الديكور المسرحي بين التجريدية والواقعية

تتمثل الوظيفة الدرامية والفنية التي يقوم بها الديكور المسرحي في مساعدة المشاهد على تصور البيئة المادية التي ينبع منها الحدث الدرامي، وذلك من خلال كل الموجودات المرئية والمسموعة على المنصة، وأحياناً تمتد لتشمل قاعة المتفرجين أيضاً. وما يحدد نوعية الديكور المقام على خشبة المسرح بخلاف النص المسرحي، الأزمنة والعصور المختلفة.

وعلى سبيل المثال، اعتمد المسرح الإغريقي على المناظر المرسومة على ستائر الخيش، والجزئيات المرسومة والمطلية مثل الصخور، كما إستخدم الإغريق نظاماً أكثر تعقيداً من هذا، تمثل في الستائر المرسومة والموضوعة وراء بعضها البعض، بحيث تقسم المنصة إلى أجزاء تبدو تباعاً أمام المتفرج مع رفع ستارة وراء أخرى.

وبحسب كتابات "فيتروفيوس" عن الديكورات المسرحية التقليدية، فهى ارتبطت بثلاثة أنماط من الدراما، فكانت ديكورات التراجيديا والكوميديا تعتمد على المعمار الضخم الذي يثير الرهبة في التراجيديا، والمعمار ذي الألوان المرحة في الكوميديا، أما في المسرحيات التي تدور حول الأساطير والأجواء البدائية، فكانت الديكورات الرعوية والريفية هى السائدة.

وتطور العنصر الميكانيكي أو الآلي في المنصة، وتمثل هذا التطور في الإفريز المتحرك الذي يتراوح شكله بين نصف الدائرة والمربع، وكل ناحية من هذا الإفريز كانت تمثل منظر مسرحي معين، ويتم تدوير هذا الإفريز بحيث يظهر المنظر الذي تدور فيه الأحداث أمام الجمهور، وتصبح المناظر الأخرى على جوانب خشبة المسرح وخلفها، ولتستطيع تخيل هذا الإفريز المتحرك لا تقارن المسرح الإغريقي بالمسارح الحالية، حيث أن المسرح الإغريقي كان يبنى على مساحات شاسعة.

ومن خلال الرسومات الجدارية في مدينة بومبي الإيطالية، تتضح استفادة الرومان من إنجازات المسرح الإغريقي وتطويرها من خلال البعد الثالث الذي يوحي بالعمق على رسومات المناظر المسرحية. لكن هذا التطور توقف في العصور الوسطى، فقد إقتصر الأمر على تقديم المسرحيات الدينية داخل الكنائس، والإعتماد على البناء المعماري للكنيسة مع إستخدام بعض الديكورات الصغيرة أمام المذبح، كالمزود وقبر السيد المسيح. وهكذا ظل الديكور المسرحي يأخذ أشكالاً مختلفة على مر العصور، وكان عصر النهضة هو أزهى عصوره، تميز بإقامة الديكورات الضخمة والفخمة التى كان يخصص لها ميزانيات كبيرة جداً، حتى أصبح ذو قيمة تشكيلية في حد ذاته.

ومن أشهر الديكورات المسرحية:

▪︎الديكور التام: وهو الذي يتغير في كل مشهد مسرحي تغيراً تاماً، وهذا النوع عكس الديكور الثابت الذي يصلح لكل أو معظم مشاهد المسرحية الواحدة، أو الذي تجرى عليه تعديلات بسيطة حتى يتغير بما يناسب كل مشهد.

▪︎الديكور العملي: المقصود به الأجزاء والقطع الديكورية الموضوعة على خشبة المسرح، والتي يتم إستخدامها إستخداماً عملياً، كالأبواب والنوافذ.

▪︎الديكور المجرد أو التجريدي: وهو الذي يميل للإختزال الشديد، بدلاً من المحاكاة أو التمثل الحرفي بالواقع، فهو لا يحاول خلق صورة مسرحية واقعية، إنما يوحي بما يتناسب مع ما يقال أو يعرض على خشبة المسرح.

▪︎الديكور المتعدد أو المركب: توضع جميع المناظر الديكورية المختلفة على خشبة المسرح مرة واحدة، فإن كانت المسرحية بها أربع أمكنة، غرفة، مطبخ، حديقة، شارع، فتوضع جميعها على خشبة المسرح، ويتدخل عنصر الإضاءة ليركز ويبرز المكان الذي تدور به الأحداث، في حين أن بقية الأماكن مظلمة.

عن نفسي أفضل الديكور التجريدي أكثر من الواقعي أو الذي يتم به استخدام عناصر إبهار كثيرة، وماذا عنكم... أي نوع تفضلون؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

شكراً على هذه الرحلة التاريخية القيمة يا ماري.

في الحقيقة أحببت المشاركة في أعمال الديكور منذ فترة قريبة عندما كنا نقوم بالمساعدة في إعداد ديكور المسرحيات.

أميل للديكور التجريدي أيضاً على الرغم من أن معظم الأعمال التي شاركت بها لاحظت استخدام الواقعي بكثرة.

في أحدث مسرحية قمت بها وكانت مسرحية تاريخية عن قصة حياة السيد المسيح، كنا نحاول التنويع فاستخدمنا الواقعي في بعض المشاهد والتجريدي في مشاهد أخرى كما استخدمنا الديكور العملي بطبيعة الحال وفي إحدى المشاهد استخدمنا الديكور المركب (مشهد المحاكمة).

