كل عام وأنتم بخير وإلى الله أقرب، أسأل الله العلي العظيم أن يجعل هذا عام الفرج والسعادة لنا جميعًا 🎁🎈🎊🎉
بالنسبة لي سأقضي الليلة في المنزل أشاهد فيلم كرتون أو فيلم عائلي.
سهرة عائلية بامتياز
الأطفال يركضون ويصرخون، النساء يقدّمن أفضل ما عندهن من طعام، والرجال؟ الأرغيلة، السياسة، التحليلات والتوقعات… وكأنهم في مؤتمر استراتيجي.
سهرة واحدة، صنوف متعددة، وضحك مستمر… والخطر الحقيقي؟ أن تنسى من حضّر العشاء وسط كل هذا الصخب!
الاحتفال برأس السنة ليس من الإسلام ..
لأنه احتفال ديني بميلاد من يزعم النصارى أنه ابن لله -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا -
رأس السنة الميلادية ظاهرة ثقافية ومدنية بحتة، وليست شعيرة دينية، لذلك لا علاقة لها بالشرع.
أصلها يعود إلى التقويم الروماني القديم، حيث كان 1 يناير بداية السنة بحسب إله البدايات “يانوس”، ثم اعتمد في التقويم اليولياني والغريغوري لضبط السنة الشمسية.
الميلاد المسيحي جاء لاحقًا، ورأس السنة أصبح مناسبة ثقافية واجتماعية يحتفل بها الناس ببساطة كبداية سنة جديدة، لا كفريضة أو عبادة دينية.
من الناحية التاريخية، لم يعارض المسلمون الأوائل هذا اليوم، لأنه مجرد تاريخ مدني للتقويم، ولم يتدخل في شعائرهم الدينية أو أحكامهم الشرعية.
باختصار: الاحتفال برأس السنة مسألة ثقافية واجتماعية بحتة، لا علاقة لها بالشرع أو الدين.
الشاطبي صاحب الموافقات المتوفى في القرن الثامن الهجري في الأندلس عرّف البدعة بتعريف وذكر من ضمن هذا التعريف مضاهاة العبادة .. وهذا القول ليس قوله وحده، بل هو قول قديم منسوب للإمام مالك وأصحابه - أعني تحريم المشاركة في أعياد النصارى-
قال ابن القاسم وهو من أجل تلاميذ الإمام مالك : "لا يَحِلُّ للمسلمينَ أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحةِ عيدِهمْ، لا لَحْماً، ولا إداماً، ولا ثوباً.. ولا يعانون على شيءٍ من دينهم، وهو قولُ مالكٍ وغيرهِ، لم أعلمْ أحداً اختلفَ في ذلكَ"
ومضاهاة العبادة معناها التشبّه بالعبادة
مثلاً لو جمعت الناس يوم الاثنين وصليت بهم مثل صلاة الجمعة تكون هذي بدعة حتى لو نويت بها إقامة اجتماع ثقافي أو اجتماعي ولم تنو بها العبادة لأنك ضاهيت أي شابهت عبادة صلاة الجمعة ..
فالمحتفل بعيد رأس السنة متشبه بالمحتفل بعيد الفطر والأضحى .. بل بعضهم يسعد في هذا العيد ويحتفل أكثر من أعياد المسلمين ..
كما أن الاحتفال برمز ديني غير إسلامي مخالفة إسلامية ..
تخيّل أنك في بلد زعيمه يعادي زعميًا آخر .. وأقمت احتفالاً سنويًا لولادة الزعيم الآخر .. هل سيغضب الزعيم الأول أم أنه سيتركك لمجرد أنك تقول: إنها مناسبة ثقافية اجتماعية لا علاقة لها بما بين الزعيمين ..
حتى لو كان ذلك بحسب التقويم اليوناني فهو يرمز إلى اعتقادات وثنية مخالفة للإسلام .. بل الوثنيون اليونان هم من أدخل هذا العيد في النصرانية واستبدلوا به الاحتفال بإله الشمس الذي كانوا يقيمونه في الخامس والعشرين من دجنبر ..
أعتقد أن المسلمين ابتلوا بهيمنة الثقافة الغربية .. فصار الأسهل عليهم أسلمة شعائرهم بحجج وذرائع بدل مقاومة قناعات عامة الناس وأهواء النفس وعوايدها المجهدة لا سيما مع اختلاط المسلمين بكثير من أصحاب تلك الأديان ..
