الزواج ليس رفاهية...
ليست مجرد أرقام تُسجَّل في تقارير، ولا مجرّد ظواهر اجتماعية نناقشها ببرود.
إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله من توفّاهن الله برحمته. الأعمار والأرزاق بيد الله وحده، ولسنا من يُحدد متى يعيش الإنسان ومتى يرحل.
أما النقاش حول مسألة الزواج، والخلط بينها وبين الحداثة الغربية، فهو مجانب للصواب. من يُقارن واقعنا بمجتمعات الغرب دون أن يقرأ تاريخهم الاجتماعي، سيتوه في استنتاجات سطحية. الغرب لم يصل إلى ما هو عليه الآن إلا بعد أن هدم القيم حجرًا حجرًا، وها نحن نرى نتائج ذلك: علاقات بلا التزام، إجهاض متكرر، حرية جنسية بلا ضوابط، وبيوت دعارة مشرعة الأبواب تحت راية "التحرر".
هل هذا ما نريده؟ هل الحداثة أن نفقد المعنى من أجل الشكل؟
بنات في عمر الزهور، يسعين لكسب العيش بشرف.
في مجتمع قد لا يملك الكثير ماديًا، لكنه لا يزال يتمسك بحد أدنى من القيم.
الفقر ليس دائمًا ندرة مال، بل أحيانًا غياب رؤية.
تخيل أن يمنعنا الفقر من الزواج، فماذا يبقى من المجتمع؟ أي نموذج سنحاكيه؟
وهل سنكون بذلك قد تقدمنا... أم فقط انسلخنا عن أنفسنا؟
الله أمر بالزواج لما فيه من ستر وعفّة وسكينة، لا لأنه فرض اجتماعي، بل لأنه حاجة إنسانية وأمان نفسي.
وليس الجميع يُنجب، ولا الجميع يستطيع تحمل تكاليف ما يسمى "تنظيم الأسرة"، لكن النية السليمة لا تُقاس بالميزانية، بل بالمسؤولية.
تحدث لي صديق ذات يوم عن حوار دار بين أب وابنه:
الابن قال: "أُريد عددًا قليلاً من الأبناء كي أوفر لهم حياة أفضل."
رد الأب قائلاً: "أنجبت كثيرًا في زمن كانت الولادة فيه مغامرة، والموت في الصغر شائع... ومع ذلك، عاشوا، وكبروا، وكلٌّ منهم أصبح نافذًا في مجاله، منهم هذا الابن.
قد تتغير الظروف، لكن بعض المبادئ لا يجب أن تتغير.
نحن لا نحتاج أن نفكر بأسلوب سوداوي كما فعل "زكي بيجر" في أنمي هجوم العمالقة، الذي رأى أن الحل في إنهاء نسل قومه حتى يضع حدًا لمعاناتهم.
تلك ليست حلولًا... بل استسلام مقنّع.
أما من يرى الزواج عبئًا ماديًا صرفًا، فتحدثت مرة مع زميل يرى أن الزواج يحتاج إلى كذا وكذا من المصاريف، وأن من لا يملكها، فعليه أن يؤجل الفكرة أو يتخلى عنها.
سألته: "إن اختفت كل هذه الماديات فجأة، هل سترمي زوجتك وأطفالك؟"
فأجاب بدهشة: "لا، الأمر مختلف..."
نعم، مختلف لأن الإنسان لا يعيش على الأرقام وحدها، بل على الحب، والنية، والرحمة.
التعليقات