منذ زمن طويل جدا، وأنا أشعر بأن سلب حياة مخلوق ما لأجل أكله ليس بالعادل أبدا، وقد تساءلتُ كثيرا لماذا يتعاطف الناس مع ضحايا "آكلي البشر" في الأفلام ولا يتعاطفون مع الحيوانات. وقد تخيلتُ مرارا نفسي وأنا ضحية مخلوق آخر يأكلني ويتغذّى على لحمي وكيف يمكن أن يصير ذلك تجارة وتعبّئ لحوم البشر وتُباع في المحلات.

توليد مثل هذا الوعي والإحساس بالمخلوقات الأخرى كفيل بأن يجعل المرء ينفر من مثل هذه الممارسات في حق الحيوان، وقد صرت نباتيا منذ أكثر من سنتين. ثم وإلى جانب الأسئلة الشائعة من الناس كلماذا أنت نباتي ؟، صادفتُ بعض الاشخاص الذين حاولوا إقحام الدين في الوسط وقول أن الله أمر بذبح الحيوان إذن أنت تدّعي أنك أرحم من الله.

على الصعيد الشخصي لا يمكن لشيء من هذا القبيل أن يهزّني أو يغيّر قراراتي، لكن النباتيون عموما في العالم العربي يعانون من هذه المشاكل خاصة عندما يجدون أنفسهم ممزّقين بين قناعاتهم والجواب على السؤال المطروح أعلاه، والتضحية بأضحية في العيد وتركها بحكم أن معظمهم متدينون.

يقول الدكتور علاء الحلبي العزيز على قلبي في كتابه "العقل الكوني"، يقول أن أصل الإنسان نباتي وليس موجودا لأكل الحيوانات، فاللّعاب في فم الإنسان قلوي، بينما لعاب المفترسات حمضي لبدأ هضم اللحوم النيّئة في الفم، ثم إن أسنان الإنسان ليس قاطعة لأنها لم تأتي لتقطع اللحم، بينما أسنان المفترسات قاطعة لتساعدها على تقطيع اللحم، أما الجهاز الهضمي الخاص بالانسان فهو صغير مقارنة بالجهاز الهضمي للمفترسات الطويل الذي هو كذلك لإطالة مدة الهضم لأن اللحم عسير على الهضم بخلاف النبات.

يمكن لمثل هذه التعليلات العلميّة أن تجعل أي شخص يؤمن بأنه ليس موجودا لقتل أي مخلوق لأكله، إلا أن المجتمع العربي بمكوناته متمسك بالدين الإسلامي والمسيحي اللذان يذكران التضحيات في المناسبات والأعياد. ولأن العربي ميّال إلى تكفير الآخر بسهولة، فإن النباتيون يجدون أنفسهم متّهمين بالردّة وحتى متهمين بالتشكيك في كيان الله.

إن القول عن إلهة الرحمة "كانون" أنها تمثال وحجر أصم وأنها لا تجدي ولاتضر أمر سهل لمن لا يؤمن بأنها إلهة الرحمة، لكنه يؤذي ملايين الناس حول العالم لأنهم يؤمنون بأنها إلهة رحيمة بحق، وأنها تحمل من النور ما يضيء معبد هوكو كوجي أيزو وقلوب المؤمنين والنساء الحاملات، وهو نفس الشيء بخصوص الله ويهوه، فقول أنهما ليسا رحيمين سيؤذي البعض لكن هذا لا ينفي قناعاتك الداخلية بأن كانون مثلا عبارة عن حجر اصم، وأنك أرحم من الله ويهوه اللذان يدعوان إلى سفك دماء الحيوان، والعكس صحيح.

إن التعرض للأذى من هذا النوع قد يكون مزمنا ومرهقا للأعصاب، وإن الشعور بالرحمة لهو من أعظم الأحاسيس التي قد يكنّها إنسان لمخلوق ما حوله مهما بلغ صغره. وقد كان الشاعر العربي العظيم أبا علاء المعري صاحب رسالة الغفران التي استخلصت منها الكوميديا الإلهيّة الخاصة بأليغيري، كان الشاعر على فراش الموت، وقد دعاه الطبيب إلى أكل اللحم حتى يشفى وهو الذي كان نباتيا، لكنه فضّل الموت على ازهاق روح لأكلها، وقد خدعته عائلته بأن طبخت له دجاجة وأخفتها بطريقة ما في طبقه، وعندما اكتشف الأمر رمى الطبق وقال متألما "لقد ائتمنوا شرك فقتلوك".

لماذا يصرّ العرب على إسقاط كل شيء في وعاء الدين ؟

وإن كنت نباتيا أو تعرف نباتيا، فاحكي لنا التجربة.