عن عدوى الفيروسات و عدوى البؤس

تنتقل بيننا العدوى كما تفعل نار مستعرة بحقل خصب، عدوى الأمراض والفيروسات والطفرات وعدوى البؤس واليأس وانفجار الأمل. وما نحن في النهاية سوى كائنات تحمل معها عدوى الراحلين والقادمين والحاضرين والغائبين.

نخشى انتقال عدوى الأمراض في ما بيننا، فنهرع للتعقيم والتنظيف والحيطة والحذر، ويكفي أن يتبادر إلى مسامعنا بأن شخصا أصيب بفيروس ما حتى نتجنبه خوفا على أجسامنا الفانية، ووقاية من المصير المخيف نفسه. ونضع أحيانا حدا لعلاقات كبيرة مع أناس مهمين خوفا من أمراض معدية لحقت بهم، فنضحي بالعشرة الطويلة من أجل سلامة هذا الجسد الذي يحملنا ويرعانا.

غير أن الوضع يختلف عندما يتعلق الأمر بأمراض الروح وعلل الفؤاد، يكون الحذر منعدما أو شبه منعدم في أحسن الأحوال، فلا نخشى عدوى اليأس ولا الحزن والسوداوية، نخالط ونرافق ونواعد الجميع دون تقييم أو حيطة أو دراسة، ونترك آذاننا وأنظارنا مستباحة لأصحاب النفوس الضيقة، والأرواح المعذبة، ينشرون بيننا القلق والخوف، ويزرعون بداخلنا حصادهم من سنوات الهلع والجبن والفزع.

يحدث أن تمضي أمسية مع شخص قاتم البصيرة ومنعدم الأمل حتى ترى أن حياتك ماهي إلا حماقة كبيرة لا طائل من ورائها ولا متعة في عيشها. ينقل لك كل علله فتنبت بروحك فاكهة فاسدة تكاد رائحتها أن تقودك للهلاك.

ولسوء حظ أرواحنا فإن أمراضها لا تظهر للعيان ما يجعلنا نتراخى في علاجها ولا نعير أمرها أهمية قصوى وبه نسمح لعالمنا أن يغص بمن هب ودب، بمن تسممت روحه وفقد شغفه ونسي حياته، ومن جعل همه وديدنه حياة غيره يدس فيها أنفه، ويحشر فيها رأيه فلا يجني سوى الأرق، من هو في حاجة لمساعدة عاجلة، وعوض ذلك فإنه ينطلق وسط المهيئين لحمل المرض ينشر عدواه.

نحن نتشكل من خلال من نرافقهم، نأخذ منهم ويأخذون منا عادات وقواعد وقناعات وأفكارا وهموما وآمالا. لنكون في النهاية مجموعة من الناس اندمجوا في شخص واحد. وبالقدر الذي تسمح فيه للناس باختراق محيطك والحضور في عالمك، بالقدر الذي تحمل معك من العدوى الشيء الكثير

تقضي ساعتين أو ثلاث، تحتسي فيها شاي العصر وتجالس إنسانا خفيفا بلا أثقال تهوي به للقاع، لطيف الروح ولينها، يحكي لك عن آماله العريضة وأخباره الجيدة عن نجاحاته وطموحاته التي يراها تقترب من قبضته، يبتسم وهو يروي لك المشاكل التي اعترضته والهموم التي حاولت الفتك به، كيف تجاوزها وماذا لقنته. ثم تعود أدراجك تحمل بداخلك شعلة متقدة من الشغف ومشعلا عاليا من التصميم على الفرح. تصاب بعدوى الشغف وإتمام السعي، فتقرر أن تستمر على دربك الذي لا تكف طرقه عن الالتواء وأنت تحمل بداخلك بأسا لا ينهار.

العدوى قائمة بيننا ننشرها أينما حللنا، وهي إما عدوى عذاب أو عدوى شفاء. فننسى أن ما ينقله لنا السوداوي لا بد أن يجعل شيئا من سواده خلا تصعب علينا مفارقته، وما ينقله لنا المتفهم الهادئ الشغوف لا بد أن يجعل من شغفه وهدوئه رفيقين لنا نحمل شيئا منهما لوقت طويل من الزمن.

قد يكون من الواجب علينا، تماما كما نحمي أجساما رخوة من لحم ودم وعظم من العدوى والأمراض، أن نحمي الروح التي تبعث في هذا الجسد الحياة، وتمنحه القدرة على رؤية الجمال ومعانقة الكمال، من عدوى الملتاثين وأمراض المتسممين، تجنبهم قدر المستطاع. والمحاولة الدائمة للعثور على المبتهجين بكل ما لديهم بسيطه وكبيره، الحاملين للواء الفرح وشعار السرور كيفما كانت الأحوال والظروف لعلنا نصاب بعدواهم ونحمل داخلنا شيئا من جمالهم.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

جميلة أنتِ... عميقة ... ومصابة بعدوى سكنت روحك!!!

لكن تعالي أهمس لك.. هنالك نوع من العدوى جميلة..

