الهروب الكبير: لماذا يصر البعض على إلغاء متابعة النساء؟

  • sah_2

في عالمٍ مليء بالاختيارات الحرة والمحتوى المتنوع، وجدت اليوم فيديو لشخص يرفع شعار “إلغاء متابعة النساء” يقول "حتى لو كانت تلقي المواعظ فنحن لانحتاج لمواعظها!" 

يراها كأنها خطوة في طريق الفضيلة والصلاح، لا أعلم لماذا دائمًا يرون في وجود المرأة خطيئة. هؤلاء الذين يعتقدون أن وجود المرأة في حياتهم، حتى وإن كانت فقط في قائمة المتابعين، هو بمثابة تهديد لعقيدتهم أو نقض لأخلاقهم. لكن، هل يعكس هذا فعلاً صلاحًا، أم أنه مجرد هروب من مواجهة الحقيقة؟

الحديث عن إلغاء متابعة النساء ليس مجرد قرار شخصي، بل هو صرخة من أصحابها لتأكيد شيء لم يقتنعوا به بعد.

"الغاء المتابعة" ليس موقفًا ثابتًا أو دليلًا على صلاحهم، بل هو ببساطة محاولة يائسة لإقناع أنفسهم بأنهم على الطريق الصحيح. ببساطة، هم يخشون من الفكر النسائي المؤثر، ويريدون التقليل من قوته حتى وإن كانت تأثيراته في مجال الدّين أو النصائح الحياتية التي يقدمنها النساء.

عندما يصرون على أن “إلغاء المتابعة” هو الخطوة اللازمة لتحقيق السلام الداخلي، فإنهم في الواقع يفرّون من مواجهة الفكرة نفسها: أن المرأة قادرة على التأثير والتغيير حتى وإن كانت بعيدة عن دائرة تأثيرهم المباشر. لا يتوقف الأمر عند إلغاء المتابعة فقط، بل يتعداه إلى نشر هذا الفعل كأنه من أعمال التقوى والورع، رغم أنه لا يعدو كونه مجرد انعكاس لضعف داخلي.

المرأة ليست خطيئة، بل هي جزء من الحياة

مؤسف أن يصر هؤلاء على رؤية المرأة كخطيئة، وأن وجودها يشكل تهديدًا لسلامتهم الروحية. لكن الحقيقة التي يغفلون عنها هي أن المرأة ليست مصدر خطيئة أو نقص، بل هي عنصر مكمل في الحياة. فكرة أن المرأة تشكل تهديدًا لبنيانهم الأخلاقي مجرد وهم يروجونه لأنهم لم يقدروا على مواجهة الحقيقة: أن النساء جزء أساسي في بناء المجتمعات، وفي تشكيل مفاهيم الإنسان والحياة.

هذا التوجه الذي يصف المرأة بأنها “خطيئة” لا يمثل دينًا أو مبدأ، بل هو مجرد محاولة لتبرير جهلهم وتعصبهم ضد العنصر الأنثوي. فمنذ الأزل، كانت المرأة ولا تزال قوة مؤثرة في جميع جوانب الحياة، سواء في تربية الأجيال أو في مجال الفكر والسياسة والمجتمع.

فلو كانوا فعلاً على قناعة بأنهم صالحون، لكانوا قد واجهوا الأصوات النسائية بروح منفتحة، مبدعين في كيفية الاستفادة منها لا الهروب منها. لأن الشجاعة الحقيقية هي في الإصغاء والتفكير، لا في إلغاء المتابعة أو نشر الحملات التي تخفي خلفها خوفًا داخليًا. هؤلاء الذين يعتبرون إلغاء متابعة النساء بمثابة علامة على صلاحهم، في الحقيقة هم أول من يحتاج لإعادة تقييم معتقداتهم وفهمهم للأمور.

إلغاء المتابعة ليس قرارًا دينيًا، بل هو محاولة يائسة للهروب من مواجهة واقع يعجزون عن تقبله. هم يتوهمون أن حذف المتابعة هو طريقهم إلى الصلاح، بينما في الواقع هم يحاولون بكل قوتهم إخفاء قلقهم تجاه تلك الأصوات التي قد تكون أكثر حكمة وفهمًا من تصوراتهم الضيقة.

