التوأم الرقمي.. أداة إنقاذ أم قيد جديد على حياتنا؟

قبل أيام قرأت عن مشروع عالمي ضخم اسمه Human Phenotype Project نشرته مجلة Nature Medicine. المشروع يشارك فيه أكثر من 30 ألف شخص، ويُجمَع فيه كم هائل من البيانات عن أجسادهم: من الجينات والميكروبيوم، إلى النوم، السكر، وحتى التصوير الطبي. الغاية من ذلك أن يُبنى "توأم رقمي صحي" 👥، نسخة رقمية عن أجسادنا قادرة على التنبؤ بالأمراض قبل أن تظهر فعلا.

تخيّلت وقتها أن يخبرني هذا "التوأم" أنني مهدد بمرض خطير بعد خمس سنوات، رغم أنني أعيش الآن بصحة جيدة اههه. من جهة، يبدو الأمر مذهلا لأنه قد يمنحني فرصة الوقاية والعلاج المبكر. لكن من جهة أخرى، ربما يجعلني أعيش قلقا متواصلا من شبح مرض لم يبدأ بعد، أو أجد نفسي ضحية شركات تستغل بياناتي لأهداف تجارية..!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

تخيّلت وقتها أن يخبرني هذا "التوأم" أنني مهدد بمرض خطير بعد خمس سنوات، رغم أنني أعيش الآن بصحة جيدة اههه. من جهة، يبدو الأمر مذهلا لأنه قد يمنحني فرصة الوقاية والعلاج المبكر. لكن من جهة أخرى، ربما يجعلني أعيش قلقا متواصلا من شبح مرض لم يبدأ بعد

أولًا ما فائدة أن يخبرني هذا التوأم الرقمي بمرض قبل خمس سنوات من بدايته؟! أعتقد أنه لن يكون دقيقًا وإذا كان فهل هنا سنتدخل للحماية مما لن يكون قبل خمس سنوات؟! أعتقد أنه سيخبرك بأن نمط عمل أجهزة معين من جسدنا سيتغير أو يمرض أو يشيخ بعد فترة ما لو استمررنا على تناول كذا من الطعام أو عمل كذا من الأنشطة مثلاً وهذا أمر محتمل فقط وليس يقيني برأيي.

ثم لو خيرتني بان أعيش مع ذلك التوأم الرقمي وينبأني بالمستقبل وبمرضي العضال قبل خمسة أعوام من حدوثه أو أن أعيش بنعمة الجهل الرغيد وأمرح وأحيا بلا هم ولا خوف أو ترقب من مستقبل مبهم غامض فإني سأتخير الخيار الثاني! وهنا أقول كما قال أيليا أبو ماضي في إحدى قصائده:

أتزور روحك جنة فتقوتها .......... كيما تزورك بالظنون جهنم

وترى الحقية هيكلاً متجسدًا ...... فتعافها لوساوس تتوهم

يا من يحن إلى غدٍ في يومه ......... قد بعت ما تدري بما لا تعلم

فأنا لا أحب أن أبيع يقين حاضري بوهم مستقبلي وكنت قد سمعت الشعرواي رحمه الله يقول: البلاء ينزل ومعه اللطف أما أن نستعجله ونعيشه قبل أوانه فهو الجحيم بعينه!

في رأيي الفكرة تختلف من شخص لآخر أو من طبقة لأخرى فهناك من يحب أن يعرف مسبقًا ويتابع صحته بوعي وهناك من يفضل العيش في الجهل الرغيد بلا قلق وعلى حد علمي في أمريكا هناك تقنيات فعلًا تتنبأ بالأمراض المستقبلية وأحد أقاربي كان يعرف مسبقًا أنه معرض للإصابة بالسرطان وتمكن من التعامل معه مبكرًا والشفاء بسبب هذه المعرفة أرى أن الفكرة جيدة جدًا لكنها ستكون مكلفة بمعنى أن فئة معينة فقط هي التي تستطيع تحمل تكاليفها والوصول لهذه التقنية

قضية التكلفة صحيحة حاليا لكنها ليست جوهر الفكرة لأنها لن تدوم، فالتقنيات تبدأ مكلفة ثم تنتشر. المثال الذي ذكرتِه عن قريبك هو بالضبط الهدف وهي تجربة مناسبة جدا أشكرك على ذكرها، فهو لم يعش قلقا بل استخدم المعرفة كأداة للنجاة..وتجنبه فعلا، وهنا تكمن الفائدة العظيمة لهذا الأمر. يمنحك الوعي بالوقاية.

