"القوة العلاجية للقصص": كيف تشفينا القصة؟

"القصص ليست مجرد حكايات ننقلها، إنها الطريقة التي نعالج بها الألم، ونبحث من خلالها عن المعنى. في كل مرة نروي فيها قصتنا، نمنح أنفسنا الفرصة لفهمها بشكل أعمق، ولشفاء الجروح التي لا تزال تنزف."

القوة العلاجية لسرد القصص هي واحدة من النقاط المركزية في كتاب "القوة العلاجية للقصص" لدانيال تايلور. هذه الفكرة تقوم على أساس أن عملية سرد القصص، سواء كانت شفوية أو مكتوبة، تلعب دورًا هامًا في معالجة المشاعر والتجارب الشخصية، وتساعدنا -بشكل أو بآخر- على الوصول إلى فهم أعمق لذاتنا ولتجربنا.

لماذا القصة؟

سرد القصص يعيد تنظيم التجارب السابقة التي تكون غالبا مبعثرة وغير مفهومة. عندما يسرد الشخص قصة ما، فإنه يضع تلك التجربة ضمن إطار زمني وفي إطار (سبب/نتيجة)؛ فيساعده ذلك على تفسيرها وتحديد معناها.

دانيال تايلور يذكر أمثلة عديدة عن كيفية استخدام سرد القصص كوسيلة علاجية. في أحد الأمثلة، يتحدث عن شخص كان يعاني من الشعور بالذنب بسبب حادثة معينة في حياته. من خلال سرد هذه القصة للطبيب النفسي، بدأ هذا الشخص في إعادة النظر في تفاصيل الحدث، وبدأ يفهم أن المسؤولية لم تكن كاملة عليه. هذا الفهم الجديد خفف من شعوره بالذنب وساعده في المضي قدمًا.

ربما السرد هو أكثر من مجرد تمرين للذاكرة؛ فقد يكون وسيلة لإعادة النظر في التجارب وتخفيف الألم النفسي. كيف ترى هذه الفكرة، وتطبيقاتها؟ وهل قد تأتي بنتائج عكسية؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد أننا بالفعل حين نعيش قصتنا نتعامل مع موقف تلو آخر بدون فرصة لربط الأحداث ببعضها، فهذه الفكرة رائعة أن نستذكر ترتيب المواقف لنقدر على تنظيم القصة وفهمها بشكل أوضح.

وليس فقط من أجل علاج مشكلات التجارب السابقة، بل أظن أنه يمكنني تطبيق هذه الطريقة في لحظة اتخاذ قرار هام، إذ يمكنني بدأ القصة بالأحداث السابقة ذات الصلة، ثم أستأصل نفسي منها كبطل، لأرى ككاتب ما هي أفضل نهاية يمكن الاختتام بها!

hagar_basheer أضف ردا

فكرة ربط الأحداث ببعضها وتنظيم القصة لفهمها بشكل أوضح أداة قوية، سواء في معالجة تجارب الماضي أو في اتخاذ قرارات هامة في الحاضر. عندما نستعرض الأحداث بشكل تسلسلي ونحاول ربطها معًا، نتمكن من رؤية الصورة الكبيرة وفهم الأنماط المتكررة التي قد تكون غير واضحة لنا في خضم التجربة.

ما يلفت الانتباه في طرحك هو القدرة على "استئصال" الذات من القصة والنظر إليها من منظور خارجي، ككاتب يراقب الأحداث ويبحث عن أفضل نهاية ممكنة. هذه الطريقة ليست فقط وسيلة لفهم الأحداث بشكل أفضل، ولكنها أيضًا تساعد في اتخاذ قرارات مدروسة. عند رؤية الأمور من منظور خارجي، فإننا نقلل من التحيزات العاطفية التي تؤثر على قراراتنا، مما يساعد في الوصول إلى نتائج أكثر موضوعية. وأخص بالذكر هنا مثلا بعض السير الذاتية التي قرأتها وكان الشخص يكتبها بصيغة الغائب رغم أنها قصته هو.

قد ننظر لهذه الطريقة كنوع من "إعادة كتابة" القصة بحيث يمكننا التفكير في كيفية توجيه الأحداث نحو نتيجة أفضل. هذا ليس مجرد تحليل للماضي، بل هو أداة استباقية للتخطيط واتخاذ القرارات.

