الندم ....ذاك الشعور الذي لا يطرق الباب بل يقتحمه عنوة، لا يستأذن الدخول بل يستوطن الأعماق دون رحمة. هناك آلام كثيرة تنهش الإنسان—الخيانة، العجز، الفقد، لكن لا شيء يفترس الروح مثل الندم. فهو العقاب الذي لا يصدره أحد سوانا على أنفسنا، الحبل الذي نقيده بأيدينا، ثم نشدّه حول أعناقنا كلما استعدنا اللحظة التي كنا نظنها مجرد تفصيل عابر، فاكتشفنا لاحقًا أنها كانت مصيرية.
الندم لا يأتي إلا بعد فوات الأوان، فهو المسافر الذي لا يعرف العنوان إلا بعد أن يغلق الزمن جميع الأبواب. وكلنا حين نندم، نفكر في العودة إلى الوراء، نرتب في عقولنا سيناريوهات بديلة، نُعيد صناعة الماضي بقراراتٍ لم نتخذها أبدًا. لكن الماضي لا يُكتب مرتين، والوقت ليس سوى قاتل بارع، يدفن الأمنيات في مقبرة المستحيل.
كل شيء يُنسى مع الزمن، إلا تلك اللحظات التي نندم عليها. تبقى حيّة في الذاكرة، تتغذى على حسرتنا، تقتات على أمنياتنا المستحيلة، وتكبر معنا حتى تصبح جزءًا منّا.
لطالما تساءلت، هل هناك علاج للندم؟ فكرت مرارًا و تكرارًا، فتوصلت إلى أن الحل الوحيد هو ألا نُخطئ. ألا نمنح الثقة، ألا نُفرط في الحُب، ألا نكون طيبين أكثر مما ينبغي. لكن حتى نتجنب الخطأ، علينا أن نبتعد عن البشر، عن الحياة نفسها، عن أي شيء قد يجعلنا نُخطئ. ومع ذلك، أدركت أن الإنسان كائن اجتماعي بالفطرة، لا يمكنه العيش في عزلة مطلقة، ولا مفرّ له من السقوط في الخطايا التي ستورثه ندمًا أزليًا.
وهكذا، سنظل ندور في هذه الدائرة اللانهائية... نُخطئ، فنندم، ثم نُقسم ألا نُخطئ مجددًا، لنعود فنُخطئ من جديد. وربما الحقيقة المُرّة الوحيدة هي أن الندم ليس لعنةً أصابتنا، بل هو ضريبة كوننا
بشرًا.
التعليقات