فتاة من طين: حكاية قلبٍ أحمق آمن بالمستحيل

المقدمة

يقولون إنّ الطين أصلنا، وإنّ الماء روحنا، وإنّ القلب حين يغمره الطين يغدو أثقل من أن يطفو على سطح الحقيقة. كنتُ واحدًا من أولئك الذين آمنوا بهذه الأكذوبة الخضراء التي يسمّونها “الحب”، فوضعتُ نفسي في قالبها، وظننت أنّها ستمنحني شكلًا جميلاً يليق بأحلامي. لكنني لم أعلم أنّها كانت تصنعني لتكسرني، وتعيدني إلى حفرة الأصل، حيث لا يبقى منك سوى كتلةٍ من طين يابس.

إنها حكايتي معها... لا بل حكاية قلبي الذي باع نفسه في سوق الأوهام، فاشترى بضاعة مغشوشة، وعاد بها ليفتخر أمام نفسه. كنتُ أظن أنّها ملاك، فإذا بها شيطانة ترتدي ثوب العفاف. كنتُ أظن أنّها زهرة، فإذا بها مستنقع يتعطّر بالطين. سبع سنواتٍ من العبادة، من الانحناء لمحرابها، من سجود القلب على رخام قدميها... لأكتشف في النهاية أنّني لم أكن إلا أضحوكة في مسرحها، ممثلًا كوميديًا في مشهدها التراجيدي.

أجل، سأقصّ عليكم قصّتي، لا لتبكوا لحالي، بل لتضحكوا من غبائي. فالعاشق الأحمق يستحق السخرية أكثر مما يستحق التعاطف، وأنا هنا لأجلّ نفسي بالسخرية، بعد أن دنّستها بالحب.

---

الفصل الأول: البداية الذهبية (أو بداية الغرق)

التقيتُ بها في يومٍ عاديّ، ولكنه عندي صار عيدًا سماويًا. كانت تمشي بخفّة فراشة، أو هكذا خُيّل إليّ، والريح تعبث بخصلات شعرها، فأقسمتُ في سري أنّ هذه الخصلات أوحى بها جبريل، وأنّ عطرها هبوطٌ رحيمٌ من الجنّة. كنتُ أظنّ أنّني في لحظة قدرية، كأنّ الله خصّني بهذه المرأة ليعوّضني عن كلّ بؤسي السابق.

اقتربتُ منها وأنا أرتجف، فالشجاعة عند العاشق وهمٌ يتبخّر أمام ضحكة امرأة. تحدّثتُ إليها... يا ليتني متّ قبل أن أتحدّث! ابتسمت، فأقسمتُ أنّ العالم قد أُعيد خلقه في تلك اللحظة، وأنّ آدم وحواء يصفّقان لي من وراء ستار الغيب. كانت كلماتها بسيطة، ولكنّني سمعتها كأنّها نزلت من جبل الطور. قالت: "تشرفنا." فقلت في نفسي: "تشرفتُ بحياتي بأسرها، لا بل بقبري حين يُنقش عليه اسمك."

ومن هنا بدأت القصة. كنتُ أتلو عليها رسائل الحب كأنّي شاعر أندلسيّ نُفي من قصر المعتمد بن عبّاد. أكتب لها الليل بطوله، وأنام على صدى كلمةٍ منها كطفلٍ يرضع من ثدي الحلم. كنتُ غبيًا، نعم، غبيًا بما يكفي لأظنّ أنّ المرأة تذوب إذا أفرطت في الغزل، ولم أكن أعلم أنّ الغزل الزائد عند النساء كالسكر في الشاي: يفسد الطعم.

---

الفصل الثاني: سنوات الوهم (وأنا أبيع كبدي لأجلها)

مضت السنوات كجناح سنونو في سماء وهمي، سبع سنوات وأنا أعدّ نفسي جنديًا في جيش حبّها. كنتُ أؤمن أنّ التضحية هي سرّ الحب، فكنتُ على أهبة الاستعداد لأن أبيع كبدي إن طلبت هاتفًا جديدًا، أو أتبرّع بعينيّ إن رغبت بعدسات ملوّنة. كنتُ أضحّي بكلّ شيء، حتى كرامتي، نعم، كنتُ أخلع كرامتي كلّما اقتربتُ منها، كمن يخلع نعليه قبل الدخول إلى معبد مقدّس.

كنتُ أغار عليها من ظلّها، من صدى صوتها، من نَفَسِها الذي يتسلّل من بين شفتيها. وكنتُ أقول في نفسي: "هذا هو الحبّ الحقيقي، الحبّ الذي يقتل صاحبه قبل أن يقتل الآخرين." لكنّ الحقيقة أنّ الحبّ الحقيقي لا يقتل إلا الأغبياء... وأنا كنتُ سيّدهم.

يا لغبائي! كنتُ أظنّ أنّها لا ترى في الدنيا رجلاً سواي، فإذا بها ترى الدنيا ولا تراني. كنتُ أظنّ أنّني أنقذتُها من قسوة الحياة، فإذا بها تعلّمني أقسى درس في حياتي. وكلّ هذا وأنا أضحك على نفسي، أقول: "إنّها تحبّني، ولكنّها فقط تخفي حبّها مثل درويش يخفي نبوءته." آهٍ يا نبوءتي الكاذبة!