هل جربت استخدام هذا الأسلوب في اتخاذ قرارات مهمة في حياتك؟ وكيف كانت النتائج؟

أمر اليوم بمرحلة تفكير في قرار متشعب يلزمه مجموعة من القرارات المتداخلة، بشكل بات وكأنه عملية رياضية معقدة، كل تغيير في معطى معادلة يؤثر على معطيات المعادلات الأخرى. إن فكرت في تبني هذا الأسلوب فالأمر سيتحول إلى مجموعة قصصية وليس قصة واحدة، لذا قد أستخدمه فعلًا لتحليل القرار الذي أتخذه قبل تنفيذه.

فالأمر سيتحول إلى مجموعة قصصية وليس قصة واحدة،

الموضوع يستحق التجربة إذا كان بهذا التشعب. هداك الله للقرار السليم الحق.

سمعت مرة أن قدرة الشخص على سرد قصته ومعاناته ومشاركتها مع الناس، هي دليل على تخطيه، فعلى الرغم من أن عملية سرد القصص تبدو سهلة وبسيطة إلا أنه من الصعب جدًا أن تروي قصتك الخاصة للآخرين.

كما أن سرد القصة أو الحدث قد يكون وسيلة للتخفف من حملها وثقلها، فتصيح فيما بعد خفيفًا.

الكتابة التعبيرية بالنسبة لي تمنحني فهماً أفضل لمشاعري التي تكون مبعثرة في الداخل، وعندما أقوم بوصفها بالكلمات تترتب بشكل مبهر، مساهمتك لفتت نظري إلى طول انقطاعي عن هذا النوع من الكتابة، ولذلك أشعر بأنني محاصرة بشكل لا أفهمه طوال الوقت، الآن انتبهت!

بالمناسبة هل تمارسين الكتابة التعبيرية أو السردية بشكل منتظم وكيف تساعدك على فهم نفسك؟

hagar_basheer أضف ردا

أوافقك الرأي على أن قدرة الشخص على سرد قصته ومعاناته يمكن أن تكون دليلًا على تخطيه لهذه التجربة أو على الأقل بداية هذا التخطي. السرد، سواء كان شفهيًا أو كتابيًا، يتيح لنا فرصة لفهم ما مررنا به بشكل أفضل ويعمل كوسيلة للتخفيف من العبء النفسي.

الكتابة التعبيرية أداة قوية للتعبير عن المشاعر وفهم الذات. سعيدة أني ذكرتك بها. هي تساعدني على التعبير عن نفسي بشكل أكبر، وتمنحني فرصة لتحليل المشاعر والأفكار التي تبدو مشوشة في البداية. بالنسبة لي، فهي تشاعدني كثيرا في اكتشاف ما أريده، وما يزعجني، وما وراء الموقف الظاهري. فأحيانا تطرأ أمور من الماضي لتتخذ شكلا في الحاضر قد لا تلاحظه إلا إذا كتبت الموقف، وحللته، وأعدت قراءته.

أتفهم رغبتك في إضفاء طابع ملموس على ما تتحدثين عنه. من المثير للاهتمام أن الدراسات تشير إلى أن حوالي 75% من الأشخاص الذين يمارسون الكتابة التعبيرية بشكل منتظم يشعرون بتحسن ملحوظ في صحتهم النفسية وقدرتهم على معالجة مشاعرهم. من الواضح أن الكتابة تمنحك هذه الفرصة للتعمق في مشاعرك وفهم ما يجري داخلك. هذه القدرة على التعبير عن نفسك وتفكيك الأفكار قد تكون أحد أسباب شعورك بالراحة والوضوح بعد الكتابة، مما يساعدك في مواجهة ما يمر بك بطريقة أكثر هدوءًا وثباتًا.

