المفارقة الدرامية وتأثيرها على الأحداث

تحدث في الحياة مواقف كثيرة بشكل يومي، ومنها مواقف صعبة ومركبة، يمكن أن يقول عنها البعض "ده إحنا لو في فيلم مش هيحصل كده"، كحادث قتل زوج لزوجته بطريقة بشعة لأسباب تافهة، أو إلقاء أم لأبنائها في الشارع لعدم رغبتها في تحمل مسئوليتهم. والكثير من المواقف الحياتية الأخرى، كسرقة أحد النشالين لموظف أثناء عودته من العمل، أو تشاجر صديقين معاً وإصابة أحدهما للآخر، وغيرها الكثير من المواقف.

فهل يمكن لهذه المواقف أن تصبح مواقف درامية؟ الحقيقة أن ليست كل المواقف الحياتية يمكن أن تكون مواقف درامية، فالموقف بمعناه الدرامي ليس مجرد حدوث شئ يمكن أن يترتب عليه حدوث أشياء أخرى في تسلسل قصصي، إنما الموقف الدرامي أولاً وقبل كل شئ، عبارة عن مجموعة من العلاقات الإنسانية، وأول مواصفات هذه العلاقات أنها لا تُبنى على الصدفة، وألا تقوم على أساس من التشابه المطلق أو الاختلاف المطلق، بل تقوم على التناقض، أي تقوم على الإختلاف الذي يتضمن التشابه، والتشابه الذي يتضمن الإختلاف... هذا التناقض ما يُطلق عليه "المفارقة الدرامية"، وهذه المفارقة هي التي تؤدي لتطور الحدث، واشتعال الصراع بين شخصيات العمل.

ولنأخذ مثالاً بمسرحية "عطيل" لشكسبير، فالعلاقة بين عطيل وديدمونة قائمة على التشابه والاختلاف في آنٍ واحد، فعطيل يحب ديدمونة وديدمونة أيضاً تحبه، وكلٍ من الطرفين يعلم بحب الآخر له، هذا هو التشابه، ولكنه يتضمن اختلاف في فهم كلٍ من الطرفين لطبيعة حب الآخر له، فعطيل يظن أن ديدمونة تحبه بسبب قوته والمخاطر التي استطاع اجتيازها، لذلك كان بداخله توجس من لون بشرته الأسود، وقلق من أن ديدمونة لا تحبه حب مطلق لذاته، فهو لا يثق بطبيعة ومقدار حبها له رغم علمه به، أما ديدمونة فلم تكن تعلم شئ عن هذه الأفكار والتوجسات التي تدور برأس عطيل، بل كانت تظن أنه يحبها حب مطلق بدون أي تحفظات كما هي تحبه، ولو كانت تعلم شئ عن مخاوف عطيل، لكانت استطاعت التغلب عليها، ولو كان عطيل يدرك مدى حب ديدمونة له، ما كان شك بها.

فالتشابه هنا هو حب كلٍ منهما للآخر، والاختلاف يوجد في تصور طبيعة حب كلٍ منهما للآخر، فإن كانت علاقة عطيل وديدمونة قائمة على التشابه المطلق، ما كان إستطاع إياجو الوقيعة بينهما، وإن كان كل طرف منهما يعلم الجانب الخفي لدى الآخر، ما كان إياجو استطاع فعل شئ أيضاً، وما كانت حدثت هذه المفارقة الدرامية التي أدت لتحريك الأحداث وإشتعال الصراع، وما كانت مسرحية "عطيل" واحدة من روائع الأدب الإنجليزي.

شاركنا بأحد الأعمال التي قرأتها أو شاهدتها ووجدت بها مفارقة درامية بهذا المعنى؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

التشابه بين (راسكولنيكوف) و(صونيا) في رواية الجريمة والعقاب هو ما أدى إلى حدوث تناقض لما هو شائع، فصونيا بائعة المتعة أبعد كل البعد عن أن يتم اختيارها من رجل والزواج منها، لكن ماذا إن كان الرجل محكوم عليه بعشرة سنين سجن لارتكابه جريمة قتل، وأنه يمر بحالات اضطراب وجداني، وفاقد لكل آماله في الحياة، وصول طرفي العلاقة لذروة البؤس هو ما جعلهما يتوافقان على القيام بشيء محظور على البقية، أن تطمح العاهرة للزواج، وأن يقبل رجل بالزواج من عاهرة.

أن تطمح العاهرة للزواج، وأن يقبل رجل بالزواج من عاهرة.

هي أيضا قدمت تنازلا، بغض النظر عن عهرها، بالارتباط برجل محكوم بالسجن، ومضظرب نفسانيا محمود، الأمر متوازن، ليس هو الشخص الوحيد الذي خلق مفارقة، هي أيضا فعلت للأمانة وعدم الإغفال

نعم أغفلت توضيح هذه الجزئية شكرًا للإفادة عفاف.

مرحباً محمود، المفارقة الدرامية غير مقصود بها تناقض ما هو شائع، إنما التناقض بين معرفة الشئ والجهل بطبيعته في آنٍ واحد، وهذا الجهل ما يستغله الخصوم ضد أبطال العمل، فتحدث المأساة.