أتفهم تفضيلك لنعمة الجهل ولعلي أشاركك شطرا كبيرا مما قلته، لكن الخلط بين الاحتمالية واليقين هو أساس المشكلة. التوأم الرقمي لا يقدم حكما نهائيا بل مؤشرا يدعو للحذر وليس للقلق، ورفض هذه المعرفة يشبه رفض النظر لمؤشر وقود السيارة خوفا من اكتشافه فارغا. استعجال البلاء يكون بالعيش في قلق وهمي أما استخدام المعرفة لتغيير المسار فهو حكمة وليس جحيما.. الفكرة كلها تكمن في الوعي بأن هذا التوأم يقدم لك مجرد احتمال يمكنك تجنبه ولا يقدم لك قدرا محتوما ستعيشه..

فكرة محيرة جداً، رغم أن الإنسان كان يحلم دوماً أن يعرف المستقبل، لكن قد يعيش الإنسان في حزن وضيق كبير لو عرف أنه بعد فترة قد تظهر عليه علامات مرض ما، والأفدح أن هذه النماذج قد تخطئ فيعيش الإنسان في صراعات وهمية وتتكدر عيشته بالمعرفة بدل من أن تكون حياته أسهل بها.

الخوف من الخطأ مشروع، لكنه موجود في كل أشكال التشخيص الطبي اليوم. الفرق هنا أن الخطأ لا يؤدي إلى تدخل علاجي فوري بل إلى مراقبة وتغيير في نمط الحياة، وهي أمور إيجابية في كل الأحوال. المعرفة لا تكدر العيشة بذاتها، بل طريقة تعاملنا معها هي ما يفعل ذلك.

هناك فرق بين أن "التوأم" يخبر شخص أنه سيعاني السمنة، أو مرض بسيط كارتفاع ضغط الدم لو لم يغير نظام أكله.

وبين أن يخبره أنه معرض لمرض وراثي لا شفاء منه ولا ينفع معه نظام غذائي أو دوائي.

الخبر الثاني مثل حكم مبكر بالإعدام، تخيل لو حدث خطأ في ذلك؟

فكرة التوأم الرقمي الصحي رائعة، فهي قد تشفي من المرض العضوي بالوقاية أو الكشف المبكر، وهذا قد يحمينا. لكنها قد تمرض من جهة أخرى نفسيًا، إذ قد تسبب قلقًا مستمرًا ووسواسًا حول متى سأمرض؟ كيف سأتعالج؟ هل سأصاب بمرض آخر؟. إنها كأي دواء: يعالج من طرف لكنه قد يسبب مرضًا من طرف آخر، فكل دواء له آثار جانبية، وهذه الفكرة تشفي من جهة وقد تمرض من جهة أخرى

تشبيهك بالدواء وآثاره الجانبية دقيق جداً. بالفعل، لكل تقنية أثر جانبي محتمل. الأثر الجانبي هنا هو "القلق"، وعلاج هذا الأثر لا يكون برفض الدواء نفسه، بل بتعلم "جرعة" التعامل الصحيحة معه، وهي التفريق بين الحذر المحمود والوسواس المذموم. الشفاء من المرض العضوي هدف يستحق مواجهة هذا الأثر النفسي وضبطه.

هناك بُعد خطير لفت انتباهي، من يملك تلك البيانات الدقيقة والمفصلة عني؟ ماذا لو أصبحت في يد الشركات الكبرى؟ هل ستحول حينها مرضي وألمي إلى سلعة؟ بالتأكيد، فهذه هي نظرتهم للحياة ولنا عموما. هناك بعد يدعو للتفاؤل كما ذكرت وبعد يدعو للقلق.

هذا هو البعد الأخطر بالفعل. المشكلة ليست في وجود البيانات بل فيمن يملكها وكيف يستخدمها. الخطر ليس في التقنية ذاتها بل في غياب الأطر القانونية والأخلاقية التي تحكمها. الحل ليس برفض جمع البيانات، بل بالمطالبة الصارمة بسيادة الفرد الكاملة على بياناته الصحية ومنع تحويل جسده وصحته إلى سلعة.. مثل سر المريض الذي لا يبوح به الطبيب لأي أحد، لكن هذا بالتأكيد يبقى صعب التطبيق وغير مضمون وشركات الميتا والai خير مثال على ذلك اليوم كل مرة قضية جديدة تثير الجدل لشركة ما بشأن الخصوصية.