بعض الرجال الذين يرفعون شعار “إلغاء متابعة النساء” يعتقدون أن هذه الخطوة هي التي ستجعلهم يظهرون بمظهر الصالحين التائبين، وكأنهم يضحون من أجل إرضاء الله ومبادئهم. لكن في الحقيقة، هم فقط يفرغون أصواتهم في الحديث عن الموضوع لأنهم لا يستطيعون إلغاء حقيقة أن المرأة مؤثرة وموجودة في كل جانب من جوانب حياتهم، سواء ألغوا متابعتها أم لا.

يعتقد هؤلاء أنهم بتحدثهم عن إلغاء المتابعة هم يثبتون أنهم بعيدون عن “الفتنة”، لكن الحقيقة هي أنهم في هذه الحوارات يرسّخون ضعفهم الداخلي. فالرجل الواثق في نفسه لا يحتاج لأن يُظهر للآخرين أنه “مقاطع” النساء، بل يثبت نفسه بالفعل لا بالكلام الفارغ.

في النهاية، هؤلاء الذين يروجون لفكرة “إلغاء متابعة النساء” ليسوا في حاجة لإلغاء شيء بقدر حاجتهم لإعادة تقييم أنفسهم وأفكارهم. هم في الواقع لا يواجهون تهديدًا حقيقيًا من المرأة، بل من قدرتهم على قبولها كجزء من واقعهم. فالمشكلة ليست في النساء، بل في عقول أولئك الذين يظنون أن وجودهن مجرد تهديد يجب القضاء عليه.

إلغاء المتابعة لا يعكس التقوى، ولا يثبت الصلاح، بل هو دليل على ضعف في الفكر وعدم القدرة على مواجهة الواقع كما هو. هؤلاء يحتاجون إلى أن يدركوا أن المرأة ليست خطيئة، بل هي شريك حقيقي في بناء المجتمعات، وعليه أن يتعلم كيف يتقبل وجودها دون أن يعتقد أن مجرد وجودها يشكك في صلاحه.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

للأسف أن النساء اللاتي يقدمن محتوى حتى لو ديني قلة منهم من تلتزم بضوابط الدين في ذلك، عن قريب ظهرت لي فتاة متدينة تشرح قصص نبوية، ولكن صوتها فعليا كان جذاب لدرجة أنه لفت نظري، ولاحظت بالكومنتات أن رجال علقوا على هذه النقطة، لذا مهم جدا إن كانت ستخرج سيدة أن تلتزم التزام تام بما يجب فعله وإلا معه حق فعلا بما يطلب

هذا بالضبط هو السبب الرئيسى لمثل هذه الحملات التى تدعو لعدم المتابعة وأراها فى محلها حقيقى.

إذا لم تلتزم المرأة بهذه الضوابط، فإنها قد تُسهم، دون قصد، في تحويل المحتوى الديني إلى شيء آخر، وهذا يُضعف الرسالة التي تريد إيصالها. لذلك، من حق المجتمع أن يطالب بالالتزام بهذه الضوابط بطرق مختلفة مثل عدم المتابعة، لأن الدعوة إلى الله تحتاج إلى قدوة صالحة وأسلوب واضح لا يشوبه أي شائبة.

لا يمكن إنكار أن لكل شخص الحرية في اختيار المحتوى الذي يستهلكه، سواء كان ذلك بناءً على قناعات دينية، ثقافية، أو حتى مزاج شخصي. المشكلة تبدأ عندما يتحول القرار الشخصي إلى حملة جماعية تحمل بُعدًا أيديولوجيًا، كأنها نوع من "التطهير الرقمي" للنساء من منصات التواصل.

