في جلسة حوار مع بعض أصدقائي، كان أحدهم مركزا على فكرة الزهد، وهو يتحدث عن تجربته في ترك عمله السابق رغم فائدته المادية، بسبب الضغوط النفسية من بيئة العمل السامة. كان يقول: "الفلوس مو كل شي، أنا حاب أعيش بسيط وأركّز على الراحة النفسية." بدا الأمر ناضجا وجميلا في بداية كلامه، لكن مع الوقت لاحظنا أنه أصبح يتحدث عن الزهد بطريقة فيها نوع من الفخر والتعالي. صار ينتقد من يعملون لساعات طويلة، ويرى أنهم "عبيد مال"، ويُلمّح إلى أن طريقه "أنقى وأفضل وأذكى وأكثر راحة نفسية." الزهد عنده تحوّل من اختيار هادئ.. إلى وسيلة للتميّز والشعور بالتفوق!

الكاتب في كتاب "الفصل بين النفس والعقل" يقول أن النفس لا ترفض المعاني النبيلة، بل تستخدمها كغطاء لرغباتها الدفينة، فتخدعنا.. هنا يتجلى الكِبر تحت ثوب الزهد، وما أكثر الشهوات التي تحمل اسم الفضيلة، غرور وتعالي تحت فضيلة طلب العلم، فضيحة ومكر تحت ثوب النصيحة، وغيرها الكثير.. حيث أننا ما لم نُفتّش نوايانا بصدق، قد نعيش في وهم أننا "أصحاب مبادئ".. بينما نحن نُطعِم شهوة مموّهة بلغة راقية. فكيف نُفرّق بين فضيلة حقيقية، وفضيلة مزوّقة ترضي شهوة خفية؟