون تلقيه أي تعليم أكاديمي!
إن أكبر تأثير قد يقع على الإنسان هو تأثير عقله وما يدور فيه ، خصوصاً إذا كانت مجرد أفكار سلبية وأوهام عقلية متوترة ، إنها ستكون فعلاً تشبه الكهف المظلم الذي سيكون صعباً عليه جداً أن يخرج منها .
وما هي الآليات الواجب إتباعها، لنحمي أنفسنا من الوقوع ضحايا لأوهامنا العقلية؟
هذه الآليات هي خطوات يجب أن يلتزم بها هؤلاء الأشخاص سجناء أوهامهم العقلية ، وبحسب موقع Self Growth، فإن عملية الإنعاش العقلي وتخليص العقل من تلك الأوهام تتطلب عدة خطوات منها ما يلي:
زيادة الوعي: عندما تزداد درجة الوعي لديك، فإنك ستلحظ الفخ الذي يوقعك عقلك به من خلال جعلك تلاحق أهدافاً لا تنتهي، بشكل يجعلك تشعر بأنك غير قادر على النجاح بأي من أمور حياتك. عندما تدرك بأنك لست أسيراً لأفكارك، فإنك ستتحرر، وتصبح أكثر قدرة على السيطرة على تلك الأفكار، وبالتالي تغييرها نحو الأفضل، بدلاً من أن تستمر في السير في حلقة مفرغة.
الترك: حيث تقوم الطاقة التي بداخلك باتباع أفكارك والأمور التي تركز عليها، الأمر الذي يؤدي إلى شحن تلك الأفكار وتقويتها.
التسامح : يجب على الإنسان دوماً أن يحمل بداخله مشاعر التسامح للآخرين وعدم التوهم بأنه لن يستطع مجاراة الناس من حوله وأنه غير مخطىء في حق أحد ولا أن الجميع يتآمرون عليه .
زيادة الوعي : من خلال عدم الانجرار خلف تلك الأوهام وزيادة وعيه في كل الأمور وبناء الأفكار والتصورات بناءً على الاحداثيات الظاهرية وعدم تخيل أمور لا علاقة لها بالواقع .
وكثير من الخطوات التي نحارب بها هذه الأوهام ، وبأبسط مثال إن الشخص دائم القلق بشكل مفرط ودون سبب واضح سيجعل هذا القلق يسيطر عليه ويصعب عليه التخلص منه بشتى الطرق ويبقى حبيساً فيه .
التخطيط هو النقطة الأبرز والحل الأحق بالعمل، حيث أننا في سياق أوهامنا، لا يسعنا في طريق التقدم والتخطي سوى أن نعمل على الخطط طويلة الأمد وقصيرة الأجل في آنٍ واحد، كي نمنح يومنا عنصرين مهمين:
- الأهمية التي نحتاجها من فرص وأفكار وأنشطة تساعدنا على الإنجاز، وتعزلنا عن الوهم المستمر والقلق الذي يغذّيه.
- الازدحام، وضيق الوقت الفارغ الذي يمنحنا طريقًا للأوهام وما يصاحبها من توتّرات عصبية وقلق ومتغيرات نفسية مزاجية عادةً ما تودي بيومنا كلّه.
أن نعمل على الخطط طويلة الأمد وقصيرة الأجل في آنٍ واحد، ...
الازدحام، وضيق الوقت الفارغ الذي يمنحنا طريقًا للأوهام وما يصاحبها من توتّرات عصبية وقلق ومتغيرات نفسية مزاجية عادةً ما تودي بيومنا كلّه.
لكن ألا تظن أن من يعانون من التوترات والأوهام عادة لا ينجحون في الإلتزام بتطبيق الخطط التي قرروا الإلتزام بها، فهم أحيانا قد لا يجدون رغبة أو حافز لوضع خطة من الأساس!
