الفتاة التي تعيش في الدولاب

  • Rond

لم تكن تعلم ليلى أن العالم يمكن أن يكون بهذا القسوة...

كانت صغيرة، والأصغر بين إخوتها الذكور،

لكنّ صغرها لم يمنحها امتياز الدلال،

بل جعلها الأكثر نسيانًا، والأقل شأنًا في بيتٍ لم يعترف بوجودها.

لم يشتري لها والدها لعبة واحدة.

بينما تكدّست الألعاب أمام إخوتها،

كانت هي تكدّس أطباق الغداء في المطبخ،

وتحمل المكنسة بيدٍ صغيرة، تهتزّ خوفًا كلما علا صوته.

أمّها؟

كان لها جسدٌ يمشي في البيت، لكنّ صوتها غائب،

ساكنة، خائفة، مكسورة كأنها ظلّ لا يُرى.

ثم حين وُلد الطفل المريض، اختفت الأم نهائيًا،

تغيّبت شهورًا طويلة في المستشفيات،

وتركت ليلى تقف فجأة في مواجهة الحياة…

بجسد طفلة، وقلب منهك، وبيت لا يرحم.

صارت تطبخ، تنظف، تعتني بالصغيرات،

وكل من في البيت يراها كأنها واجب مفروض، لا روح له.

لكن ليلى كانت تبكي…

لا في العلن، بل في الدولاب الخشبي،

حيث تختبئ كلما ضاقت بها الحياة،

تشتم رائحة ملابس أمها،

وتبكي بصوت لا يسمعه أحد.

كان الدولاب وطنها…

لم يكن أحد يسألها: هل تعبتِ؟

هل تحتاجين مساعدة؟

هل اشتقتِ لأمك؟

هل تخافين من هذا الليل الطويل؟

كان صوتها مُهمَلًا،

وجودها مفروغًا منه،

كأنها قطعة من البيت،

جزء من الأثاث، لا أكثر.

في بعض الليالي، كانت تنهار بصمت…

تبكي في وسادتها، أو تركض إلى دولابها القديم،

تغلق الباب، وتعود لتشمّ ملابس أمها التي هجرتها الحياة،

كأن رائحة القماش تُعيد لها حقها المسروق: أن تكون طفلة فقط… ولو لليلة واحدة..

مكانًا لا يسألها أحد فيه عن الغداء، ولا عن الغسيل،

مكانًا تُدثّر فيه نفسها بالحزن،

وتعانق فستانًا كانت أمها ترتديه،

وكأنها تحاول احتضان كل ما خسرته دفعة واحدة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

كلماتك لامست قلوبنا لما بها من صدق ومشاعر قوية، حال ليلى هو حال كل فتاة عربية من عائلة متوسطة من سوء حظها أنها الفتاة الكبرى والوحيدة، في هذه الحالة تتعامل الأم مع الفتاة كأنها مساعدتها التي يتوجب ويتحتم عليها مساعداتها في المنزل، وتحمل مسئولية الأطفال مع أمها وهي أيضا طفلة تحتاج للعب والحضن والحنان، نفسي اقول للكثير من الأسر أنتم لستم في حاجة لكثير من الأطفال، طفلين كافيان للغاية ولا تجعلوا اطفالكم الكبار وخاصة الفتيات لا تحملوهن مسئوليات هي في الأساس ليست مسئولياتهن بل مسئوليتكم أنتم!

مفيش داعي نضغط على عيالنا، سيكبرون ويواجهون الكثير من الضغوط!

شكرًا لمرورك وكلماتك…

وأمنيتي الحقيقية؟

أن يدرك كل أب وأم أن ما يعتبرونه "أمورًا عادية" أو "تفاصيل لا تُذكر"،

قد تكون ندوبًا لا تُنسى في ذاكرة طفل صغير.مرحلة الطفولة ليست وقتًا عابرًا…

بل هي الجذور التي تنبت عليها شخصية الإنسان،

هي الأصل الذي يُشكِّل نظرته لنفسه، وثقته في العالم، وقدرته على الحب.