جوهر الإبداع: البساطة أم التعقيد؟!

ما هي البساطة بالنسبة لصانع محتوى؟

يقول الكاتب ستيف تشاندلر: "قد لا يكتشف الكثيرون الإبداع في أنفسهم، إذا اعتقدوا أن جوهر الإبداع هو التعقيد، في حين أن البساطة هي جوهر الإبداع".

كثيرًا ما يُطالَب صُناع المحتوى المرئي والكتابي بتقديم أفكار إبداعية خارج الصندوق، فيتوهم كثير منهم أن عليهم المبالغة في التحليق خارج الصندوق، فكم من مرة نجد مثلًا محتوى كتابي المفترض أنه إبداعي، لكن ما هو إلا خلطة مُجمّعة من التعبيرات الدسمة والمُقحَمَة في النص والحبكة الوهمية غير المنطقية، لاقتصار مفهوم كاتبه على أن الإبداع هو التعقيد واللف والدوران! بالرغم من أن الكاتب نفسه قد يقدم مهارات لا بأس به إذا نظر للإبداع من منظور مختلف.

من وجهة نظري أرى أن الإبداع الحقيقي هو الذي يتمكن من اكتشاف البساطة في الفكرة المعقدة، ويقدمها في قالب سهل الهضم بلمسة مميزة.​​​​

يحضرني مثال معبر عن كيفية إيصال فكرة قصة عميقة ومؤثرة في ست كلمات فقط تحمل بين طياتها الكثير من الإبداع، القصة للأديب إرنست هيمنجواي تقول: "للبيع، حذاء طفل لم يُلبَس أبدًا" انتهت القصة! وترك هيمنجواي القراء للغوص بمخيلتهم حول مرماها العميق والإبداعي بأبسط كلمات. أرى في القصة آمال أبوين لم تكتمل، وانتظار آتٍ لم يأتِ ولن يأتِ قط!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

كل منا له تصور عن الإبداع أو عن الفن وأعتقد أنه لا يوجد تعريف واسع قد يتسع لكل هذه التصورات والأفكار المختلفة والتي قد تبدو حتى متناقضة في بعض الأحيان، فهناك من يرى أن البساطة أو الفن التجريدي فن وهناك من يرى أن التعقيد أو الفن التمثيلي فن، وأعتقد أن الأمر يخضع في النهاية لفكرة "لولا اختلاف الآراء لبارت السلع" باعتبار الابداع او الفن هنا هو السلعة.

بما أن لكل منا تصوراته حول المعاني الإبداعية، فما هو تأملك الإبداعي حول مرمى قصة هيمنجواي "للبيع، حذاء طفل لم يُلبس أبدًا"؟

ما دار بخاطري أنها قصة عن فرحة امرأة حامل لم تكتمل لسبب ما، ثم أخذ تفكيري يدور في فلك غزة وما يمر به شعبها ثم أجبرت نفسي على التوقف حتى أستطيع أن أكمل التعليق، وهذا أعتقد يبين تقديري لهذا النوع من القص الإبداعي وهي طريقة عبقرية في إيصال مشاعر معقدة وقصة متكاملة في جملة قصيرة.

إسقاط في محله، وهو الأكثر مواكبةً ومحاكاةً لما يعانيه أهلنا في فلسطين نصرهم الله وفرّج كرباتهم وأظهرهم على عدونا وعدوهم.

أُحييك على تلك الترجمة الإبداعية.

صانع المحتوى هو فنان يرسم أو يكتب أفكاره، باحثًا عن إبداع يجذب انتباه جمهوره، لكنه قد يقع في فخ التعقيد ظنا منه أنه جوهر الإبداع، مثل هؤلاء يحتاجوا الى الوقت والتشجيع، أؤيدك بأنهم يفتقروا الى الكثير لدرجة بأني شخص أشعر بحرج عن قراءة ما تم كتابتة، ولكن مع الوقت سيتعلموا الدرس