لذلك يجب أن يلتزم الإنسان في نهاية المطاف بخطة محكمة، وإن كنّا من أهل هذا التوتر أو الاضطراب المستمر، فإن ما نعمل عليه خلال الفترة القادمة يجب أن يكون في نطاق العمل المستمر والدؤوب على إيجاد الهدف الأساسي لنا، ودحض كل الجوانب التي تدفعنا على الدوام إلى مثل هذه الإحباطات.
وما هي الآليات الواجب إتباعها، لنحمي أنفسنا من الوقوع ضحايا لأوهامنا العقلية؟
أعتقد أنه يجب علينا التحلي بالمرونة إلى حد كبير ، فلا بأس نتغير و تتغير معنا قناعاتنا و أفكارنا ، لا شيء يبقى كما هو للأبد فنحن في دنيا المتغيرات و الحركة ، لا يوجد بها جمود ، و ذلك الكهف ليس سوى عائق صنعته أنت لنفسك حتى لا تفكر ، فنومت عقلك في سبات عميق بل غيبوبة ، حتى لا يفكر و لا يحلل و لا ينتقد ، أعتقد أن المرء لا يكتشف نفسه إلا عندما يخرج من دائرة الراحة الخاصة به و التي صنعها له عقله و وضع حولها حواجز عملاقة كالحدود بين الدول .
و لا نستطيع الانتفاع من خيرات ذلك الكهف إلا بتفجيره و التنقيب عما بداخله و التوغل فيه .. حتى نصل إلى المعدن الخالص .. إلى الذهب .. فننتشله و نصوغه ليخرج لنا في هيئته الأخيرة بأحسن شكل .
أعتقد أن المرء لا يكتشف نفسه إلا عندما يخرج من دائرة الراحة الخاصة به و التي صنعها له عقله و وضع حولها حواجز عملاقة كالحدود بين الدول
أتفق معك تقوى، لكن معظم الناس يخشون الخروج من تلك الدائرة، وإن بذل أحد جهده لمساعدتهم على الخروج منها، فإنهم قد يبذلون جهدا معاكسا لكي لا يواجهون الحقائق!!
أعتقد أن هؤلاء جبناء ، كالسجين الذي يخاف الخروج من السجن حتى لا يواجه الواقع الجديد الذي ينتظره !
إن أكبر الأوهام والوساوس التي يتعرض لها الإنسان دائماً ما يكون مصدرها داخلياً، صحيح أن تلك الأوهام قد تكون بسبب أمر خارجي مصدره البيئة الخارجية، إلا أن ما يدفعني للجزم بأن تلك الأوهام مصدها داخلياً، هو أن الطريقة التي يتلقى بها الإنسان الصدمات هي التي تشكل مصيره، فالأشخاص الذين يأخذون كل شيء على أعصابهم وعلى محمل الجد هم أكثر الناس تعاسة على ظهر هذا الكوكب، فلابد للإنسان أن يتغافل مرة ويتغابى مرتان، ولابد للإنسان أيضاً ألا يتوقف طويلاً أمام كل موقف، فالناس وكلامهم هو أكثر ما يؤذي الإنسان ويؤثر سلباً على مشاعره، لذلك فمن الضروري لكل إنسان أن يرمي بكلام الناس عرض الحائط، وذلك لأنه مهما فعل فسيظل دائما محور لرمي سهام الخصوم من البشر.
وعلى ذكر الأوهام خطرت ببالي واقعة حقيقية لهتلر في الحرب العالمية، عندما دخل على اثنين من أسرى حروبه وقدم لهم الطعام بنفسه، وبعدما أنهى الجنديان طعامهما قال لهم هتلر أنكم ستموتون خلال أربع وعشرون ساعة من الآن لأن الطعام الذي قدمته لكم يحتوي على السم، بعد تلك المهلة دخل الحراس على هذين الجنديين ووجدوا أن أحدهما قد مات بالفعل والثاني يحتضر، تلك كانت أول المفاجآت، والمفاجأة الثانية أن الطعام لم يكن مسموماً وأن من قتل هؤلاء الجنود ليس السم وإنما الفكر هو من قتلهم، اعتقادهم أنهم سيفارقون الحياة لا محالة خلال يوم واحد هو الذي أودى بحياتهم، وهذا خير مثال على قوة الفكرة، وعلى الطريقة التي يعمل بها العقل البشري.
