احذر شر الحليم إذا غضب!

لقد درسنا معاً بعض ملامح حياة المتنبي وقصائده وملامح شخصيته والشخصيات التي عاصرها وارتبط بها وتاريخه الحافل بمزيج من المدح والهجاء على مدار المساهمات الماضية.

ولقد استفادت الكثير من الشخصيات العامة والهامة من مديح المتنبي، كما عانى الكثيرون من ذمه لهم.

ومن أمثلة تلك الشخصيات كافور الإخشيدي الذي كان من الحبشة وقد عانى من الرق ولكنه تعلم القراءة والكتابة وارتقى من مرتبة العبيد حتى أصبح حاكم الدولة الإخشيدية والمسئول عن مصر والشام.

وعندما تشاجر المتنبي مع شاعر آخر يدعى بن خلويه الذي ضربه بمفتاح فشق وجهه في حضور سيف الدولة الذي لم يدافع عنه مما أثار غضب المتنبي وغادر البلاط إلى دمشق حتى جاءته دعوة الإخشيدي من مصر. 

هجاء المتنبي لكافور الإخشيدي بعد مدحه له:

وكما عرفنا عن شخصية المتنبي بأنه يسعى للمناصب والعطايا فقد ذهب للإخشيدي عندما علم أنه يرعى العلماء والأدباء طمعاً في عطاياه وأملاً في منصب هام عنده، فمدحه كثيراً مثل قوله:

حببتك قلبي قبل حبك من نأى

وقد كان غدارا فكن أنت وافياً

ولقد بالغ المتنبي في المديح حتى أنه وصف الإخشيدي بالمِسك وبأنه أفضل الملوك في قوله:

ومَن مثل كافور إذا الخيل أحجمت

وكان قليلاً من يقول لها أقدمي 

ولَم يخيب كافور ظن المتنبي ليس لمدحه له فقط بل لعلمه بأطماعه وأغراضه من ذلك المديح، وخوفه من أن يهجوه كما فعل مع سيف الدولة الحمداني حيث كان يعلم أنه من أنبغ شعراء عصره.

ولكن مع ذلك فأطماع المتنبي تخطت توقعات كافور ولما لم يحصل على ما أراد ترك مصر وكتب قصيدة من أشهر قصائده يهجو فيها الإخشيدي قال فيها:

جوعان يأكل من زادي ويمسكني

لكي يقال عظيم القدر مقصود

فهل سَلِم أحد من غضب المتنبي؟ 

لا، فحتى الذين لمسوا مديحه لم يسلموا من هجائه أيضاً، لذلك فاحذر شر الحليم إذا غضب! 

وأنتم، هل ترون أن الإخشيدي يستحق هذا بعد كل ما فعله مع المتنبي؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الموضوع لأن كافور الأخشيدي يعلم أن المتنبي يريد قربًا أكثر ووجاهة كأن يكون في الوزارة، والحكم، وليس فقط شاعرًا، و لكن كافور ظل يطمئنه طوال الوقت بمكانته لأنه يريده شاعرًا فقط.

حتى مل المتنبي من وراء الوعود الكاذبة فهجره و هجاه..

وهنا يتضح كم هي المصالح فحين نحتاجه سنمدحه وحين تنتهي المصلحة نهجوه!

أليس المتنبي يبدو هنا أنه ذو وجهين؟!

لأول وهلة يبدو لي كشخص ذو وجهين بالفعل منافق حين يريد المصلحة وعنيف حين لا يحصل عليها.

ولكن عند إعادة النظر والتفكير من جانب آخر كما تفضلتِ ندرك أن كافور هو من تسبب بهذا لنفسه فَلَو كان صريحاً مع المتنبي من البداية وأفهمه بأنه لن يعطيه منصب لكان الواقع مختلفاً ولكنه فضلاً عن ذلك أخفى عنه الحقيقة خوفاً من هجاؤه فما حصل إلا عليه!

حسنا أستاذ مينا، سأخبرك ما أعرفه عن المتنبي وصحح لي إن كنت مخطأ

المتنبي كان شخص متملق ومتكسب بلسانه ليس إلا، وسبب هجائه لكافور الاخشيدي أنه لم يعطه المال بعد مدحه، فه ليس إلا متملقا، وقد كان شخص جبان جدا بغض النظر عن أبيات المفاخرة التي يقولها عن نفسه، فقد ذكر التاريخ أنه كان جبانا جدا.

