في خِضم تفشي ظاهرة أن الجميع يستطيعون الخوض في أي نقاش سواءً أكان ضمن معرفتهم أو بعيداً عن إدراكهم، تكون الكلمة هي الماء الذي يكذب الغطاس، أو كما قال سقراط "تكلم حتى أراك" حتى أعرف ماهيتك وأبعادك ومدك وجذرك ومايؤذيك وما يحييك وماعانيت وماقاصيت..
ربما هي مهارة جديدة توجّب علينا اكتسابها حتى لا تخدعنا العنواين، ولكن ظاهرة أخرى انتشرت تماشياً مع سابقتها وهي صمت من يمتلك الحكمة والقول السديد، هؤلاء اللذين انتخبوا الانسحاب لحفظ قدرهم، فكيف نمتلك مهارة استنباط حالتهم من صمتهم؟؟!
كانت تلك جملة الأفكار التي راودتني بعدما اقتحمت على العم أيمن خلوته وهو جالس في دكانه القديم يستند على الطاولة القديمة الممتلئة بالبضاعة والمعلبات، يكتب بعض خواطره على أجندة قديمة تحمل تاريخاً يسبق تاريخ ميلادي بكثير، لا أحد يشاطره تلك اللحظات سوى صوت الثلاجة تأن والنسمات الخفيفة المنبعثة من الباب..
عم أيمن أو ربما الجد أيمن بحسب السطور المتراكمة على جبينه، سبعينيٌ يغطي شعر رأسه الأبيض بقبعة بيضاء وكأنه نورٌ على نور، وتزيده ابتسامته الدائمة بساطة وضياءً، لم تقسم له الأرض من خاصرتها سوى بيت صغير ودكان قبل أن تشاطره الحرب نصفهم، فأصبح الدكان هو مكان نومه وعمله..
وقفت لدقائق أمام الباب ولم يلحظ قدومي فأخذت أتحرك وأتنحنح حتى لا أفزعه، فانتصب من فوره ووضع الاجندة على الطاولة، وبابتسامته المعهودة وأسلوبه المليء بالحفاوة والترحيب سألني عن حاجتي، وبينما كان يحضر ليَّ بعض الحاجيات، استرقت النظر إلى تلك الأجندة، وقرأت تلك الكلمات:
" الحياة رحلة تطول أو تقصُر حسب التقدير الإلهي..
والتقدير الإلهي متمثل في جملة مااستثمرنا عطاء ربنا من علم وقوة...
ومن وجهة نظر دياليكتيكية يرتبط تأخر فرص نجاتنا وسعادتنا بالحركة المكانية والزمانية المتغيرة..
يُسار بنا في كل يوم أشباراً * وكم إلى ما لا نطيق نسير
ما الدهر إلا فرحة ثم قرحة * وما الناس إلا مطلق وأسير"
بعد قرائتي لتلك الكلمات، اشتعل بي الفضول لمعرفة من هو العم أيمن وماسره، فقد لبث عمراً بيننا ولم ألحظه يتناول مواضيع للنقاش مع أحد أو يدخل نفسه في مساهمات يستعرض بها قدرته الفلسفية أو الأدبية..
بدأت استفزه بأسلئلة عن الحياة والجدوى من العمل، لدقائق شعرت بأنه يبتلع الكلمات ويكتفي بالابتسامة والتهرب من النقاش وتمتمة الاذكار، ولعله قال (سلم على أبوك) أكثر من ثلاثة مرات كمحاولة منه لإنهاء الجلسة..
بعد عدة أيام عدت إليه وكلي أمل بأن استرق النظر إلى كلماته أو استطيع معرفة المزيد عنه، ولعله في ذلك اليوم كان ينتظرني دون أن يشعرني بذلك، طلب مني الجلوس ولم يُبادر بالحديث، فقلت له: كما ترى نحن جيل كبرنا في بيئة تخبرنا بأننا يجب أن ندرس جيدًا لنصير شئ ذا قيمة في الحياة، فهل أهميتي تتحدد بوظيفتي بشكلي بمقدار شهرة الشركة التي اعمل معها؟ أم أن قيمتي يجب أن تكون محفوظة بغض النظر عن أين اعيش واسكن وما اظهره من مهارات؟
صمت قليلاً ثم انحل ما انعقد بين حاجبيه وبرزت عيناه الواسعتان، وارتوى قلبه من البهجة كأن ريحا صرصراً عجت في أذنيه وأصبح لوجهه جمال أخاذ يلتقي فيه صفو الأفق ونشوة الطير المحلق، وضع يده على كتفي وقال لي : إن كنت صادقاً ستعرف الصادقين، وإن كنت عزيز النفس أنيق اللسان فقد جنبت أفاعيل الزمان، اغرف من العلم ما استطعت واطرق من الأبواب كل ماطالته يدك، ثم اترك حمولتك بين يدي الله..
ستأتيك الحياة بأحداثٍ تتراقص حولها العبر، وستعلمك مالم يكن في الكتب والمقررات، املئ صدرك بالرضى وخذ منها مايناسبك وينفعك.
كل ما أردته في تلك اللحظة هو أن أرتمي في عقله وأغوص، وأخترق هالة الغموض تلك.
سألته لمَ تفضل الصمت، أتجد فيه راحتك؟ لم تحجب علمك ومعرفتك عن الناس؟؟
فقال لي : لايودع العلم عند غير أهله..
ثم ربت على كتفي وردد جملته الشهيرة (سلملي على ابوك)، قبلت يده وعدت أدراجي إلى المنزل أفكر في كل كلمة قالها العم أيمن.
ولاتزال تلك عادتي كلما اتيحت لي فرصة الجلوس معه والنهل من علمه ومعرفته.
التعليقات