الضحك عدوى... السعادة عدوى... التفاؤل عدوى... وحتى لحظات الصمت تكون معدية...

على الرغم من أنني أختلف في بعض الأماكن معكِ.. لكنني بصدق شعرت روحك بين السطور... فأحببت النصّ

نحمي أجسادنا او على الاقل نحاول ولا نأبه ل أرواحنا مع الأسف، شكرا لتدوينتك

وصف دقيق لما يمكن أن تؤثر به الناس علينا، فهُم مثل العدوى. لكن لكل عدوى طرق انتقال يجب أن نتجنبها كما ذكرتي.

لكن في بداية الأمر كيف ندرك طبيعة هذا الشخص، أهو سودوي أم متفائل حتى نقرر التعامل معه؟

و لما نجعل أنفسنا مثل العجينة تُشكَل بين أيدي الناس سواء سيئة أم حسنة. يجب أن نتعلم عدم التأثر بالآخرين بالشكل المبالغ فيه "ليس من نقاش واحد تتبدل أحوالنا"

يجب بناء عدى عوامل:

- بناء الثقة في أنفسنا: إذا وجدت الثقة في النفس ستصبح عازل لأي شخص يحاول أن يحبطنا أو ينشر سودويته.

- الإدراك الكامل أن لك منّا تجاربه: البعض أخفق و البعض نجح فالنأخذ المفيد من الحالتين.

NewUser
  • حذف بواسطة المستخدم

يكمن خطأك في إسقاطك لمقالي على المكتئبين أو من يعانون من أمراض نفسية كان المولى رحيما بقلوبهم، بينما أنا أقصد أصحاب النفوس السوداء..

تخيل معي أنك تمر بضائقة ما و سُلّط عليك من يدس في أملك بالخلاص سُمّا بأن لا نجاة لك..

أو أنك على أهبة مشروع خاص كلفك مجهودا ماديا و معنويا و جاء من يخبرك أنك لن تنال منه ما ترجو ف فلان فشل و خسر أملاكه و فلان انتحر بسبب تجاهله لنصيحته.. أو فتاة مقبلة على الزواج مثلا و تهافتت الاناث بتوجيهها أن عليها أن تكون يقضة ف زوج فلانة قد خانها مع صديقتها و حماة فلانة قد وضعت سحرا في دولابها و و.. ما شعورك؟

أرجو أن يكون قد بلغك المقصد

لا يوجد في العالم من قرر أن يشعر بمزاج سيء. لا يوجد إطلاقا. هو يحدث بدون إرادتهم. جميعا نجتهد و نعمل لساعات طويلة و نفعل كل ما يمكننا لتجنبه.

لو كنا نستطيع التحكم في مزاجنا لكنت أحلق الآن في السحاب من النشوة.

يكمن خطأك في إسقاطك لمقالي على المكتئبين أو من يعانون من أمراض نفسية

كيف تفرقين بين الإثنين؟ من يعاني بإرادته و بدونها؟ بين المتشائم و المكتئب لدرجة خفيفة؟

Anis_ez_el
  • حذف بواسطة المستخدم

سؤال هل انتي كاتبه

+من اين نوع و في اي مجال؟

أحاول أن أكون كذلك.. ولا نوع محدد لدي، أدون ما أحسه و أراه و أعيشه

كل هذه اللغة و الأسلوب و الإتقان في الحبك و تقولي انك لست بكاتبة بل تحاولين، جميل تواضعك يا فقتاة

ساقول لك ايضا

#استمري

-1

تعجبني تدويناتك جدا احسنتي

#استمري

NewUser
  • حذف بواسطة المستخدم
ونضع أحيانا حدا لعلاقات كبيرة مع أناس مهمين خوفا من أمراض معدية لحقت بهم، فنضحي بالعشرة الطويلة من أجل سلامة هذا الجسد الذي يحملنا ويرعانا.

ماذا علينا أن نفعل إذا؟

أن نأخذهم بالأحضان، تلك نزعة بشرية سيقومون بها هم أيضا في نفس الموقف، وأنا كذلك سأفعلها..

قد يكون من الواجب علينا، تماما كما نحمي أجساما رخوة من لحم ودم وعظم من العدوى والأمراض، أن نحمي الروح التي تبعث في هذا الجسد الحياة، وتمنحه القدرة على رؤية الجمال ومعانقة الكمال، من عدوى الملتاثين وأمراض المتسممين،

كلامك المثالي لا ينطبق على الجميع عزيزتي خديجة، فكم من شخص تورط مع شخص متسمم يقضي عليه عرقا بعرق، إحداهن تعيش مع زوج سام، أو ابنة تعيش مع والد كذلك، كيف تتخلص من هذا الوضع لتعانق هذا الكمال المرجو وترى الجمال الخيالي؟

قرأت في كتاب عن أساليب جذب الآخرين، عن ضرورة عدم الاستمرار في الشكوى، فالناس لا تحب الاستماع للشكوى والفشل، بل يحبون من يتحدث بثقة عن الإنجازات والنجاح والطموح فقد يتعلموا منه شيئا او على الاقل يستمتعون.

