ما هو الفصام؟
الفصام هو اضطراب عقلي مزمن يتميز بوجود أعراض نفسية حادة مثل الهلوسات، الأوهام، اضطراب التفكير، والانعزال الاجتماعي. وهو لا يعني "انقسام الشخصية" كما يعتقد البعض، بل هو اضطراب في الطريقة التي يدرك بها الفرد الواقع ويتفاعل معه.
الوحدة
تُعرف الوحدة بأنها شعور ذاتي بعدم الترابط أو الانفصال عن الآخرين، حتى في وجودهم. وعند التحول إلى حالة مزمنة، تبدأ الوحدة في التأثير على وظائف الدماغ، وتؤدي إلى تغيرات في كيمياء المخ، خاصة في أنظمة الدوبامين والسيروتونين، والتي تلعب دورًا مهمًا في الحالة النفسية والذهانية.
العلاقة بين الوحدة والفصام
تشير الأبحاث إلى عدة آليات محتملة تربط بين الوحدة ونشوء الفصام، من أبرزها:
1. الإجهاد المزمن واضطراب محور HPA
الوحدة المزمنة تُسبب حالة من التوتر المستمر، مما ينشط محور الغدة النخامية - الكظرية (HPA axis)، ويؤدي إلى اضطراب إفراز الكورتيزول. هذا الاضطراب يسبب تأثيرات سلبية على الدماغ، خاصة في مناطق مثل الحُصين (Hippocampus) والقشرة الجبهية، التي ترتبط بوظائف التفكير والذاكرة، وهي مناطق تتأثر أيضًا في الفصام.
2. نقص التحفيز الاجتماعي
الأفراد الوحيدون يعانون من قلة التفاعل الاجتماعي، ما يضعف المهارات الإدراكية والاجتماعية. مع الوقت، قد يتطور ذلك إلى تفكير منطوي وانعزالي، وهو أحد مظاهر الفصام، وقد يسبق ظهور الأعراض الإيجابية مثل الهلوسة.
3. تأثيرات الوحدة في مرحلة الطفولة والمراهقة
تشير الأدلة إلى أن العزلة الاجتماعية خلال فترات النمو الحرجة - مثل الطفولة أو المراهقة - تُعد عامل خطر قوي لتطور الفصام لاحقًا. الطفل أو المراهق الوحيد يكون أكثر عرضة لتكوين أنماط تفكير غير واقعية أو مشوهة، ما يُهيئ بيئة خصبة لظهور الأوهام والضلالات لاحقًا.
4. الوحدة كمحفز للانتكاسات
حتى بعد بداية الفصام وتشخيصه، تلعب الوحدة دورًا سلبيًا في استقرار الحالة النفسية للمريض. فقد أظهرت دراسات أن المرضى الذين يعيشون في عزلة هم أكثر عرضة للانتكاسات، ويستجيبون بشكل أقل للعلاج، مقارنة بالذين يحظون بدعم اجتماعي قوي.
الوحدة والفصام: من السبب إلى النتيجة
من المهم الإشارة إلى أن العلاقة بين الوحدة والفصام ثنائية الاتجاه؛ فكما أن الوحدة قد تسهم في نشوء الفصام، فإن المرض نفسه قد يعزز الشعور بالوحدة بسبب أعراضه الانعزالية ووصمة المجتمع للمريض النفسي. هذا ما يُعرف بـ "الدائرة المفرغة" التي تزيد من تفاقم الحالة.
الوقاية والتدخل المبكر
يمكن تقليل خطر الإصابة بالفصام عبر:
تعزيز الترابط الاجتماعي: دعم العلاقات الأسرية والمجتمعية وتوفير بيئات اجتماعية آمنة.
تحديد الفئات المعرضة للخطر: مثل الأفراد المنعزلين، أو من لديهم تاريخ عائلي مع الاضطرابات النفسية.
التدخل النفسي المبكر: مثل برامج العلاج المعرفي السلوكي لمواجهة الأفكار السلبية المصاحبة للوحدة.
الوحدة ليست مجرد شعور عاطفي، بل هي عامل خطر نفسي قوي، وقد تكون أحد المفاتيح لفهم نشوء الفصام. إن تعزيز الترابط الاجتماعي، وتقديم الدعم النفسي للأشخاص المعرضين للعزلة، قد يُحدث فارقًا كبيرًا في الوقاية من هذا الاضطراب المعقد. التعامل مع الوحدة كقضية صحية عامة يُعد خطوة مهمة في مسار الوقاية والعلاج المبكر للأمراض النفسية الخطيرة مثل الفصام
التعليقات