أما عن الديكور التام ففي الغالب كنا نستخدمه في مسرحيات الأطفال بالأكثر.

شكراً على هذه الرحلة التاريخية القيمة يا ماري.

عفواً مينا.

ذكرت في المساهمة أني أفضل الديكور التجريدي، لأني آراه يعبر عن محتوى النص عن طريق التلميح أكثر من التصريح، فهو يعتمد على إثارة خيال المشاهد، تفضيلي لهذا النوع جاء نتيجة عدم إقتناعي بالديكورات الواقعية التي تستخدم منذ سنوات وإلى الآن، فهى ديكورات ساذجة للغاية، لا توحي بالواقعية أكثر من أنها تصرح للمشاهد: "أنا مصنوعة لإيهامك، لكني غير حقيقية"، إلا القليل جداً من العروض ذات الديكور الواقعي الذي أقنعني وأبهرني أيضاً، فمن خلال خبرتك العملية بمجال الديكور، هل توافقني الرأي بأن معظم الديكورات الواقعية الآن غير مقنعة؟

هذا يتوقف على العمل فمثلاً لاحظت أن الديكور الواقعي يكون مقنعاً فقط في بعض الأعمال التاريخية عندما يكون معبراً عن بيئة العمل والشخصيات وبسيطاً لكن ليس لدرجة السذاجة التي يعتبرها المشاهد غير مقنعة حيث أن الواقع في العصر الذي يتم عرضه واقعي ولكنه يحتوي على إبهار مقنع لأنه يختلف عن الواقع الحالي الذي يعيشه المشاهد.

ولكن بشكل عام فإنني أفض الديكور التجريدي لأنه أكثر إقناعاً وأسهل إستخداماً أياً كانت نوعية العرض المقدم.

مرحبا ماري،

في الحقيقة أفضل الديكور الواقعي الطبيعي أكثر من التجريدي، الذي أراه بسيطا وغير مكلف في الإبهار لكن معبر بكثير حيث يوجد تناسق بين المشهد والحوار، لكن المسرحية الوحيدة التي أتذكرها بديكورها الواقعي التي حضرتها في طفولتي في ساحة المدرسة أين كان النص متناسق مع المكان.

لكن لدي سؤال ماري هل المسرحيات التي نشاهدها كلها تقريبا بديكور التجريدي، هل توجد مسرحية بالواقعي نقلت الى خشبة المسرح والمعروفة عندكم في مصر؟

من المفترض أن مسرحية الزعيم للنجم عادل إمام، ومسرحية الملك لير للنجم يحيى الفخراني من المسرحيات ذات الديكور الواقعي. أصبحت معظم المسرحيات حتى التي تعتمد على الديكور الواقعي، تحاول التبسيط بقدر المستطاع بسبب التكلفة وقلة إمكانيات خشبة المسرح.

شاهدي هذه المقاطع للتعرف أكثر على المقصود بالديكور الواقعي كما يجب أن يكون:

رحلة تاريخية جيدة جدًا يا ماري، من الرائع التعرف على هذه التفاصيل الدقيقة، نحن نشاهد المسريحات أو المنتجات الفنية بشكل عام ولا ندرك التعقيد الآتي من وراء كل اختيار لكل قطعة من قطع الديكور

اعتقد أنني افضل المتعدد والمركب بحث يمكن سير العديد من الاحداث الدرامية في مسار واحد

افضل المتعدد والمركب بحث يمكن سير العديد من الاحداث الدرامية في مسار واحد

هذا النوع مميز فعلاً أسماء، لكنه يتطلب دقة في كتابة النص، بحيث يكون الكاتب على إدراك تام بترتيب الأماكن على الخشبة، حتى يستطيع الموائمة بين حركة الممثل والنص المكتوب. وأيضاً قدرات إخراجية وتمثيلية عالية، لأن الممثل ينتقل من مكان لآخر عبر الكواليس الخلفية أو ينتقل بصورة مباشرة أمام الجمهور حسب مقتضيات النص المكتوب، كما أن لعنصر الإضاءة دور أساسي في مثل تلك العروض، وإن أخطأ المسؤول عنها وأنار منظر دون الآخر بالخطأ، سيتسبب في إفشال العرض، ويمكن أن يثير سخرية الجمهور أيضاً.

وما الذي يمنعنا من الإتقان؟ الشئ المتقن فعال ومؤثر أكثر

معكي حق وأنا لا أعترض على هذا، أحببت فقط توضيح مدى الحرفية المطلوبة لتنفيذ هذا النوع.

هل يمكنك شرح الديكور التجريدي بإعطاء مثال، و ما الذي يعجبك فيه؟ مثلا هل يدع التفاصيل للخيال أو شيء من هذا القبيل؟

بالفعل الديكور التجريدي يسمح للمشاهد بإطلاق العنان لخياله، كما أنه يساهم في توصيل الفكرة للمشاهد عن طريق وضع قطع ديكورية بسيطة على خشبة المسرح، كنافذة مثلاً أو باب أو برواز فارغ أو أيةِ قطع بسيطة من شأنها التعبير أو الإيحاء بمحتوى النص، فالديكور التجريدي يوحي فقط دون أن يصرح بالمقصود بشكل مباشر، حتى يجعل المشاهد يفسر المعنى بناءً على خلفيته الشخصية، مع الإعتماد على عنصر الإضاءة والموسيقي والقدرات التمثيلية والتعبيرية العالية لدى الممثلين.