... أنا لسه حأجرب وأشوف.
طيب إذا كان ما جربته ليس أفضل شيء، فما المانع من تجربة شيء جديد؟ ..
فإذا أعجبك ستصبح أسعد بالتعرف على أشياء جديدة أكثر فائدة،
وإذا لم يعجبك فعلى الأقل ستصبح متأكد من جودة "اللي تعرفه" بالتجربه، وبالتالي ستكون أسعد لأنك اخترت أفضل الأشياء بالفعل.
على فكرة أنا علقت تعليقى ده من باب الدعابة لكن فى الحقيقة التجربة طبعا هى الاستكشاف وهى أساس كل جديد والنظرية الأزلية بتقول " كل شئ نستخدمه الآن كان بالماضى فكرة وتجربة " .. لكن هناك أمور مصيرية وخطيرة تجربة المرء فيها قد تكلفه خسارة فادحة .. وفى نفس الوقت النجاح والوصول لا يستغنى عن جزء من المغامرة والمغامرة هى إقتحام الجديد .. فى النهاية هو موضوع توازن الشاطر إللى يعرف يوزن بين إللى يجربه وإللى متعود عليه ومريحه
ذكرتني بالكتاب الرائع ''جمهورية أفلاطون''، و أنقل إليك أسطورة الكهف كما جاءت فيه:
سقراط: تخيل رجالا قبعوا في مسكن تحت الأرض على شكل كهف ، تطل فتحته على النور، ويليها ممر يوصل إلى الكهف . هناك ظل هؤلاء الناس منذ نعومة أظفارهم ، وقد قيدت أرجلهم وأعناقهم بأغلال ، بحيث لا يستطيعون التحرك من أماكنهم ، و لا رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أنظارهم ، إذ تعوقهم الأغلال عن التلفت حولهم برؤوسهم . و من ورائهم تضيء نار اشتعلت عن بعد في موضع عال ، وبين النار والسجناء طريق مرتفع . ولتتخيل على طول هذا الطريق جدارا صغيرا، مشابها لتلك الحواجز التي نجدها في مسرج العرائس المتحركة، و التي تخفي اللاعبين وهم يعرضون ألعابهم .
غلوكون: إني لأتخيل ذلك.
سقراط: ولتتصور الآن ، على طول الجدار الصغير، رجالا يحملون شتى أنوا ع الأدوات الصناعية، التي تعلو على الجدار. وتشمل أشكالا للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد. و طبيعي أن يكون بين جملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئا.
غلوكون: إنها حقا لصورة عجيبة، تصف نوعا غريبا من السجناء.
سقراط: إنهم ليشبهوننا. ذلك أولا لأن السجناء في موقعهم هذا لا يرون من أنفسهم ومن جيرانهم شيئا غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف ، أليس كذلك ؟
غلوكون: وكيف يكون الأمر على خلاف ذلك ما داموا عاجزين طوال حياتهم عن تحريك رؤوسهم ؟
سقراط: كذلك فإنهم لا يرون من الأشياء التي تمر أمامهم إلا القليل .
غلوكون: بلا جدال.
سقراط: وعلى ذلك ، فإذا أمكنهم أن يتخاطبوا، ألا تظنهم يعتقدون أن كلماتهم لا تشير إلا إلى ما يرونه من الظلال ؟
غلوكون: هذا ضروري .
