منذ طفولتها، كانت تراقب العالم بعينيها الصغيرتين من نافذتها الخشبية الضيقة. تجلس على كرسيها الصغير، تستمع إلى همسات الأشجار والحان الطيور، وتنتظر خطوات قد تحمل إليها شيئًا من الدفء.
كانت وحيدة، تعيش مع والدها المسافر الذي لا يكاد يراها إلا نادرًا، في بيت كبير تعتني به بعض الخادمات، إذ كانت طريحة الفراش منذ نعومة أظفارها بسبب مرض عضال. فقدت والدتها في لحظة ولادتها، ومنذ ذلك الحين، صار غيابها ثقلاً لا يفارق قلبها.
كانت غرفتها جميلة ومليئة بالدمى وألعاب الطفولة، ونافذتها الخشبية تطل على حديقة ساحرة، حيث تقف شجرة صنوبر شامخة. هناك، في ظل تلك الشجرة، كان خيالها يزهر، تتحول قصصها الخيالية إلى حقيقة ترفرف في سماء مخيلتها.
كانت تسرح في أحلام اليقظة، تتخيل نفسها تسير عبر الهضاب والغابات، تتأرجح على أغصان شجرة الصنوبر، مبتسمة رغم وحدتها وألمها. كتبت قصصًا وروايات، وخاطبت الفصول جميعها، تقول:
"مرحبًا بكِ أيتها الأيام السعيدة، كم طال غيابك! لماذا تزورينني فقط الآن؟ أنتِ تثلجين الشوارع والطرقات الضيقة، وكان الخريف قد أسقط أوراقكِ، أيتها الأشجار، فلا تغضبي.
سيأتي الشتاء ويكسو الطرقات بقمم ثلجية بيضاء، وستكونين جميلة بثلوجك المتساقطة، حتى لو فقدت أوراقكِ الخضراء.
وسيأتي الربيع البديع فرحةً بزيارتك، وستعود أوراقكِ من جديد، فلا تحزني."
وفي تلك النافذة الصغيرة، حيث سكنت الطيور وأحلامها، استمرّت في الحلم، تعيش قصصها بين الواقع والخيال، تملأ أيامها بالأمل رغم كل شيء.
التعليقات