شكرا ماري على الإفادة. مناقشاتك ثرية وملهمة.

بالنسبة لدور وأهمية الأحداث الدرامية في تأزم الحبكة، أرى أنها تضيف الكثير من الواقعية وتشد أكثر انتباه المتلقي. فكرة صراع الخير والشر المطلقين مبتذلة ولا تقدم الصراعات اللازمة لخلق قيمة حقيقية للعمل. ليس هنالك خير مطلق أو شر مطلق. ربما هنا تكمن أهمية الدراما فيما يتعلق بجانبي المعرفة والجهل.

بالضبط عبد الجبار، لا يوجد شر مطلق أو خير مطلق، فكل شخص يحمل بداخله الإثنين معاً، ولكن بنسب مختلفة، حيث يطغي جانب على الآخر، مما يجعلنا نصف إحدى الشخصيات بالطيبة، ونصف الأخرى بالشر، ولكن هذا لا يعني أن الشخصية الطيبة لا تحمل بداخلها بعض صفات الشر، والتي يمكن أن تظهر في مواقف معينة أو مع أشخاص بعينهم، والعكس مع الشخصية الشريرة.

المفارقة الدرامية، ليست مسألة خيالية، فمثلا كل المواقف حقيقية فعلا، وواقعية

لكن ما يجعل لها لمسة هي طريقة تراكمها وتوظيفها في مسلسل ما أو رواية، ما أفضله أن تكون بطريقة معقولة، لا إلى درجة الخيال والتعقيد، وهو ما ناقشته هنا في مساهمتي

وبخصوص سؤالك حول العمل الذي فيه المفارقات،أليست كلها تحتوي ذلك، بالقليل أو الكثير

لم أقل عفاف أن المفارقة الدرامية تعتمد على أحداث أو مواقف خيالية، إنما تقوم على أحداث ومواقف لها صفة الواقعية، ولكن ليس بطريقة وضعها في تسلسل قصصي لخلق عمل درامي، إنما يجب توافر المفارقة الدرامية التي تدفع الأحداث إلى الأمام، وتشعل الصراع بين الشخصيات عن طريق وجود شئ أو أشياء مشتركة بين الشخصيات الرئيسية، وهذه الشخصيات تعلم بعض الأمور عن هذا الشئ أو هذه الأشياء، وتجهل البعض الآخر، وهذا الجهل ما تقوم بإستغلاله الشخصيات الثانوية التي تعد خصوم للشخصيات الرئيسية، وبالتالي تحدث أشياء مأسوية للشخصيات الرئيسية، فهذه هى التراجيديا كما نظر لها أرسطو.

أما عن أن كل الأعمال تحتوي على مفارقة درامية، فلا، حيث أن هناك أعمال ضعيفة لا تحتوي على هذه النوعية القوية من المفارقة، لذلك نجد أحداثها بطيئة ومملة، أو يتعمد الكاتب وضع عدة أحداث بصورة مفاجئة حتى يحرك الأحداث بها، ومناقشتك التي أشرتي لها، من تلك النوعية التي تعتمد على الأحداث المفاجأة، وليس على المفارقة الدرامية.

كما أن هناك أعمال لا يجب أن تحتوي على هذه المفارقة الدرامية بهذا الشكل، كالأعمال الكوميدية، أو الأعمال التي تعتمد على نظريات أخرى غير نظرية أرسطو في الدراما، كنظريات بريخت أو مسرح العبث وغيرهم ممن جاءوا بنظريات بقصد مخالفة وهدم نظرية أرسطو والتي لها التابعية والتأييد الأكبر.

الحب المحرر أيضَا، رواية بنفس الصعوبات في رؤية الحب

أهلًا ماري،

أعتقد ان الموقف الدرامي هو " بروزة" للمشاعر الانسانية، عدسة مكبرة ومركزة. أعتقد ان فيلم " اعدام ميت"، وهو أفضل مثال للتراجيكوميدي شاهدته في حياتي، يبروز العمل مشاعر الخوف والخيانة لدى البطل، لكنه لا يستعرض مشاعر الولاء له، والتي يحتكرها الأب، فهذا التضاد وجب على البطل نهاية مأساوية له بعد نهاية كوميدية للأب.

ذكر " عطيل" كمثال موفق جدًا جدًا، لكن لا يجب اهمال وجود " اياجو" في هذا الصدد.

مرحباً عمر، وجود إياجو كخصم لعطيل هام فعلاً، وسوف أناقش الصراع الدرامي بين شخصيات العمل في مساهمة قادمة، ولكن لو لم تكن المفارقة الدرامية قوية، لن يوجد صراع قوي بين الشخصيات، أو حتى صراع داخلي بين الشخص ونفسه، فهذه المفارقة التي تحمل العلم والجهل في آنٍ واحد، هى التى تحرك الأحداث وتدفعها إلى الأمام، وكما ذكرت بالمناقشة، ولو لم يكن هناك جهل من الطرفين بطبيعة حب كل منهما للآخر، لما إستطاع إياجو الوقيعة بينهما، فإياجو خصم قوي فعلاً، لكن هذه المفارقة هي التي أعطت لخططة إمكانية التنفيذ.