سقراط: و إن كان هناك أيضا صدى يتردد من الجدار المواجه لهم ، فهلا يظنون ، كلما تكلم أحد الذين يمرون من ورائهم ، أن الصوت آت من الظل البادي أمامهم ؟
غلوكون: بلا شك .
سقراط: فهؤلاء السجناء إذن لا يعرفون من الحقيقة في كل شيء إلا الأشياء المصنوعة .
غلوكون: لا مفر من ذلك .
سقراط: فلتتأمل الآن ما الذي سيحدث بالطبيعة إذا رفعنا عنهم قيودهم و شفيناهم من جهلهم . فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، وأرغمناه على أن ينهض فجأة ، ويدير رأسه ، ويسير رافعا عينيه نحو النور.
عندئذ تكون كل حركة من هذه الحركات مؤلمة له ، وسوف ينبهر إلى حد يعجز معه عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلا لها من قبل . فما الذي تظنه سيقول ، إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل ، وأن رؤيته الآن أدق ، لأنه أقرب إلى الحقيقة، ومتجه صوب أشياء أكثر حقيقة ؟ ولنفرض أيضا أننا أريناه مختلف الأشياء التي تمر أمامه ، ودفعناه تحت إلحاح أسئلتنا إلى أن يذكر لنا ما هي . ألا تظنه سيشعر بالحيرة، ويعتقد أن الأشياء التي كان يراها من قبل أقرب إلى الحقيقة من تلك التي نريها له الآن ؟
غلوكون: إنها ستبدو أقرب كثيرا إلى الحقيقة.
سقراط: وإذا أرغمناه على أن ينظر إلى نفس الضوء المنبعث عن النار، ألا تظن أن عينيه ستؤلمانه ، وأنه سيحاول الهرب و العودة إلى الأشياء التي يمكنه رؤيتها بسهولة. والتي يظن أنها أوضح بالفعل من تلك التي نريه إياها الآن ؟
غلوكون: أعتقد ذلك .
سقراط: و إذا ما اقتدناه رغما عنه و مضينا به في الطريق الصاعد الوعر، فلا نتركه حتى يواجه ضوء الشمس ، ألا تظنه سيتألم و سيثور لأنه اقتيد على هذا النحو، بحيث أنه حالما يصل إلى النور تنبهر عيناه من وهجه إلى حد لا يستطيع معه أن يرى أي شيء مما تسميه الآن أشياء حقيقية ؟
غلوكون: إنه لن يستطيع ذلك ، على الأقل في بداية الأمر.
فاستطردت قائلا: إنه يحتاج ، في الواقع ، إلى التعود تدريجيا قبل أن يرى الأشياء في ذلك العالم الأعلى. ففي البداية يكون أسهل الأمور أن يرى الظلال ، ثم صور الناس و بقية الأشياء منعكسة على صفحة الماء، ثم الأشياء ذاتها. وبعد ذلك يستطيع أن يرفع عينيه إلى نور النجوم و القمر، فيكون تأمل الأجرام السماوية وقبة السماء ذاتها في الليل أيسر له من تأمل الشمس و وهجها في النهار.
غلوكون: بلا شك .
سقراط: وآخر ما يستطيع أن يتطلع إليه هو الشمس ، لا منعكسة على صفحة الماء، أو على جسم آخر، بل كما هي ذاتها، وفي موضعها الخاص.
غلوكون: هذا ضروري .
سقراط: وبعد ذلك ، سيبدأ في استنتاج أن الشمس هي أصل الفصول والسنين ، وأنها تتحكم في كل ما في العالم المنظور، وأنها، بمعنى ما، علة كل ما كان يراه هو ورفاقه في الكهف .
غلوكون: الواقع أن هذا ما سينتهي إليه بعد كل هذه التجارب.
سقراط: فإذا ما عاد بذاكرته بعد ذلك إلى مسكنه القديم ، وما كان فيه من حكمة، وإلى رفاقه السجناء، ألا تظنه سيغتبط لذلك التغير الذي طرأ عليه ، و يرثي لحالهم ؟
غلوكون: بكل تأكيد .