صحيح، برأيك كيف يتحاشى الكُتاب المبتدئون خصوصًا فخ التعقيد؟

التعقيد أراة بوجود سببين وجود كم هائل من المعلومات التي تحتاج الى ترتيب أولا ثم يأتي دور سردها بشكل مبسط، والثاني عندما يحاول الكاتب استخدام لغة معقدة أو مفردات صعبة أو جمل طويلة، ومعرفة بأن النجاح لا يأتي من تعقيد الكلمات وتعقيد السرد بل يأتي من البساطة كتب جورج أورويل رواية 1984 لغة بسيطة وسهلة الفهم وحققت نجاحا كبيرا

التعقيد أراة بوجود سببين وجود كم هائل من المعلومات التي تحتاج الى ترتيب أولا ثم يأتي دور سردها بشكل مبسط

يعني هل يمكن أن نقل أن تسرّع الكاتب ورغبته في طرح واستعراض كل ما جعبته من أفكار وأساليب ومهارات كتابية دفعة واحدة دون ترتيب منطقي وتوظيف قد يخطأ به إلى طريق التعقيد؟

khouloud_benzeghba أضف ردا

اعتقد أن جوهر الإبداع ليس التعقيد ولا البساطة ، بل جوهره الممارسة العميقة والتكرار الواعي .

بصرف النظر عما إذا كانت لوحة ما أو قطعة موسيقية معقدة أو بسيطة هذا لا يهم، لكن تأكدي أن وراء أي منها تاريخ طويل من الممارسة والتدريب والتكرار الواعي ومحاوالات التحسين والتعلم حتى وصلنا لهذا .

في أعظم السير التي قرأتها سيرة بيتهوفن، الرجل الذي أسمع العالم كله موسيقاه لكنه لم يسمعها يوما، كان يتدرب في مخيلته على الأصوات كما لو كانت ألواناً أو أجساماً مادية ، كان يعيش حلمه كل يوم في دهاليز عقله ويكرر ويمارس ما يحلم به حتى أصبح ما هو عليه الآن.

مقطوعات بيتهوفن بسيطة حسب الموسيقيين ومعقدة حسب المستمعين، لكنها منحوتة بعمق حسب بيتهوفن نفسه، بالتكرار والممارسة خلق الإبداع مكتملا من رحم المحاولات.

اعتقد أن جوهر الإبداع ليس التعقيد ولا البساطة ، بل جوهره الممارسة العميقة والتكرار الواعي

تلك "الممارسة العميقة والتكرار الواعي" كيف تصوغيها خلود عندما تكتبين؟ هل بتعقيد أم ببساطة أم سهلة ممتنعة؟

الفكرة هنا أن المتلقي لا يبذل نفس الجهد الذي يبذله الفنان، مما يجعل كل واحد منهما على خلفية ومستوى مختلف عن الأخر

ألا تعتقد محمد أن جزءًا من الجهد الذي يبذله صانع المحتوى أو الفنان وجزءًا من الدور الذي يلعبه هو محاكاة المستوى الفكري والثقافي للجمهور الذي يستهدفه بأعماله؟

برأيي يتحدد جوهر الإبداع من خلال الهدف المنشود منه والجمهور المستهدف. فلو كان الجمهور المستهدف ينتمي لعامة الناس فإن الإبداع يكون في طرح محتوى فريد وفريد غير متكرر يصل لأكير قدر من الناس. وأما لو كان الهدف الوصول لقراء متخصصين فإن الٱبداع يكون في طرح الأفكار في طريقة معقدة تستميل انتباه القرّاء.

الهدف المنشود منه والجمهور المستهدف

إضافة هامة فاطمة، فالإبداع لا يعني أن ينطلق الكاتب في كتاباته هائمًا على وجهه دون إدراك الهدف والرسالة مما يكتب، وكذلك فهم طبيعة الجمهور المستهدف.

وأما لو كان الهدف الوصول لقراء متخصصين فإن الٱبداع يكون في طرح الأفكار في طريقة معقدة

فقط أحب أن أضيف أنه كثير من النقاد والمتخصصين يعظمون قدرة الكاتب في صياغة الأفكار المعقدة أوالمركبة بطريقة سهلة ممتنعة، ولا يجعلون التعقيد معيارًا للحكم على إبداعية الأعمال.