فعلا يا تقوى سرد القصص والكتابة التعبيرية يمثلان وسيلة فعّالة لمعالجة المشاعر وفهم الذات. الأبحاث تظهر أن التعبير عن التجارب الشخصية من خلال الكتابة أو السرد يمكن أن يسهم بشكل كبير في تحسين الصحة النفسية وتخفيف التوتر. هذا النوع من التعبير يساعد على تنظيم الأفكار المبهمة وتوضيح المشاعر الداخلية، مما يؤدي إلى شعور بالراحة والانفراج. من الملاحظ أن الكثيرين يجدون في الكتابة وسيلة للتواصل مع أنفسهم على مستوى أعمق، مما يعزز القدرة على التكيف مع التحديات. بالنسبة لي، ممارسة الكتابة بانتظام تساعد في بناء وعي أفضل بالنفس، وتحقيق توازن عاطفي أكبر.

لا أعتقد أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية بل على العكس، أجدها مفيدة بالفعل، ومن خلال تجربتي الشخصية، أرى أن تحليل الأمور وإعادة النظر فيها بطرق متنوعة، سواء عبر الكتابة عنها أو الحديث مع الأصدقاء، تساعدني كثيراً، فالإنسان بطبيعته يميل إلى السرد، وأعتقد أننا دائماً في حاجة إلى التعبير عما بداخلنا، أما كتمان المشاعر وعدم الإفصاح عنها قد يؤدي إلى تفاقم الأمور لذا من المهم أن نشارك ما بداخلنا، وأحياناً قد يستخدم البعض هذه الطريقة دون وعي، فمثلا أعرف امرأة حين يحدث معها شئ سئ، تظل تحكي عنه للجميع لمجرد مشاركة الحدث وإفراغ ما بداخلها، حتى تهدأ وتنسى تأثيره السلبي عليها لكن هذا ليس كافياً لأننا بحاجة إلى معالجة الموضوع بوعي لنتمكن من تقييمه بموضوعية، وربما نكتشف أننا نحن من ارتكبنا الخطأ في النهاية

hagar_basheer أضف ردا

الإنسان بطبيعته يميل إلى السرد، وهذا يساعده على التخفيف من الأعباء النفسية التي قد يحملها.

 فمثلا أعرف امرأة حين يحدث معها شئ سئ، تظل تحكي عنه للجميع لمجرد مشاركة الحدث وإفراغ ما بداخلها

البعض قد يستخدم هذه الطريقة دون وعي. فالحديث المستمر عن حدث سيئ قد يكون طريقة للتخفيف من العبء النفسي، ولكن قد يستخدم أحيانًا كوسيلة لتجنب معالجة الموضوع بشكل فعلي. إذا اكتفينا بالسرد دون محاولة فهم أعمق أو تحليل لما حدث، قد نجد أنفسنا نكرر نفس الأخطاء أو نبالغ في تقييم تأثير الأحداث علينا.

من هنا، أعتقد أن السرد يجب أن يكون مصحوبًا بوعي وتحليل، لكي نتمكن من معالجة المشاعر بشكل فعال. هذا يتطلب بعض الهدوء الداخلي والتأمل فيما نمر به، قد يكون من المفيد التوقف للحظة والتفكير في الأسباب التي تدفعنا للسرد أو التعبير عن مشاعر معينة.

بالفعل، يجب أن يكون السرد مصحوباً بالوعي لمعالجة المشكلة بدلاً من تجاهلها لكن كيف يمكننا توعية الآخرين بهذا الأمر؟ 

ربما بلفت نظر الشاكي لك لذلك. تخبره مثلا: يا فلان، ألا ترى أنك كثيرا ما تشتكي من نفس الشيء؟ وتدفعه للتفكير في الأسباب، وما وراء هذه الشكوى المستمرة. وإذا كان لديك تشخيص ما للمشكلة، فنشاركه معه؛ لعله ينتفع بذلك.

BasmaNabil17 أضف ردا

أؤيد هذه الفكرة بالتأكيد وأرى أنه في كل مرة يحكي الفرد منا عن مشاكله لأشخاص موثوقين ستخف حدة تلك المشاكل بشكل كبير وذلك عن تجربة، ويذكرني الأمر بفكرة التعرض المباشر والتدريجي لمصدر الخوف إلى أن يختفي تمامًا، وهكذا يتم علاج نوع الفوبيا التي يعاني منها الفرد مع مرور الوقت، وأيضًا يكون هذا جزء من علاجات الأطباء النفسيين التي تقوم على سرد القصص والتعمق فيها لإعادة النظر في تفاصيلها وحلها في النهاية.

hagar_basheer أضف ردا

التعرض المباشر والتدريجي لمصدر الخوف يشبه كثيرًا طريقة السرد التدريجي للمشكلات. فعندما نعيد النظر في تفاصيل مشكلة معينة بشكل متكرر، نجد أن تأثيرها العاطفي علينا يبدأ في التلاشي تدريجيًا، تمامًا كما يحدث مع علاج الفوبيا.