يعني لماذا بالأصل وجد الأقارب والعائلة والأحباء إن لم يجلعوك تشكي وتخرج ما بنفسه، ما فائدتهم؟

كبت المشاعر السلبية لأجل عدم مضايقة الآخرين هي أكثر الأمور التي تسبب الاكتئاب والجلطات..

أسكت هنا ولا أشتكي هنا، وأخاف أن لا يستمع للشكوى..

عني أنا مستمعة جيدة، وآخذ بهذا كإلهام لكتاباتي، أستمع للشكوى وللهم وللفشل وآخذ به كتجربة في الحياة، من أجل أن لا أقع في ذلك مستقبلا، تلك تجارب وخبرات يبحث عنها الإنسان، بدل تصنيفها شكوى وفشل

-1
aymansoliman أضف ردا

معك حق يا عفاف، ولكن كثرة الشكوى تنفر الناس منا، حتى الأقارب، صراحة لدي قريبة لا أسمع منها سوى الشكوى، من الأطفال والعمل والزوج، حتى كرهت الجلوس معها، الاستمرار في حالة من الحزن المستمر والضيق من الحياة يشعر الآخرين كما لو أننا لا فائدة منا، والناس تجتمع مع بعضها ليفرحوا ويخرجوا من هموم الدنيا لا ان ينغرسوا فيها، نشكي مرة ونضحك مرات، هذه معادلة جيدة

ربما لانها ترتاح لك، أنا ساحزن مكانها لو ظننتك مستمعا جيدا، لكن للأسف ذاخليا تراه ضيقا..

بما أنه العمل والأطفال والزوج، فالمسكينة تفهمها، فمها وشكواها هي ملجأها

هذا النوع أتعاطف معه وللغاية

لا أعتقد ذلك، فهي تشكي امرها لعشرات غيري وعن نفس الموضوع مرارا وتكرارا، كثرة الشكوى غالبا نابع عن صغر النفس وقلة الحيلة وليس لأجل الترويح عن النفس.

حتى عند محاولة حل هذه الخلفات، وقلل أن تسمع لاقتراح بسيط وصغير، تصر على عدم جدوى الاقتراح.

كثرة الشكوى غالبا نابع عن صغر النفس وقلة الحيلة

لكنك تشتكي الآن منهم؟ فلما لا تطبق نفس النصيحة التي تعضها ولا تشتكي أبدا؟

تدعي أنك قوي نفسي لدرجة تحملك أشياءا رهيبة لكنك لا تتحمل حتى من يعبر عن ألمها لفضيا.

aymansoliman أضف ردا

لم أدعي أبدا بأني قوي، ولم أقول أبدا بأن عليها عدم التكلم أو أن تشتكي، وإنما لا يجب أن تشتكي في كل لحظة من حياتها، أنا عادة أستمع لها وأن صامت لأني لم أجد حلا أخر ولكنها ماذا تستفيد من ذلك، لم تحل مواضيعها ومشاكلها، فقط تشتكي، ومع الوقت أصبح تعاملاتها مع الناس قليلة جدا، لأن الجميع مهما حاول تقديم يد المساعدة ترفض ذلك.

وأنا من حقي أن أرفض من يؤذي سمعي بمشاكل لا أستطيع حلها ولا أستطيع حتى المساعدة، بل لاترغب حتى في المقابلة أو الخروج من المنزل فقط من خلال الهاتف، إذا لي الحق بأن أحتفظ بوقتي لشيء أهم وقول لا لما يؤذيني، هذا ليس ضعف هذا حفاظا على وقتي ووقت عائلتي، الشكوى تقتل المستمع، لذلك لا يجب أبدا الاستسلام لشخص يشتكي طيلة الوقت، لن تسلم منه أبدا.

أخبرها أن تذهب لطبيب نفسي فتلك الدرجة من العصبية ليست طبيعية. هو من سيستمع لها.

أنتم تدعون أنكم تتحكمون في مزاجكم لكني لا أرى ذلك أبدا، بل تتصرفون عكس ذلك.

التفاؤل مجرد تفكير رغبوي (حتى و أنا في مزاج جيد و متفائل أعرف هذا). و تحدثت هنا كيف أن الحديث عن التفكير الإيجابي أو التفاؤل أو التحكم في المزاج هو مجرد إعاقة ذهنية:

Hasna_mar1 أضف ردا

أصبت.. نطهر ونحمي أرواحنا بأشياء كثيرة ... منها الحب والجمال والفرح والابتسامة والصدق.. ولكي نغرس فيها كل هذه المعاني نحن بحاجة لصديق ولرفيق يتحلى بها لعلنا نقتبس منه جزءا من هذا الجمال

تماما.. راجية أن يهديك القدر صديقا يتَّصِف بما وصفتِ

آمين وللجميع بارك الله فيك.

نحن كالمغناطيس نجذب نوعية الأشخاص الذين يتصفون بصفات تشبهنا، أتعتقدين بذلك مثلي؟

للأسف لا، يهدينا القدر أناسا تارة لنعرف لما خلق الله جهنم و تارة لنعي أين تتجسد المودة