لكن لنكن واقعيين، بعض الرجال يجدون في تقليل تفاعلهم مع المحتوى النسائي وسيلة لضبط أنفسهم، وهذا حقهم. هناك من يؤمن أن متابعة النساء قد تفتح بابًا لما لا يريد الدخول فيه، سواء كان ذلك تأثيرًا عاطفيًا، أو تشويشًا فكريًا، أو حتى مجرد إلهاء. هذه ليست مشكلة بحد ذاتها، ولكن المشكلة تكمن في تحويل هذا إلى معيار عام للصلاح، وكأنه هو المقياس الوحيد للتقوى، وهذا تبسيط شديد لفكرة الالتزام الديني والأخلاقي.

حتى المرأة اليوم لها صوت مسموع، سواء في المجال الديني، الثقافي، أو حتى السياسي. إذا كان بعض الرجال يخشون من هذا التأثير، فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا تخافون منا؟ بل: لماذا لا تستطيعون التعامل مع وجودنا؟

وليس كل من يقرر تقليل متابعته للمحتوى النسائي هو شخص يخشى الفكر النسائي، بل ربما يجد أنه ببساطة لا يحتاج لهذا المحتوى في حياته. تمامًا كما أن بعض النساء يفضلن متابعة محتوى نسائي فقط، أو محتوى بعيد عن الرجال، دون أن يكون ذلك مؤشرًا على كره الرجال أو رفضهم.

وهناك بالفعل من يتبنى هذا القرار بدافع الهروب من مواجهة حقيقة أن المرأة قد تكون أذكى، أعمق، وأكثر تأثيرًا منه، وهذه النقطة تستحق النقاش. فالشخص الواثق من نفسه لن يخاف من الاستماع إلى أفكار مختلفة، سواء جاءت من رجل أو امرأة.

تعجبت من العنوان قليلًا، حيث ألاحظ أن عداد المتابعين لدى بعض النساء، خاصة المؤثرات منهن، يرتفع بشكل كبير لمجرد كونهن نساء، حتى وإن كان المحتوى الذي يقدمنه ليس بالضرورة مؤثرًا أو ذا قيمة تبرر كل هؤلاء المتابعين.

ولا أعتقد أن حملة "إلغاء المتابعة" هي محاولة لإلغاء تأثير المرأة في المجتمع، فدورها وتأثيرها واضحان وثابتان. لكن، الأمر مرتبط بإشكالية الخروج عن الضوابط الشرعية. ومن هنا، فإن الحديث عن "الفتنة" ليس أمرًا بعيدًا عن الواقع.

لكن ما يثير استغرابي هو اتهام الرجل بالضعف الداخلي لمجرد أنه يسعى لتجنب التعرض لبعض صور النساء على منصات التواصل. هل صور النساء العاريات التي تملأ الإنستجرام ليست واقعًا واضحًا ولا يُلحظ؟ لماذا إذًا يُعتبر السعي لإلغاء المتابعة أو تجنب هذه المواقع ضعفًا في الفكر، وليس حرصًا على النفس والابتعاد عن الفتن؟

الحفاظ على الذات من مؤثرات الفتن، سواء كانت بصور أو كلمات ليس ضعفا، بل هو تعبير عن وعي داخلي ورغبة في الحفاظ على نقاء النفس.

هذا الفكر لا يعكس تقوى أو ورعًا، بل يعكس ضيق أفق وضعف ثقة بالنفس. من المؤسف أن يظن البعض أن الحل لحفظ أنفسهم هو الهروب من وجود المرأة، وكأن تأثيرها "خطيئة" يجب محوها. هذا ليس موقفًا دينيًا ولا أخلاقيًا، بل هو مجرد محاولة يائسة للهروب من مواجهة الفكر المختلف.

لو كان هؤلاء صادقين في مخاوفهم، لكان الأولى بهم إصلاح أنفسهم بدلاً من التظاهر بأن المشكلة تكمن في النساء. تمامًا كما لو أن شخصًا يعاني من ضعف الإرادة في مواجهة الطعام غير الصحي، فيقرر إغلاق عينيه بدلًا من ضبط نفسه وتطوير وعيه الغذائي! الحل ليس في إلغاء المتابعة، بل في بناء شخصية قادرة على التعامل مع الاختلاف بوعي ونضج.