---

الفصل الثالث: الشقوق الأولى في جدار الوهم

بدأت العلامات تظهر، لكنّني كنتُ أعمى كأبله في غابة ضباب. صارت لا تردّ على رسائلي بسرعة، فأقنع نفسي أنّها نائمة. تنشر صورًا على "الإنستغرام" بضحكة لم أرها في حياتي، فأقول: "أكيد كانت تضحك لي قبل التصوير." تسافر مع "بنات خالتها" اللواتي لم أرهن قط، فأقول: "يا لجمال هذه الخالة التي أنجبت ملكات جمال العالم!"

حتى جاء اليوم الذي سمعتُ فيه جملة كسرتني نصفين: "آسفة... كنتُ مشغولة." آه يا صديقي، كلمة "آسفة" عند المرأة إذا جاءت ببرود، فهي خنجر في قلبك، والخنجر الذي يضحكك قبل أن يقتلك. كنتُ أضحك على نفسي وأنا أكتب لها: "ولا يهمّك، أنا بانتظارك دائمًا." كنتُ مثل بوّاب بناية ينتظر ساكنًا لا يدفع الإيجار.

---

الفصل الرابع: السقوط العظيم (أو حين دخلتُ البقالية وخرجتُ ميتًا)

ليلة اكتشافي الحقيقة كانت ليلة تاريخية. كنتُ في بقالية الحيّ، أشتري بسكويتًا بنكهة الفراولة لأنّها كانت تحبّه (أو كنتُ أظنّ أنّها تحبّه)، فإذا بي ألمح هاتفها على الطاولة في المقهى المجاور، وصوت إشعاراته يتناثر كالرصاص. اقتربتُ، نظرتُ، فإذا بي أقرأ ما لم أرغب أن أقرأه.

رسائل طويلة مع رجلٍ اسمه “حبيبي”، وفيها كلمات كنتُ أظنّ أنّها لي: "اشتقت لك... متى أراك؟" لحظتها أحسست أنّ الأرض ابتلعتني، أنّ السماء خذلتني، أنّ الكون بأسره بصق في وجهي. كنتُ أسمع الموسيقى في رأسي: موسيقى حزينة، بطيئة، كأنّني في فيلمٍ أبيض وأسود. لكن الحقيقة أنّني كنتُ في بقالية، ورائحة البصل تطغى على كلّ رومانسية المشهد.

واجهتها؟ نعم واجهتها... بجبنٍ يليق بجباني. قلت لها: "مين هذا؟" فنظرت إليّ ببرود القطب الشمالي وقالت: "أنتَ مكبّره الموضوع... نحن مجرد أصدقاء." أصدقاء؟! يا للعار! سبع سنوات وأنا أحبّك أكثر من نفسي، ثمّ أكتشف أنّني في نظرِك مجرّد موظّف علاقات عامّة!

---

الفصل الخامس: ما بعد الطوفان (أو كيف ضحكتُ على نفسي مجددًا)

عدتُ إلى بيتي تلك الليلة، جلستُ أمام المرآة، نظرتُ إلى نفسي وقلت: "أيّها الأحمق، هل كنتَ تحبّها أم تحبّ خيالك عنها؟" الحقيقة أنّني لم أحبّها قط، بل أحببتُ صورة رسمتها في خيالي. هي لم تكن سوى فتاة من طين، وأنا كنتُ أُصوّرها تمثالًا من ذهب.

ضحكتُ على نفسي، وبكيتُ قليلًا، ثمّ ضحكتُ أكثر. قلت: "ما أجمل الغباء حين يكون له طعم الذكريات!" واكتشفتُ أنّ الحبّ مثل الطين: إن لم تصنع منه جرة، سيعلَق بك كوصمة عار. وأنا كنتُ ألهو به كطفلٍ في حفرة ماء، حتى غمرتني الطينة وأغرقتني.

اليوم، حين أتذكّرها، أضحك. أضحك على كلماتي التي كنتُ أظنّها قصائد خالدة، فإذا بها ترقى بالكاد إلى مستوى نكات فيسبوك. أضحك على دموعي التي ذرفتها على من لم تذرف لأجلي دمعة واحدة. وأضحك أكثر على نفسي... لأنّني كنتُ أظنّ أنّ الطين يمكن أن يصبح ذهبًا!

---

الخاتمة

هكذا انتهت قصّتي مع فتاةٍ من طين. لا ألومها، فالخيانة ليست جريمة في قاموس من يعيش بلا قيم، ولكنّ الغباء هو الجريمة العظمى، وجريمتي أنّني كنتُ القاضي والجلّاد والضحية في آنٍ واحد. تعلّمتُ الدرس: لا تقدّسوا الطين، ولا تظنّوا أنّ القلوب المصنوعة منه ستنبت لكم أجنحة. لأنّها في النهاية... ستقيدكم في الوحل.

الحبّ يا أصدقائي، ليس أعمى كما يقولون. الحبّ يرى، ولكنّه يتغاضى. وأنا تغاضيتُ حتى صرتُ أعمى، وحين أبصرتُ، كان الأوان قد فات. لكنني الآن أبصر جيدًا، وأضحك بصوتٍ عالٍ، وأكتب لكم هذه الحكاية لا لتواسوني، بل لتضحكوا على شابٍ أحمقٍ اسمه أنا.