سقراط: فإذا ما كانت لديهم عادة إضفاء مظاهر الشرف و التكرم على بعضهم البعض ، و منح جوائز لصاحب أقوى عينين ترى الظلال العابرة، و أقوى ذاكرة تستعيد الترتيب الذي تتعاقب به أو تقترن في ظهورها، بحيث يكون تبعا لذلك أقدرهم على أن يستنتج أيها القادم ، أتظن أن صاحبنا هذا تتملكه رغبة في هذه الجوائز، أو أنه سيحسد من اكتملت لهم ألقاب الشرف و مظاهر القوة بين أولئك السجناء ؟ ألن يشعر بما شعر به أخيل عند هوميروس، من أنه يّفضل ألف مرة أن يكون على الأرض مجرد خادم أجير عند فلاج فقير و أن يتحمل كل الشرور الممكنة، و لا يعود إلى أوهامه القديمة أو العيش كما كان يعيش من قبل ؟
غلوكون: إني أوافقك على رأيك هذا، فخير له أن يتحمل أي شيء من أن يعود إلى تلك الحياة .
سقراط: فلتتصور أيضا ماذا يحدث لو عاد صاحبنا واحتل مكانه القديم في الكهف ، ألن تنطفئ عيناه من الظلمة حين يعود فجأة من الشمس .
غلوكون: بالتأكيد .
سقراط: فإذا كان عليه أن يحكم على هذه الظلال من جديد، و أن ينافس السجناء الذين لم يتحرروا من أغلالهم قط ، في الوقت الذي تكون عيناه فيه مازالت معتمة زائغة، وقبل أن تعتاد الظلمة، وهو أمر يحتاج إلى بعض الوقت ، ألن يسخروا منه ، و يقولوا إنه لم يصعد إلى أعلى إلا لكي يفسد أبصاره ، وإن الصعود أمر لا يستحق منا عناء التفكير فيه ؟ فإذا ما حاول أحد أن يحررهم من أغلالهم . ويقودهم إلى أعلى، واستطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه ، ألن يجهروا عليه بالفعل ؟
غلوكون: أجل بالتأكيد .
والآن ، فعلينا، يا عزيزي غلوكون ، أن نطبق جميع تفاصيل هذه الصورة على تحليلنا السابق . فالسجن يقابل العالم المنظور، ووهج النار الذي كان ينير السجن يناظر ضوء الشمس ، أما رحلة الصعود لرؤية الأشياء في العالم الأعلى فتمثل صعود النفس إلى العالم المعقول . فإذا تصورت هذا فلن تخطى فهم فكرتي ، مادام هذا ما تريد أن تعرفه . ولست أدري إن كانت فكرتي هذه صحيحة أم لا، ولكن هذا ما يبدو لي على أية حال ، فاخرما يدرك في العالم المعقول بعد عناء شديد هو مثال الخير، ولكن المرء ما أن يدركه ، حتى يستنتج حتما انه علة كل ما هو خير وجميل في الأشياء جميعا، وأنه في العالم المنظور هو خالق النور وموزعه ، وفي العالم المعقول هو مصدر الحقيقة و العقل . فبدون تأمل هذا المثال لا يستطيع أحد أن يسلك بحكمة، لا في حياته الخاصة ولا في شؤون الدولة.
وددت أن أدرج رسمة لما تخيله سقراط، لكن للأسف لدي بعض المشاكل في الاتصال.
على أي، فهنا كما ترين ذلك الكهف ليس كهف الفردانية و إنما هو العالم الذي نعيش نحن فيه جميعاو الظلال يراها كل من في الكهف بنفس المنظور. و من يتحرر من تلك الأوهام يرى النور تدريجيا إلى أن يدرك الحقيقة.
