يولد كل منا ولديه احتياجات نفسية محددة يريدها مثل احتياجه للحب، التقبل، الاهتمام، الاحترام والتقدير، ومن المفترض أن يقوم الأب والأم بتلبية هذه الاحتياجات، لكن هذا لا يحدث دائمًا، أو على الأقل لا يحدث بالشكل أو القدر الكافيين، فغالبًا ما يريد الوالدان الطاعة التامة من الطفل، فيريدان منه أن يفعل ما يقولان وقتما يقولانه وكأنه آلة أو روبوت تضغط على زر فيطيع الأوامر!
مع الوقت يبدأ بالطفل بفهم أنه إذا أراد أن تتم تلبية احتياجاته لابد أن يكون هناك مقابلًا، حتى إن أراد الحصول على الحب! فالكثير منا ربما سمع هذه الجملة الكارثية (افعل كذا لكي أحبك) أو (لا تفعل كذا كي نحبك) ، فتعلم بشكل تلقائي أنه لكل شيء مقابل، فيجد الاحترام مشروطًا والقبول مشروطًا وحتى الحب مشروطًا.
يضطر الشخص حينها إلى إخفاء نفسه وذاته الحقيقية شيئًا فشيئًا ما دامت أنها لا تعجبهم ولا تكفي للحصول على التقدير والحب والاحترام والقبول، وهذا لا يتوقف في الطفولة أو بعدها بل تصبح فكرة التنازل مستمرة ، ويدفن الفرد منا نفسه الحقيقية بعيدًا بداخله في مكان سري تنتظر الفرصة المناسبة لتشرق مرة أخرى وتعبر عن نفسها، بينما ما يظهر على السطح هو تلك النفس المزيفة التي تُرضي وتُقابل التوقعات، لكن يبقى السؤال هنا هو
كيف يمكننا التمييز بين نفسنا الحقيقية ونفسنا المزيفة؟ فكثرة الإدعاء قد تجعلنا لا ندري أيهما نحن حقًا.
التعليقات
التمييز بين النفس الحقيقية والنفس المزيفة ليس أمرًا سهلًا، خاصة عندما نكون قد اعتدنا التكيف لسنوات طويلة فقط لننال القبول. لكن هناك إشارات خفية تقودنا نحو حقيقتنا:
حين نفعل شيئًا ونشعر بخفة داخلية، بسلام غير مبرر، أو شغف ينبض دون جهد، فهذه غالبًا هي النفس الحقيقية تتحدث. أما حين نشعر بالإرهاق العاطفي رغم النجاح، أو بالخواء رغم التصفيق، فربما نكون نعيش داخل قناع.
الاقتراب من النفس الحقيقية يبدأ من لحظة صدق مع الذات، حين نتوقف عن طرح سؤال "ماذا يريدون مني؟" ونسأل بدلًا منه "ماذا أريد أنا؟"، حين نعترف بمشاعرنا دون خجل، ونُعطي لأصواتنا الداخلية حقها في الظهور حتى لو كانت متعثرة أو غير مُرضية للجميع.
الرحلة ليست سهلة، لكنها تستحق، لأن ما نخسره من أنفسنا ونحن نُرضي الآخرين، لا يمكن تعويضه بسهولة.
هذه حقيقة فعلًا، التمييز بين النفس الحقيقية والمزيفة قد يكون أمرًا في غاية الصعوبة، فمؤلف الكتاب قال أن الطفل يبدأ إدراك أمر أن إظهار نفسه الحقيقية قد يسبب له عدم الحصول على احتياجاته من الحب والتقبل والتقدير ويبدأ في إظهار نفسه المزيفة التي ترضي والداه ومن حوله بدايةً من عمر الخامسة! هل يمكنك تصور ذلك!
من منا يمكنه أن يتذكر بوضوح كيف كانت طبيعته قبل عمر أو سن الخامسة بالكامل؟! بالطبع تكون طبيعتنا هناك مُختبئة بالداخل لكن التمييز بينها وبين ذاتنا المزيفة أمر قد يكون غاية في الصعوبة.
حين نفعل شيئًا ونشعر بخفة داخلية، بسلام غير مبرر، أو شغف ينبض دون جهد، فهذه غالبًا هي النفس الحقيقية تتحدث. أما حين نشعر بالإرهاق العاطفي رغم النجاح، أو بالخواء رغم التصفيق، فربما نكون نعيش داخل قناع.
أتفق معك.
لكن كيف نواجه المجتمع إذا كانت ذاتنا الحقيقة لا تعجبه؟ إذ أنها بالبداية لم تعجب والدينا الذين أتوا بنا للحياة وأولى الناس بتقبلنا!