أحب أن أسمع منك فاطمة حول رؤيتك الإبداعية لمرمى هيمنجواى من قصته: "للبيع: حذاء طفل لم يُلبس أبدًا" إلى ماذا قادك الخيال حول تفاصيل القصة؟

القكرة أنك تجعلي التعقيد هو الطريق الوحيد لإيصال الفكرة للمتخصصين، وهذا يجعلنا نتسائل، هل يتطلب التخصص بالضرورة درجة من التعقيد، ولا يمكن أن ننقله إلى عامة الناس ؟

ما قلتيه مثل صحيح مئة بالمائة ولكن من قال أن الإبداع لا يشمل في التعقيد أيضاً فبالنظر لعقل الأنسان نفسه سنجده يمتلئ بمئات المهام المعقدة التي تتم في نفس الوقت ، أن المحتوى المعقد ليس بالضرورة أن يكون سيء أو يمكنك رؤية مدى التعقيد الذي يحدث في حركة سرب الطيور في هجرتها أو الجنود في الجيش في مناورتهم وتحركاتهم ، كل تلك أمثلة توضح أن التعقيد أيضاً قد يكون له جماليته إذا نفذ بشكل مدروس أليس كذلك؟

التعقيد أيضاً قد يكون له جماليته إذا نفذ بشكل مدروس أليس كذلك؟

إضافة في محلها؛ جملة "إذا نُفذ بشكل مدروس" جعلت رؤيتك صائبة، وجعلتني أفكر من زاوية أخرى، فإن كان ولا بد من التعقيد وكانت إبداعية صانع المحتوى ترتكز عليه، إذًا على العملية أن تكون مدروسة الحبكة والتنفيذ.

أخبرني عن رؤيتك أيضًا، كيف تحكم على إبداعية الأعمال الكتابية من وجهة نظرك؟ ما هي المعايير سواء كان مقال أو قصة أو كتاب؟

أخبرني عن رؤيتك أيضًا، كيف تحكم على إبداعية الأعمال الكتابية من وجهة نظرك؟ ما هي المعايير سواء كان مقال أو قصة أو كتاب؟

المعايير الأساسي هو الفكرة وطريقة عرضها سواء كان العرض بسيط أو معقد هل هو عمل جذاب وممتع أم لا هل يقدم محتوى مفيد أم لا .

وبناءا على الإجابة أقوم بتحديد قوة العمل

هل الأمر معقد بالفعل؟ أم أنها مشكلة تواجهنا في طرق التواصل بيننا؟ أعتقد أن المشكلة ليست في تعقيد أفكار المثقف، ولكن في افتقاره للغة التي يتحدث بها مع الناس.

يعجبني طرحك لمسألة البساطة والإبداع فبالفعل، يتعامل معظم الناس بشكلٍ معاكس ويعتقدون أنه كلما أصبحوا أعقد كلم قدموا فنًا أفضل، وهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة، فهناك عشرات الفنانين المعروفين والمبدعين الذين يقدمون لنا فنون واضحة ومباشرة، بل على العكس أعتقد أن الفنان الحقيقي هو من يستطيع أن ينقل أمر معقد بشكل بسيط إلى الناس، وليس أخذ شكل بسيط ومعروف وجعله معقدًا .

صحيح، أخبرني برأيك محمد هل تلمس أن كثيرًا من صناع المحتوى الكتابي والمرئي أصبحوا يحيدون عن تبسيط الأفكار خوفًا من اتهامهم بأن أفكارهم من داخل الصندوق؟ وكيف تحكم من وجهة نظرك على عمل كتابي مثلًا أن كاتبه بالغ في تكلُّفه وتصنُّع أفكاره؟

بالضبط هذا الأمر ملحوظ، وصراحة أنا نفسي أقع في هذا الفخ، ولم يكن يقنعني سوى العمل العميق، والمكثف والمعقد، لكن مؤخرًا بدأت أجد التحدي الحقيقي، في تبسيط الأفكار، لا في تعقيدها .