ولم أشأ التطويل في ذكر النقول عمن لا يجيز هذا العمل ممن تقدم .. لأن لأن ذلك موجود في مظانه .. والساحة ليست ساحة فقهية عقدية ..
الإشكال في النقاش حول رأس السنة ليس في أصل القواعد الفقهية، ولا في مكانة أقوال الشاطبي أو الإمام مالك وأصحابه، فهذه أصول معتبرة في باب مضاهاة العبادة والتشبه الشعائري، ولا يجادل فيها منصف.
لكن موضع الخلاف الحقيقي هو في تنزيل هذه القواعد على الواقع المعاصر، وفي التمييز الدقيق بين ما هو شعيرة دينية وما أصبح عرفًا زمنيًا مدنيًا عالميًا لا يُقصد به تعظيم ديني ولا تقرّب عقدي.
رأس السنة اليوم، في واقع الناس والدول، لم يعد طقسًا دينيًا عند أغلب من يعيشونه، بل هو حدٌّ زمني إداري تُبنى عليه القوانين، الإجازات، العقود، الأعمار، والموازنات، حتى في كثير من البلدان الإسلامية. استعمال هذا التقويم أو التعايش مع يوم إجازته لا يعني تبنّي عقيدته ولا الإقرار برموزه، كما أن استخدامنا لأرقام هندية أو ورق صيني لا يجعلنا نعتنق ثقافاتهم.
القياس على العبادات – كتشبيه الأمر بصلاة الجمعة أو أعياد المسلمين – قياس غير منضبط؛ لأن الجمعة عبادة محددة الهيئة والزمان والمقصد، بينما رأس السنة ليس عبادة أصلًا لا في الشرع ولا في واقع الناس اليوم. والفرق بين العبادة والعادة أصلٌ مهم في الفقه، لا يصح إلغاؤه.
كما أن التبادل الثقافي بين الحضارات ليس خضوعًا عقديًا ولا استلابًا دينيًا، بل هو واقع تاريخي عاشته الأمة الإسلامية عبر القرون، فأخذت من غيرها علومًا ونظمًا وأدوات، وبقيت عقيدتها محفوظة. حفظ الهوية لا يكون برفض كل ما هو وافد، بل بوعيٍ يميز ويغربل.
أما تحويل كل اجتماع عائلي هادئ أو صلة رحم في هذا اليوم إلى “مضاهاة عبادة”، فهو توسّع في المفهوم يحمّله ما لا يحتمل، ويجعل الدين في مواجهة مباشرة مع الواقع الاجتماعي، بدل أن يكون ميزانًا يهدي الناس فيه.
وبالطبع، لا يصح تبرير الفجور أو السكر أو العربدة أو الانفلات الأخلاقي، فهذه محرّمات في كل الأيام، لا في رأس السنة وحدها. لكن الإنكار ينبغي أن يتوجّه إلى المحرّم لذاته، لا إلى الزمان الذي وقع فيه.
الخلاصة:
حفظ العقيدة لا يكون بإلغاء الواقع، بل بتمييزه.
وما لم يكن الفعل شعيرة دينية، ولا تعظيمًا عقديًا، ولا قصدًا تعبديًا، فلا يصح تحميله أحكام العبادات، ولا إدخاله في باب البدع مضاهاةً أو تشبّهًا.
1- احتفال رأس السنة في أصله شعيرة دينية .. لا يزال يحتفل بها النصارى في الكنائس .. وكون هذه الشعيرة تحولت عند معظم الناس إلى حدّ زمني إداري .. لا يلغي أصله العبادي ولا استمرار الشعيرة .. فإلغاء المنع عند القائلين به لأجل غلبة استعمال الناس، وليس لأجل أصل العبادة ولا استمرار الشعيرة عند كثير من النصارى ..
فإذن هي في الأصل شعيرة عبادية .. هل تنتقل الشعيرة العبادية إلى الجواز إذا صار أكثر الناس يفعلونها ولا يقصدون بها التعبّد؟
مثلاً: لو أن معظم الناس صاروا يصلون صلاة النصارى أو اليهود يقصدون بها الرياضة .. هل تنتقل من كونها شعيرة إلى كونها عبادة؟
لاحظ الحديث التالي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال ما هذان اليومان قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر"
لاحظ كلمة "يلعبون" وكلمة "أبدلكم" لم يأذن لهم بالاستمرار باللعب الذي هو احتفال غير عقدي، بل جعل لهم بدلاً، والبدل يقتضي ترك المبدل منه.
