مدرسة شهيرة جدا في النقد الأدبي، هي المابعد كوليونالية، مقصود بها آداب إنجليزية في ثقافات وبأقلام ناس وإن كانت تتحدث الإنجليزية إلا أن أصولها ليست ساكسون ولا أمريكان، والآداب المجاورة مثل جنوب أفريقيا وأستراليا. نجد نفس الأمر مع فرنسا وآداب مجاورة مع بلجيكا وسويسرا، ومدرسة ما بعد الفرانكفونية. نفس الأمر نجده مع ألمانيا وآداب مجاورة في التشيك والنمسا وسويسرا، فأشهر كاتب ألماني، أصله تشيكي (كافكا)، وأبرز حاكم ألماني، أصله نمساوي (هتلر). ويمكن تعميم بعد الآداب الاستعمارية الناطقة بالألمانية على نسخة ثالثة من المدرسة الكوليانالية / الفرانكفوية، باسم مدرسة ما بعد الجرمانية!.
الأدب الاستعماري والآداب المجاورة
التعليقات
بالنسبة لي، الآداب تحكمها ثلاثة سياقات إطارية؛ اللغة، والثقافة، والعرق. اللغة بحكم أن جميع آداب اللغات، تتكون من كلمات، والثقافة، أي طبيعة الإنتماء القومي للشخص المنتج للعمل الأدبي، وأخيرا، العرق، وهي فئة تتنوع لتشمل الأمة، والإثنية، والجندر، أو حتى الفئة العمرية.
بالفعل يوجد مدرسة نقدية تعني بكل النتاج الأدبي، المكتوب بالإنجليزية، خارج السياقات الإنجليزية الأصلية (إنجلترا)، يمكن تأصيل هذه المدرسة إلى درجة اعتبار جيمس جويس منتميا إليها، لأنه كان يكتب باللغة الإنجليزية، ولكن بروح متمردة على الثقافة الإنجليزية، لدرجة ابتكاره مفردات كانت جديدة على الإنجليزية وقتها (لا أعرف مفردة بعينها، ولكن هذا ما قرأته).
وبالطبع هذا يشمل الأدب الإنجليزي الأمريكي، والجنوب أفريقي، والأسترالي، والكندي، وأيضا، العرب المغتربين في الخارج، وأشهرهم جبران خليل جبران، الذي كان يكتب بالإنجليزية ولكن بروح شرقية عربية. وعلى نحو مواز يمكن تطبيق نفس الفكرة على الآداب الناطقة بالفرنسية (المدرسة الفرانكفونية)، والألمانية، بل وأيضا، قديما، حين سادت الدولة الإسلامية، نجد تمييزا بين الأدب المشرقي، والآداب المغربية، تلك الأخيرة هي آداب ناطقة بالعربية في سياقات غير عربية وداخل ثقافات أجنبية (الأدب الأندلسي نموذجا صارخا).
ما الفائدة العملية من كل هذا التصنيف المتشعب؟ ما الجدوى من أن نقسّم الآداب والثقافات إلى "ما بعد كولونيالية" و"ما بعد فرانكفونية" و"ما بعد جرمانية"؟ هل أصبح النقد الأدبي متاهة مفاهيمية لا هدف لها سوى إقناع النخب المثقفة بأنها تكتشف عوالم جديدة، بينما القارئ العادي لا يجد في كل هذا سوى ضجيج أكاديمي لا يغير من فهمه للنصوص ولا يعمّق علاقته بالأدب؟
ما الفائدة العملية من كل هذا التصنيف المتشعب؟ ما الجدوى من أن نقسّم الآداب والثقافات إلى "ما بعد كولونيالية" و"ما بعد فرانكفونية" و"ما بعد جرمانية"؟ هل أصبح النقد الأدبي متاهة مفاهيمية لا هدف لها سوى إقناع النخب المثقفة بأنها تكتشف عوالم جديدة، بينما القارئ العادي لا يجد في كل هذا سوى ضجيج أكاديمي لا يغير من فهمه للنصوص ولا يعمّق علاقته بالأدب؟
أنا أقف تماما في الناحية الأخرى ضد هذه الفكرة التي تحاول تقديمها يا صديقي ياسين، أنا أرى أن بعض (العناصر الثقافية المنتخبة)، وليس النخبوية، هي التي تسلط الضوء على العلاقة الحقيقية بين القارئ والعمل الأدبي، خاصة طريقة تلقيه للنصّ. والتجربة تثبت ذلك، من موقعي كبائع للكتب، أرى أن لدى بعض القراء هو عميق جدا بمثل هذه الفروق الثقافية، كنوع من الانتماء إلى ما نحب، أو كنوع من التعبير عن الذات من خلال تبني الآداب التي تقترب منا، تعبر عن مشاكلنا. مثلا، هناك عدد من الأدباء اليهود قدموا نصوصا أدبية أو فكرية بلغتهم العبرية. قد لا تتقبل أنت الأمر، بينما قد يكون لدى شخص آخر شغف بفهم هذا العقل الآخر، بل وما هو أكثر، هذا العقل الذي بيننا وبينه عداء. في الواقع، التصنيفات وُضعت في الأساس للقارئ قبل الناقد، هذا ما ميز النصوص المسرحية (شكليا) عن النصوص الروائية. وهو ما ميز أيضا (عاطفيا) الميل لتصنيف أدب الرعب عن الأنواع الأخرى.
ويا للعجب، أتعجب أنك تنتقد تصنيفات النقاد، بينما هم (أو بعضهم)، على الجانب الآخر، وبدعم من الكتّاب، ينتقدون تصنيفات مثل الرعب أو الرومانسي من باب أنها تضع حدودا على نصوصهم الأدبية.