سأقول لك قاعدتي الذهبية للتفريق، كل فعل تقومين به ونيتك إرضاء الآخرين أو إثارة إعجابهم فهي نفسك المزيفة، وكل فعل تريدين القيام به وتخشين غضب أو سخرية أو انتقاد الآخرين لك وسوء الحكم فهو نفسك الحقيقية. النفس المزيفة تساير الجماعة تسير وفقهم تتحدث وفقهم تشارك أفكار وآراء وفقهم، النفس الحقيقية متفردة متمردة لديها أشياء خاصة بها قد تختلف وقد تتشابه مع آراء الجماعة ولكن في النهاية هي التي تشعرك براحة داخلية واتساق حقيقي مع هويتك ولا تجعلك تشعرين وكأنك محاصرة في وضع لا تستطيعين الخروج منه.
أنا مع قاعدتك يا رنا، ولكن النفس المزيفة والحقيقية كلاهما مطلوبين بنسب متفاوتة ما دمتِ في حالة تعاون واعتماد على أفراد آخرين، حتى لو كانت لتيسير مصالح فقط.فمثلًا جزء من الذات المزيفة هو محاولة الصمت وإظهار التوافق ظاهريًا مع بعض الأقارب في أفكارهم، وذلك لأننا نعلم إن أي محاولة بسيطة للتحدث عن افكار مختلفة، سينتهي الحديث بجدالات واحتدامات لا قيمة لها، والسبب بسيط "غياب المرونة"، قيسي على ذلك مواقف عديدة نحتاج فيها إلى التزييف للاندماج فقط، في حالات الضرورة، أما في حياتنا الشخصية، فبالطبع أي اختيارات مصيرية هي بالنفس الحقيقية فقط.
لا اختلف معك إيريني. الحياة تعلمنا ذلك بالطريقة الصعبة للأسف، المهم ألا نفعل ذلك بحيث نطمس بشكل نهائي هويتنا الحقيقية، من المهم ألا نشعر بأننا مقيدون أو محاصرون أو تعيسون ونحن نفعل ذلك. مسايرة الجماعة ليست مشكلة طالما كانت في مواضيع لا تهمنا أو لا تؤثر علينا بشكل سلبي، ولكن إذا كانت تدفعنا لما لا نرتاح له فهنا يوجد ما يسمى بشجاعة إظهار الاختلاف.
أعتقد أن هذا الموضوع شائكًا، وقد يكون هناك تشابكًا بين النفس الحقيقية والمزيفة _على الأقل عند بعض الناس_، فالنفس المزيفة قد تكون تكونت لدينا منذ الصغر كرد فعل لمواقف مختلفة وهي معنا منذ وقت طويل للغاية.
قد تكون فكرة جيدة فعلًا التوفيق بين النفس الحقيقية والمزيفة، خاصةً عند التعامل مع الناس، فلا يمكننا أن نقول ونفعل دائمًا ما يخطر ببالنا دون وضع اعتبارات ونقول هذه نفسي الحقيقية!
لكن ألا تعتقدين أن هذا يمكن أن يكون نوعًا من النفاق؟ أن يكون بداخلنا شيئًا ونُظهر ونقول شيئًا آخرًا.
هو نوعًا من النفاق حتى نكون موضوعيين، ولكنه مطلوب يا سهام، لأننا مضطرين لذلك، لا أقول إنها قاعدة، ولكن فعلًا لا يمكن البوح عن كل ما بداخلنا بنسبة 100%، ولا حتى 70%، بحكم المواقف والقرارات والعلاقات المعقدة (مقربين أو أغراب)، ولكن الصدق مع النفس ضروري جدًا، وضروري مع الصداقات المشابهة، والشركاء في العلاقات، والأهل (بحكم إنهم مرتبطين ببعض بقراراتنا المصيرية من بعض النواحي الاجتماعية).
@ErinyNabil
في أحد الحلقات من كارتون عالم جامبول المدهش عندما تم رفضهم مجتمعيا وتمت المطالبة بطردهم اقترح احد أفراد العائلة إظهار حقيقتهم للناس لتحبهم لكن حقيقتهم هي ما جعتهم منبوذين من البداية ليصرحو فيما بعد بأنه يجب عليهم إظهار حقيقتهم المزيفة، وبالرغم من إظهار حقيقتهم الحقيقية وحقيقتهم المزيفة تم رفظهم بسبب طغبيان الرأس مالية والتأثير الإعلامي.
قد يعيش أحدهم بحقيقته المزيف طوال حياته لكن لا يستطيع المواصلة إلا من أتقن الكذب لدرجة تصديق كذبته.