3- قولك: (رأس السنة ليس عبادة أصلًا لا في الشرع ولا في واقع الناس اليوم) أقول: لكنه عبادة في أصله، وعبادة عند كثير من النصارى اليوم
4- طبعًا كما تعلم أنت وأنا أن فعل الناس وعرفهم لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالاً .. فلا يمكن أن أستدل أنا أو أنت بفعل معظم الناس، فالمعروف ما عرفه الشرع "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين"
5- الواقع الاجتماعي ليس دليلاً على صحة ولا خطأ .. وقد واجهه كثير من المصلحين المتدينين وغير المتدينين .. وحفظ العقيدة يكون أحيانًا بإلغاء الواقع وأحيانًا بتمييزه.
6- التبادل الثقافي نقل عقائد إلى الإسلام ليست منه، كما هو موجود عند كثير من الفرق التي أخذت موروثات عقدية وأدخلتها في مذاهبها .. ولا داعي للتمثيل على هذه المذاهب ..
7- استعمال الأرقام الهندية والورق الصيني ليس عبادة في الأصل، كحال عيد رأس السنة، وليس فيه مضاهاة لأي عبادة، أما رأس السنة فهو عبادة في الأصل، وفيه مضاهاة لعيدي الفطر والأضحى ..
8- الاجتماعات العائلية في هذا اليوم يقصد بها إظهار الفرح .. وقصد تمييز يوم معين بإظهار الفرح فيه دون باقي أيام السنة يُشبّه قصد إظهار الفرح في يوم معين في الأعياد الشرعية ..
ولا يحلق بذلك الاجتماعات العائلية العادية التي تتم بين وقت وآخر، ولا يقصد فيها تعظيم يوم أو تمييزة بالفرح دون باقي الأيام
9- مدار استدلال المجيزين للاحتفال بهذا اليوم هو القصد .. والشريعة أهدرت القصد إذا كانت المخالفة الشرعية ظاهرة، بابتداع عبادة، أو ما يشبه العبادة، أو التشبّه بقوم في عبادتهم، أو غير ذلك.
وإهدار القصد في بعض الأعمال مجمع عليه بين العلماء كافة .. ولا أرغب في ذكر أمثلة حتى لا يتشعب الموضوع.
صحيح أن رأس السنة في أصله شعيرة دينية عند النصارى، لكن شرع المسلمين لا يُبنى على أصل شعيرة عند غير المسلمين، بل على قصد المسلم والفعل الشرعي. مجرد أن الناس اليوم يعتبرونها عادة اجتماعية لا يجعل الاحتفال جائزًا.
حديث رسول الله ﷺ عن يومي الجاهلية يوضح هذا:
“…فأبدلهما الله بخير منهما يوم الأضحى ويوم الفطر”
الأصل عند غير المسلمين لا يُنقل للمسلمين، ولا الغلبة الاجتماعية تغيّر الحكم، ولا القصد الاجتماعي يحوّل شعيرة عبادة إلى مجرد اجتماع عائلي.
الاحتفال برأس السنة للمسلمين لا يجوز لمجرد أن الناس لا يقصدون العبادة، لأن الحكم الشرعي يقوم على القصد والمضاهاة، لا على أصل شعيرة أو عرف الناس.
ذهبت لزيارة أهلي وعدت إلى المنزل لأفعل ما أفعله دائماً، صراحة أنا لا أتقيد بالمناسبات بل أحتفل عندما أريد الاحتفال ولا أنتظر يوم مخصص لذلك :).
الاحتفال وقتما تريد وألا نتقيد بوقت أو مناسبة فكرة جيدة للغاية، لكن أيضًا هناك مناسبات أو أوقات يكون الاستمتاع فيها أكثر بمشاركة الناس.
ليس دائماً الاستمتاع الأكبر في مشاركة الناس، يكون ذلك صحيح لو كانت الأمور الممتعة مشتركة، مثلاً البعض يحبون ضرب الصواريخ ليالي الأعياد، أو التجول بالسيارات بأغاني ذات صوت عالي، أو الذهاب لمقهي مزين بالألوان الاحتفالية، وهكذا من يحب أحد هذه الأشياء سيجد متعته في مشاركة من يفعلها.
التعليقات