هل تعتقدين أن هناك حدودًا أو حالات قد لا يكون فيها السرد أو الحديث المتكرر مفيدًا؟ كيف يمكننا التوازن بين الحديث عن المشكلة وبين عدم التعمق في التفكير السلبي الذي قد يزيد من حدتها؟

هل تعتقدين أن هناك حدودًا أو حالات قد لا يكون فيها السرد أو الحديث المتكرر مفيدًا

هناك حدود على ما أعتقد، فبعض المشكلات أو المصاعب التي لا زالت ذات تأثير سواء على حياتنا أو نفسيتنا ليس من الجيد إعادة سردها أو كتابتها، بالتأكيد قد يظهر هذا كم نحن أقوياء، لكن تذكرها يعيد الشعور بتلك المشاعر السلبية التي كانت وقتها، وإنعاش ذاكرتنا حول ما حاولنا نسيانه وتخطيه بالفعل، لا أعرف ما إذا كان الكثير يشعرون مثل هذا، لكني لا أحب تذكر التجارب السيئة لأني لا أنظر لها بسطحية إذا تذكرت كل تفاصيلها، بل أعيد تخيلها بمشاعر سلبية.

سرد القصص ليس مجرد وسيلة للتعبير عن الذات، بل هو أداة قوية في العلاج النفسي والشفاء العاطفي. في السنوات الأخيرة، ازدادت الأبحاث التي تدعم الفكرة بأن للسرد القصصي تأثيرًا عميقًا على الصحة النفسية. على سبيل المثال، دراسة أجريت في عام 2018 وجدت أن الأشخاص الذين يمارسون كتابة أو سرد قصصهم الشخصية بشكل منتظم يعانون من مستويات أقل من التوتر والاكتئاب. كما أن سرد التجارب الشخصية يساهم في تعزيز الفهم الذاتي وتحسين العلاقات الاجتماعية.

تجربة TEDx هي مثال بارز على قوة السرد القصصي. يشهد المئات من المتحدثين في مؤتمرات TEDx حول العالم على أهمية السرد في إيصال الأفكار وإلهام الجماهير. العديد من المتحدثين في هذه المؤتمرات يستخدمون قصصًا شخصية لتحفيز الجمهور، وغالبًا ما تكون هذه القصص هي الجزء الأكثر تأثيرًا في الحديث. تشير الإحصائيات إلى أن الأحاديث التي تحتوي على سرد قصصي تحقق تفاعلًا أكبر، سواء من حيث عدد المشاهدات أو التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

إحدى الأمثلة البارزة هي حديث بريني براون في TEDxHouston عام 2010 عن "قوة الضعف". اعتمد حديثها بشكل كبير على قصتها الشخصية وتجاربها مع الفشل والنجاح، وقد حقق هذا الحديث أكثر من 50 مليون مشاهدة على موقع TED.com. تُظهر هذه الأرقام بوضوح مدى تأثير السرد القصصي في إيصال الرسائل العميقة للجمهور.

وبالعودة إلى فكرة دانيال تايلور حول "القوة العلاجية للقصص"، يمكن القول أن السرد ليس مجرد ممارسة للذاكرة أو إعادة تنظيم للتجارب؛ بل هو وسيلة فعالة لتخفيف الألم النفسي وإعادة تفسير الأحداث بطريقة تسهم في الشفاء. ومع ذلك، هناك حاجة إلى مراعاة أن تأثير السرد القصصي يمكن أن يكون معقدًا. في بعض الأحيان، قد يعيد السرد إثارة الجروح القديمة ويؤدي إلى تفاقم المشاعر السلبية إذا لم يتم التعامل معه بطريقة صحيحة. لهذا السبب، من المهم أن يتم السرد في بيئة داعمة وبإشراف متخصص عند الحاجة.