وماذا تتوقع من عائلة تتكون من أرنب وقطة ولديهم ابن سمكة 😅
قد يعيش أحدهم بحقيقته المزيف طوال حياته لكن لا يستطيع المواصلة إلا من أتقن الكذب لدرجة تصديق كذبته.
المشكلة أننا أحيانًا قد لا نعرف أيهما هي ذاتنا الحقيقية، وأين تنتهي نفسنا المزيفة وتبدأ نفسنا الحقيقية لأننا تعاملنا بها طوال حياتنا تقريبًا.
فمثلًا هل أنا فتى مهذب لأنني مهذب فعلًا ، أم لأن والدي كانا شديدا الرقابة والصرامة؟!
هل أنا فتاة متفوقة لأنني متفوقة وذكية حقًا ، أم لأن والدي كانا لا يقبلان بأقل من الدرجات النهائية؟!
نعم رنا قاعدتك جيدة، لكن ليس دائمًا ما يريد الإنسان فعله ويخشى السخرية أو سوء الحكم أو الانتقاد هو شيء جيد، فربما يريد تناول السجائر أو الكحوليات، أو تريد فتاة أن تسير بملابس عارية، لكنهم يضعون اعتبارًا للأشخاص من حولهم وللقانون أحيانًا. فهل هذه هي النفس الحقيقية لهؤلاء؟
كما أنني مثلًا قد أقاوم شيئًا سيئًا أو تقصيرًا لدي فأعمل على فعل شيئًا جيدًا أو مبهرًا لإثارة إعجاب الآخرين. فهل هذه نفسي المزيفة أم محاولة مني لتحسين ذاتي؟
نحن لا نتحدث عن ما هو جيد أو سيء يا سهام، نحن نتحدث عن حقيقة الشخص أيا كانت من وجهة نظرنا اذا حقيقة جميلة أو قبيحة. نعم الفتاة التي تريد أن تلبس ملابس خارجة عن عادات المجتمع ولكنها تمتنع خوفا منه هذه هي شخصيتها الحقيقية، هذا هو ما تريد فعله وتشعر بالراحة فيه وإن كان خطأ بالنسبة لنا، ولكن بالنسبة لها هذه هي ذاتها الحقيقية التي تخشى إظهارها بسبب من حولها. محاولة المقاومة التي تقوم بها إذا نابعة من داخلها بدون فرض أو إجبار خارجي، طالما نابعة من وعي خاص وإيمان بأن هذا خطأ وعليها العمل على تلافيه هذا يعد هوية جديدة تحاول تبنيها ولا تعارض في ذلك ما قلته، فهي تفعل ذلك لأنه يريحها ولأنها تريده.
الفتاة التي تريد أن تلبس ملابس خارجة عن عادات المجتمع ولكنها تمتنع خوفا منه هذه هي شخصيتها الحقيقية
الفتاة التي ترغب في كسر قواعد المجتمع بدعوى أنها "تحب" أو "ترتاح" لذلك لا يمكن فصل رغبتها عن موجات التأثير التي تسربت إليها من الخارج، من ثقافات لا تُراعي ما تراعيه بيئتنا من قيم وضوابط. الحقيقة أن ما تسميه "حقيقتها" قد لا يكون سوى وهم زرعته فيها رغبة أن تكون مختلفة، لا لأنها فعلاً كذلك، بل لأنها تريد لفت النظر، تريد التميز حتى لو كان على عاداتنا.
تفسيرك ينطبق على حالات كثيرة يا ياسين لا اختلف، ولكن ليس على الجميع. لكل شخص أفكاره ومعتقداته، ما تراه صحيحا لا يراه غيرك كذلك والعكس صحيح، هي من منظورها قد تجد في تلك الهوية راحة حقيقية ولا تفعل ذلك لا للفت نظر ولا للحصول على اهتمام، هي ببساطة لا ترى أن تلك العادات تمثلها.
صحيح يا رنا، قد لا تكون كل فتاة تسلك هذا الطريق تبحث عن لفت النظر، لكن دعينا نكون واقعيين، نحن نعيش اليوم في عالم يشجع على الفردية المتطرفة، ويُجمّل الخروج عن المألوف، بل ويمنح المتجاوزين للثوابت أضواءً ومساحات لا تُعطى لمن يلتزمون بقيم بيئتهم. في مثل هذا المناخ، يصعب أن نميز بين من "اختار" فعلاً، وبين من "تأثر" دون وعي.
بل ويمنح المتجاوزين للثوابت أضواءً ومساحات لا تُعطى لمن يلتزمون بقيم بيئتهم.
