يحدث أن يكون الكاتب متعددا، يكتب النثر والشعر والنقد. ولكن في مرحلة من المراحل قد يهتم الكاتب بالنقد الأدبي تحديدا نظرا لإغراءاته المعرفية والعلمية. فهل يؤثر ذلك على مستوى الكتابة الابداعية في مجالات أخرى.
أفيدوني من تجاربكم الخاصة في الكتابة.
إذا كان الكاتب متعدد المواهب والكتابة في أنواع مختلفة من الأدب ما بين شعر ونثر وكتابة إبداعية فذلك بالتأكيد سيساعده في تجربة النقد الأدبي لأن لديه خبرة بالفعل في أكثر من نوع ويعرف الفرق بين هذا وذاك وما يقويه وما يضعفه.
ولا أعتقد أن ذلك سيتداخل مع الكتابة الإبداعية إذا كان لدى الكاتب الموهبة بالفعل، بل ربما النقد يجعله أكثر قدرة على تحليل النصوص وعلى رؤية التفاصيل والاهتمام بها مما سيجعل كتاباته أكثر جودة.
النقد يثري الإبداع إذا جاء بعده ويخنقه إذا سبقه المشكلة ليست في النقد بل في توقيته داخل عقل الكاتب
كقارئة...إن التحول نحو النقد الأدبي ليس مجرد انتقال معرفي، بل هو سلاح ذو حدين لكل مبدع. من واقع التجربة، يمنح النقدُ الكاتبَ "عيناً ثالثة" تمكنه من تفكيك النصوص وفهم آليات بناء الجمال، مما يرفع من جودة نتاجه الإبداعي ويجعله أكثر وعياً بأدواته.
ومع ذلك، تكمن الخطورة في "سطوة الرقيب الداخلي". فالغوص العميق في النقد قد يولد صرامة تحليلية تحاصر تدفق الخيال، حيث يبدأ الناقد داخل الكاتب بمحاكمة الفكرة قبل ولادتها، مما قد يصيب النص بنوع من الجفاف العاطفي أو التكلف اللغوي.
الخلاصة: النجاح يكمن في الفصل الواعي؛ أن نكتب بروح الطفل المتحرر من القيود في المسودة الأولى، ثم نستدعي الناقد الصارم في مرحلة المراجعة. النقد يغذي العقل، لكن الإبداع يحتاج دائماً إلى مساحة من "الفوضى المنظمة" ليبقى حياً.
بالضبط، النقد الأدبي مع الأسف يؤثر بشكل كبير على الكتابة الإبداعية، لأنه كما ذكرتي يحكم على الفكرة قبل ولادتها، ويشن هجوماً على نفسه سعياً خلف أن يكتب نصاً إبداعياً لا مثيل له، هناك تدريب بسيط أمارسه من حين لآخر وهو أن أمارس عدة دقائق متواصلة من الكتابة دون التفكير، أكتب كل ما يخطر في ذهني، جمل متفرقة أو متصلة، مترابطة أو لا، هذا لا يهم، المهم فقط هو أن أكتب كل ما يجول في عقلي خلال تلك الدقائق، هذا التمرين يُساعد كثيراً في ترتيب الأفكار والتخلص من الضغط النفسي وبعدها ستندهشي بكمية الأفكار الإبداعية التي ستكتبين عنها في كل مرة خلال هذا التمرين، وبعدها ستوظفينها بأسلوبك فيما تُريدين، هذا ما أفعله في الغالب، حين أصاب بجمود فكري.
بالفعل مهارة التدوين من اهم المهارات النفسية التي تساعد سيكولوجيا على الصفاء الذهني و الابتكار! لكنني للاسف الشديد عجرت عن القيام بها!
برأيك ما هي الخطوات التي يمكن ان اتبعها لكي استطيع التدوين دون انقطاع؟
يمكنك تعلم هذا بسهولة تدريجياً، حاولي أن تكوني في مكان هادئ وابعدي عن أي مشتتات من حولك، اضبطي المؤقت على 5 دقائق فقط كبداية، ولا يُشترط أبداً أن تكملي ال5 دقائق من أول مرة، بعدها أمسكي بقلم وورقة وابدأي بكتابة اي شيء يخطر في بالك، مثال، اليوم ذهبت إلى الاجتماع متأخرة، وجدتُ ان قلادتي مفقودة،السماء لونها شاحب، ماذا سأعد على العشاء؟، أكتبي فقط دون أي قيود وبعد أن ينتهي الوقت اقرأي ماكتبتي، ستكتشفين تدريجياً ما الذي يشغل بالك، وكيف تسيطرين على تلك الأفكار، مارسيه فقط مرة واحدة أسبوعياً، تلم الطريقة كنت أستخدمها عندما كنت أعمل كمدربة تطور شخصي وفكري لحالة تعاني من تشتت الإنتباه وفرط الحركة وكانت تُجدي معها نتائج ممتازة.
الإغراء المعرفي للنقد يمنح الكاتب بصيرة نافذة تجعله يرى عيوب نصه قبل أن يكتبها، وهذا سلاح ذو حدين؛ فهو من جهة يرفع جودة العمل ويمنعه من الوقوع في التكرار أو السطحية، ومن جهة أخرى قد يصيب الإبداع بالجمود أو التردد خوفاً من الوقوع في فخ النقد الذي يمارسه هو نفسه على الآخرين. التجارب الحقيقية تثبت أن الكتابة الإبداعية تحتاج دائماً لدرجة من الجهل العمد بالقواعد أثناء اللحظة الأولى للكتابة ثم يأتي دور الناقد في مرحلة المراجعة.
الفصل بين شخصية الناقد الباحث وشخصية المبدع الفنان هو التحدي الأكبر، لأن التداخل بينهما قد يحول القصيدة أو القصة إلى تمرين لغوي جاف يخلو من العاطفة. فاذا عرفت كيفية الحفاظ على هذه الشعرة الفاصلة، فان اتساع ثقافة الكاتب النقدية قد تكون في صالحه جدا وقد تجعله يوماً ما يكتفي بالقراءة والتحليل ويعزف عن المغامرة بالكتابة الإبداعية خوفاً من حكمه الشخصي على نفسه
التعليقات