في عالمٍ مليء بالاختيارات الحرة والمحتوى المتنوع، وجدت اليوم فيديو لشخص يرفع شعار “إلغاء متابعة النساء” يقول "حتى لو كانت تلقي المواعظ فنحن لانحتاج لمواعظها!" 

يراها كأنها خطوة في طريق الفضيلة والصلاح، لا أعلم لماذا دائمًا يرون في وجود المرأة خطيئة. هؤلاء الذين يعتقدون أن وجود المرأة في حياتهم، حتى وإن كانت فقط في قائمة المتابعين، هو بمثابة تهديد لعقيدتهم أو نقض لأخلاقهم. لكن، هل يعكس هذا فعلاً صلاحًا، أم أنه مجرد هروب من مواجهة الحقيقة؟

الحديث عن إلغاء متابعة النساء ليس مجرد قرار شخصي، بل هو صرخة من أصحابها لتأكيد شيء لم يقتنعوا به بعد.

"الغاء المتابعة" ليس موقفًا ثابتًا أو دليلًا على صلاحهم، بل هو ببساطة محاولة يائسة لإقناع أنفسهم بأنهم على الطريق الصحيح. ببساطة، هم يخشون من الفكر النسائي المؤثر، ويريدون التقليل من قوته حتى وإن كانت تأثيراته في مجال الدّين أو النصائح الحياتية التي يقدمنها النساء.

عندما يصرون على أن “إلغاء المتابعة” هو الخطوة اللازمة لتحقيق السلام الداخلي، فإنهم في الواقع يفرّون من مواجهة الفكرة نفسها: أن المرأة قادرة على التأثير والتغيير حتى وإن كانت بعيدة عن دائرة تأثيرهم المباشر. لا يتوقف الأمر عند إلغاء المتابعة فقط، بل يتعداه إلى نشر هذا الفعل كأنه من أعمال التقوى والورع، رغم أنه لا يعدو كونه مجرد انعكاس لضعف داخلي.

المرأة ليست خطيئة، بل هي جزء من الحياة

مؤسف أن يصر هؤلاء على رؤية المرأة كخطيئة، وأن وجودها يشكل تهديدًا لسلامتهم الروحية. لكن الحقيقة التي يغفلون عنها هي أن المرأة ليست مصدر خطيئة أو نقص، بل هي عنصر مكمل في الحياة. فكرة أن المرأة تشكل تهديدًا لبنيانهم الأخلاقي مجرد وهم يروجونه لأنهم لم يقدروا على مواجهة الحقيقة: أن النساء جزء أساسي في بناء المجتمعات، وفي تشكيل مفاهيم الإنسان والحياة.

هذا التوجه الذي يصف المرأة بأنها “خطيئة” لا يمثل دينًا أو مبدأ، بل هو مجرد محاولة لتبرير جهلهم وتعصبهم ضد العنصر الأنثوي. فمنذ الأزل، كانت المرأة ولا تزال قوة مؤثرة في جميع جوانب الحياة، سواء في تربية الأجيال أو في مجال الفكر والسياسة والمجتمع.

فلو كانوا فعلاً على قناعة بأنهم صالحون، لكانوا قد واجهوا الأصوات النسائية بروح منفتحة، مبدعين في كيفية الاستفادة منها لا الهروب منها. لأن الشجاعة الحقيقية هي في الإصغاء والتفكير، لا في إلغاء المتابعة أو نشر الحملات التي تخفي خلفها خوفًا داخليًا. هؤلاء الذين يعتبرون إلغاء متابعة النساء بمثابة علامة على صلاحهم، في الحقيقة هم أول من يحتاج لإعادة تقييم معتقداتهم وفهمهم للأمور.

إلغاء المتابعة ليس قرارًا دينيًا، بل هو محاولة يائسة للهروب من مواجهة واقع يعجزون عن تقبله. هم يتوهمون أن حذف المتابعة هو طريقهم إلى الصلاح، بينما في الواقع هم يحاولون بكل قوتهم إخفاء قلقهم تجاه تلك الأصوات التي قد تكون أكثر حكمة وفهمًا من تصوراتهم الضيقة.

بعض الرجال الذين يرفعون شعار “إلغاء متابعة النساء” يعتقدون أن هذه الخطوة هي التي ستجعلهم يظهرون بمظهر الصالحين التائبين، وكأنهم يضحون من أجل إرضاء الله ومبادئهم. لكن في الحقيقة، هم فقط يفرغون أصواتهم في الحديث عن الموضوع لأنهم لا يستطيعون إلغاء حقيقة أن المرأة مؤثرة وموجودة في كل جانب من جوانب حياتهم، سواء ألغوا متابعتها أم لا.

يعتقد هؤلاء أنهم بتحدثهم عن إلغاء المتابعة هم يثبتون أنهم بعيدون عن “الفتنة”، لكن الحقيقة هي أنهم في هذه الحوارات يرسّخون ضعفهم الداخلي. فالرجل الواثق في نفسه لا يحتاج لأن يُظهر للآخرين أنه “مقاطع” النساء، بل يثبت نفسه بالفعل لا بالكلام الفارغ.

في النهاية، هؤلاء الذين يروجون لفكرة “إلغاء متابعة النساء” ليسوا في حاجة لإلغاء شيء بقدر حاجتهم لإعادة تقييم أنفسهم وأفكارهم. هم في الواقع لا يواجهون تهديدًا حقيقيًا من المرأة، بل من قدرتهم على قبولها كجزء من واقعهم. فالمشكلة ليست في النساء، بل في عقول أولئك الذين يظنون أن وجودهن مجرد تهديد يجب القضاء عليه.

إلغاء المتابعة لا يعكس التقوى، ولا يثبت الصلاح، بل هو دليل على ضعف في الفكر وعدم القدرة على مواجهة الواقع كما هو. هؤلاء يحتاجون إلى أن يدركوا أن المرأة ليست خطيئة، بل هي شريك حقيقي في بناء المجتمعات، وعليه أن يتعلم كيف يتقبل وجودها دون أن يعتقد أن مجرد وجودها يشكك في صلاحه.