يقال أن سبب موته هو قول غلامه له عندما أراد الفرار من الأسدي الذي جاء لمقاتلته بعدما هجاه، قال الغلام يا سيدي ألست انت من قلت: الخيل والليل والبيداء تعرفني والرمح والقرطاس والقلم..

فتراجع عن هربه وتقدم للقتال فقُتل.

نعم هذا صحيح، وهذه القصة موثقة تاريخيا

لا أعلم ذلك بشكل قطعي ولكن بحسب رواية المتنبي نفهم أن كافور ظلمه ولَم يعطه ما وعده به.

أما إن كان كافور قد وعده بشيء فهذا ليس له دليل رغم أنه من المنطقي أن يعده بشيء عندما يرسل له دعوة ليأتيه من دمشق إلى مصر!

المتنبي هو شخص يتبع مصالحه. أصحاب المصالح مثل الثعابين ممكن أن نأمن له بعض الوقت فهو لن يؤذينا، ثم إن لم نطعمه فسوف يبخ سمه في جسمنا.

جيد هذا التشبيه يا عزيزي ياسين فقد كان بالفعل متقلباً مثل الحية ولدغته لم يسلم منها أحد.

على أن حكمه وأقواله لا يمكننا تجاهلها وإن كانت شخصيته مليئة بعلامات الاستفهام وتاريخه بعلامات التعجب!

وأنتم، هل ترون أن الإخشيدي يستحق هذا بعد كل ما فعله مع المتنبي؟

يعني وهل كان سيف الدولة يستحق؟

لكن مشكلة المدلل أنه بمرحلة ما، لا يتحمل الرفض، أو التجاهل..

والمتنبي شاعر بكبرياء، لديه أنفة عالية، وأحببناه أو لم نفعل، لا يمكننا إنكار أن فيه من الغرور ..

لذلك هو كطفل صغير، حين تعطيه ما يحبّ يجعل منك ملاكاً والناس شياطين... وحين تحرمه أو تشدّ عليه في المعاملة يخلع عنك ثوب الطهر وكأنه من شرك يستعيذ..

لذلك مع الشعراء لن تضمن مَن ذا الذي يختلف حقاً عن الآخرين ومَن دون ذلك.. فللشاعر عين قادرة على رؤية ذات الأمر بوجهين مغايرين.

أحسنتِ يا إيناس، بالفعل هذا هو ما اعتدنا عليه من المتنبي.

غروره وكبريائه يدفعه أحياناً لجحد من لهم أفضال ونِعم عليه مثل سيف الدولة والإخشيدي.

ومن غير المعقول أن يظل شخصاً ما يعطي ويمنح دون توقف فلكل شيء حدود.

مشكلة المتنبي أنه يريد كل من يعطيه مقابل مديحه ألا يتوقف عن العطاء فهو يرى نفسه وشعره أعلى من كل تلك الأموال وأنه مقابل مديحه لا يوجد مال يعوض عن قيمة هذا المديح وفي ذلك مبالغة واضحة.

يختلف الأمر تماما أ مينا بين كون الشخص طامعًا في منصب -ولا حرج في ذلك فهذه طبيعة بشرية- وبين كونه صاحب نفس مريضة، عندما تريد شيئا تمدح وعندما لا تحصل عليه تذم وتهجو، لا أعلم كيف يرون أنفسهم هؤلاء مع هذا التناقض!

إن كان قد مدحه نفاقًا فهذا سيء بالتأكيد، وإن كان هجاه انتقامًا فهذا أشد جرمًا؛ لأنه تسبب في إيذائه من الناحية النفسية

بالفعل أخي عبد الله فتلك النقطة مهمة ولعل المتنبي لم يكن يضعها في الاعتبار بل لعله فعل ذلك عن عند حتى يؤذي الإخشيدي نفسياً كما أذى من قبله سيف الدولة وغيرهما الكثير.

إنه تصرف طفولي على الرغم من كلمات الحكمة التي خرجت من فن المتنبي على مدار حياته إلا أن تصرفات مثل هذه جعلت الكثيرون يتسائلون لماذا كان يفعل هذا؟! لماذا يقوم شاعر كبير مثل المتنبي بتلك الأفعال الصبيانية وما الذي يدفعه لهذا الحنق الشديد؟!