برأيكم كيف نشجع ضحايا أوهام الكهف على الخروج من كهفهم؟
في مثال أفلاطون فحتى عندما يخرج الفرد من الكهف و يدرك الحقيقة فيعود إلى أصدقائه سجناء الكهف يسخرون منهم و يتشبتون بأن ما أمامهم هو الحقيقة. لذا من الصعب تخليص الناس من معتقداتهم لأنها تشكل هويتهم و الاطمئنان. نحن نتاج مجتمعاتنا و أفكارنا مهما بدت فريدة فقد اكتسبناها، هذا شيء لا يمكننا على الإطلاق إنكاره. و أغلب معتقادتنا نحن لا نفهمها أساسا و لا نعرف منبتها الأصلي و رغم ذلك نصدقها. و عندما تحاولين مجادلة الناس في معتقداتهم سيهربون من الجدال، لماذا؟ ببساطة لأنهم ليسوا مقتنعين و يخافون أن تتهدم أوهامهم التي اعتبروها حقيقة. و لن تربحي نقاشا يهجف لإثبات الرأي. أما من خرج بالفعل من الكهف و محص حقيقة معتقاداته فلا يخاف الجدال لأنه مقتنع و لا غرض لك به فقد خرج أساسا من الكهف. أنا لم أعط إلى الآن حلا، أعرف. لكن، قبل أن نفكر في كيف نحرر ضحايا أوهام الكهف (علما أننا كلنا ضحايا) علينا قبل ذلك أن نفكر في كيف نحرر أنفسنا نحن أولا.
لهذا تعجبت من سؤالك، كيف نحرر الآخرين، بينما كان من المفترض أن تسألي كيف نحرر أنفسنا؟ اللهم إلا إذا كنت متحررة بالفعل فوقتها أماكان لك بالأحرى سرد تجربتك، و أراها ستكون قدوة لمن يريد أيضا التحرر. فما أدراك أن الآخرين يريدون التحرر من أوهام الكهف؟ من قال لك أن الآخرين يريدون رؤية النور؟ البعض يشعر بالاطمئنان في أوهامه فلا يريد مفارقتها.
وما هي الآليات الواجب إتباعها، لنحمي أنفسنا من الوقوع ضحايا لأوهامنا العقلية؟
حسنا، بعد كل هذا الحديث أكتشف أنك بالفعل طرحت السؤال، لن أحذف ما قلته سابقا، لا أعرف لماذا. على أي، هنا اسمحيلي بأن أسألك، هل تعتقدين أننا لسنا ضحايا بالفعل؟ :))
ربما وعينا بأننا ضحايا هو الخطوة الأولى. من يدري؟
إذا أماني، هذه نظرتي المتواضعة للموضوع.
بداية أشكرك فردوس على هذا العرض الشيق لتلك المحاورة الأفلاطونية الثرية على لسان سقراط ومحاوره .. كذلك أشكرك على وجهة نظرك المعتبرة،
.. والظلال يراها كل من في الكهف بنفس المنظور.
ربما يرونها بنفس المنظور، لكنها لا تترك لديهم نفس الإنطباع؛ فلكل "فرد" منهم أسلوبه الفكري، وتوقعاته، ومخاوفه، وميوله، وقناعاته، وخبراته، التي قد يسترجعها لإدراك ما يراه من ظلال بشكل مستقل عمن حوله.
البعض يشعر بالاطمئنان في أوهامه فلا يريد مفارقتها.
وهذه هي الفئة الأساسية المستهدفة بالسؤال، وهم الضحايا الذين يحتاجون لعون حتى يدركوا بأنهم ضحايا من الأساس...
أما النوع الثاني من الضحايا، وهم من يعون جيدا بأنهم معرضون بشكل دائم للوقوع بشرك الأوهام العقلية؛ فإنهم يحاولون إجراء تنقية مستمرة لأفكارهم وقناعاتهم، بمعنى آخر فإنهم يطبقون نظرية ديكارت الشهيرة "سلة التفاح"، فيحتفظون بما يصلح من الأفكار، ويتخلصون من الفاسد منها، طبعا هذه العملية الإنتقائية تتم وفق إجراءات عقلية واعية، من خلال وضع جميع الأفكار موضع شك، ثم تفنيدها، ومن ثم إنتقاء بعضها والتخلص من بعضها.
، لن أحذف ما قلته سابقا، لا أعرف لماذا..
من الجيد أنك لم تحذفيه فردوس؛ فقد أتحتي لي فرصة التوضيح أكثر عما قصدته من أسئلتي؛ فالسؤال الأول موجه بشكل أساسي للنوع الأول من الضحايا الذي أشرت إليه سابقا، أما السؤال الثاني فموجه للنوع الثاني، الذي أظن أنني أحد أفراده.
تحياتي لك :)
أهلا أماني، كتاب جمهورية أفلاطون عبارة بالكامل عن حوار شيق فلسفي و سياسي في آن يقع في 540 صفحة على ما أتذكره. لذا أنصحك بقراءته إن لم تقرئيه بالفعل.
هذا من جهة، من جهة ثانية أنا أوافقك على فكرتك حول تقسيم الضحايا، دعيني أضيف أن الضحايا احقيقيين هم من لا يدركون ذلك (النوع الأول) و الخطوة الأولى كما قلت هي الوعي بأنهم في أوهام (كما فعلت أنت) و هذه هي الخطوة الأهم في الخروج. لذا أحييك على القيام بها، و الخطوة الثانية تتمثل في نظرية سلة التفاح. أرى أني أعيد ما تقولينه فقد أوضحت كل شيء.
كتاب جمهورية أفلاطون عبارة بالكامل عن حوار شيق فلسفي و سياسي في آن يقع في 540 صفحة على ما أتذكره. لذا أنصحك بقراءته إن لم تقرئيه بالفعل.
بالفعل فردوس تتميز معظم محاورات أفلاطون بأسلوب عرض جذاب، وإن اكتسى بالغموض أحيانا، حيث قمت بالفعل بدراسة معظم هذه المحاورات.
ربما الحل الوحيد هو هدم الكهف، فأسرع طريقة لتغيير عقلية الشخص وجعله يتقبل الأفكار الجديدة هي هدم معتقداته وأفكاره أولًا.
فاذا كان الشخص يشعر أنه بخير بأفكاره الحالية، عليك أن توضحي له سلبيات أفكاره مع الأدلة أولًا، بعدها ستتحرر حواسه ويتمكن من سماع افكارك ورؤية حججك.
اما عن كيف نحمي أنفسنا من كهفنا الخاص، وبنفس الوقت نحافظ على الثوابت وأن لا نتخبط طيلة الوقت بين الشك والإيمان، فالطريقة الأفضل بوجهة نظري هي أني سأتقبل الفكرة الجديدة اذا ما أثبتت مشكلة أفكاري الحالية وبالأدلة، وليس بالمجاز و البلاغة.
ربما الحل الوحيد هو هدم الكهف، فأسرع طريقة لتغيير عقلية الشخص وجعله يتقبل الأفكار الجديدة هي هدم معتقداته وأفكاره أولًا.
لكم أتمنى أن يصلح مثل هذا الحل الثوري لجميع المشكلات، لكن للأسف معظم المشاكل المتعلقة بالفكر والإعتقاد الإنسانيين تحتاج لفترات طويلة من الإصلاح والحل التراكمي.
برأيكم كيف نشجع ضحايا أوهام الكهف على الخروج من كهفهم؟
علينا أن نسأل أنفسنا أولا: هل يجب أن نخرجهم من الكهف؟ البعض يحب أن يظل في الكهف، يبدع أكثر وهو في الكهف. هو يحب البيئة التي تعود عليها وألف روتينها وقوانينها الشبه ثابتة... الرغبة في التغيير يجب أن تكون نابعة من صاحب الأمر نفسه. حينها يأتي تدخلنا.
وعلى كل حال فقد وضعت خطة -طويلة قليلا وقد لا يكون المجال هنا لذكرها- لكيف يغير الانسان حياته للأفضل. وجربتها مع أكثر من شخص والحمد لله النتائج أكثر من مذهلة.. كل ما ينقصها هو فقط رغبة الانسان الداخلية للتغيير ومغادرة الكهف.
تعد الأوهام واحدة من بين أخطر الأمراض التي يمكن أن يواجهها الشخص بحيث تدخله في دوامة من الأفكار السلبية التي توشوش عليه و على أفكاره و يصبح مع مرور الوقت غير قادر على الخروج من هاته الدوامة و يقع ضحية لاضطرابات نفسية و جسدية تدمر حياته بشكل تدريجي. إذا كان الشخص مريض بهذا المرض الخطير فأظن أن العلاج و الحل الوحيد للخروج من دوامة الأوهام هو العلاج النفسي بحضور طبيب مختص.
لتجنب هذا المرض الخطير كل ما علينا فعله هو عدم الاستسلام للخيالات السلبية و محاولة تعويضها بخيالات إيجابية و خلق أعذار للابتعاد عن أي شيء يجعلك تفكر في أشياء سلبية.
أحدهم يخلق الأعذار ليبتعد و الآخر يخلق الأوهام ليبقى "جبران خليل جبران"
فأظن أن العلاج و الحل الوحيد للخروج من دوامة الأوهام هو العلاج النفسي بحضور طبيب مختص.
أكيد هذا أفضل طريق لعلاج "الأوهام المرضية" التي تصيب القوى العقلية، وما ينتج عنها من مشاكل نفسية خطيرة.
لكن ما قصدته يونس هو "الأوهام الفكرية" التي تضلل العقل، وتجعله يفكر بطرق غير منطقية.
ربما هذه المشاركة تعبر عن الأوهام المقصودة بشكل أوضح.
سأكتفي بالإجابة على السؤال الثاني، لأن الأول من الصعب أيجاد طريقة وخاصة أنّ الأمر تراكمي، فالعالق في كهفه ليس حديث عهد به وإنما أدمنه وتعلق به، وأصبحت أفكار الآخرين تهدد معتقداته وأمانه الوهمي.
وما هي الآليات الواجب إتباعها، لنحمي أنفسنا من الوقوع ضحايا لأوهامنا العقلية!
أما بالنسبة لنا، فأعتقد أن المرونة والانفتاح هو الحل، وعدم التعصب للأفكار والاعتقاد بأنّ الأفكار متغيرة حسب الظروف وليست ثابتة عدا أفكار معينة كالدين والأخلاق مثلا...
وكلما كان الشخص أكثر تقبلا لأفكار الآخر، و أخذها كاحتمالية أو وجهات نظر تستحق التفكير، كان ذلك أفضل حتى لا نعلق في أفكارنا، ونصبح ضحايا فكرة في غير محلها.
..، وخاصة أنّ الأمر تراكمي، فالعالق في كهفه ليس حديث عهد به وإنما أدمنه وتعلق به،..
وهذه هي المشكلة، فكلما طال بقاء الفرد في الكهف، كلما اقتنع بأوهامه أكثر فأكثر!.. ولذلك يجب إخراجه بأقرب فرصة.
أعجبني تعبيرك " وجهات نظر تستحق التفكير"، فعلا لو اقتنعنا بأن جميع الأفكار المغايرة لأفكارنا تستحق التفكير والنقد المنطقي، لأصبحنا أكثر مرونة وتقبل.
مجتمع لمناقشة المواضيع الثقافية، الفكرية، والاجتماعية بموضوعية وعقلانية. ناقش وتبادل المعرفة والأفكار حول الأدب، الفنون، الموسيقى، والعادات.