لا يا ياسين على العكس! كيف يمكن للمختلف عن التقاليد والأعراف أن يأخذ امتيازات أكبر كهذه عن غيره ممن يلتزم بها في مجتمع اغلبيته الساحقة تلتزم بهذه التقاليد والاعراف! انت لم تشاهد كيف ينظر لفتاة أو ولد إذا ارتدوا بشكل غريب أو غير مألوف عن البيئة التي هم فيها! هذه مجرد نظرة بالعين ولكن مليئة بالانتقادات والتهكم، ربما هذا التشجيع يحدث في مجتمعات الخارج ولكن هذه المجتمعات لديها وضع خاص جدا يطول شرحه، مجتمعاتنا لا تؤيد الاختلاف ولا ترحب به ولا تجعل من السهل على الإنسان أن يتحلى به.
صحيح كلامك يا رنا، في الظاهر مجتمعاتنا لا ترحب بالاختلاف، وغالبًا ما تواجهه بالنقد أو التهكم، لكن هذا لا يعني أنها تُهمّشه فعليًا. بل العكس تمامًا، فهي تُسلّط الضوء عليه أكثر من غيره، تجعل منه حديث الساعة، وتدخله دوامة "التريند"، حتى لو كان من باب الاعتراض أو السخرية. النتيجة واحدة: المختلف يصبح مرئيًا، ومحل جدل، ويكتسب شهرة لا تُمنح غالبًا لمن يعيش بهدوء داخل إطار المألوف. هذا التناقض هو ما يدفع البعض إلى التمرد، ليس عن قناعة عميقة، بل بدافع الظهور.
الرغبة في إظهار الجسد والمفاتن أو العري له أسباب في علم النفس يا د. ياسين، قد ترجع مثلًا لقلة الثقة بالنفس، أو عدم إشباع الوالدين للجزء الخاص بالتقبل والحب والتقدير في الطفل، وخاصةً الأب لابنته عن طريق ان يمدح في شكلها وجمالها منذ الصغر، فتكبر وهي تشعر بالنقص في هذا الجزء وقلة الثقة بالنفس وترغب في أن يتم الانتباه لها ومدحها وتقبُلها فتلجأ لتلك الطرق.
هذه نسبة صغيرة يا سهام لأن الرغبة في إظهار الجسد أو العري لا ترتبط دائمًا بخلل أو نقص في الحب أو التقدير الأبوي بل تكون أحيانًا نتيجة أفكار تتبناها الفتاة عن قناعة، وإن كانت تلك القناعة نفسها قد تكون مشبعة بخطاب معولم يصنع من الجسد ورقة اعتماد اجتماعي.
في مجتمعات اليوم، لا يمكن إنكار أن هناك خطابًا عالميًا رائجًا يُعيد تعريف الجسد بوصفه وسيلة تعبير، أو أداة قوة، أو حتى شكل من أشكال "الحرية الشخصية". وفي هذا الصدد تتبنى الفتاة هذه الأفكار كجزء من هوية تتشكل، لا لأنها تعاني من نقص داخلي، بل لأنها ترى أن إبراز مفاتنها لا يقل "احترامًا" أو "قوة" عن أي وسيلة تعبير أخرى.
ربما يكون ما تقول صحيحًا في بعض الأحيان، لكن لا يمكن إنكار أن من لديهم هذا النقص أو هذا الخلل النفسي يكونون أكثر عُرضة للتأثر بتلك الأفكار والدعوات.
ففي الحقيقة القوة النفسية التي يمنحها التقبل من الأبوين منذ الصغر تكون عاملًا أساسيًا كبيرًا في الصلابة النفسية، وكيفية نظر الفرد لذاته وجسده وكيفية تعامله معه، وهذا مع أساس ديني وأخلاقي قوي قد يكون حائط صد قوي أمام مثل هذه الدعوات بالتعري.
الأمر الغريب بالنسبة لأمثال هؤلاء الذين ينادون بالعُري على سبيل القوة والحرية، أنهم قد لا يؤمنون بنفس ذلك بالنسبة للرغبة في الستر أو الاحتشام وتغطية الجسد مع أن هذا اختيار وحرية شخصية وهذا اختيار وحرية شخصية على حد قولهم، هل الحرية والقوة في العُري فقط لا في الاحتشام؟!
هذا الأمر شائكًا للغاية، فربما تلك الفتاة لا تريد فعل ذلك لأن هذه هي حقيقتها فعلًا، ولكن تريد تجريب شيئًا ما، أو أنها تريد أن تبدو مثل فتيات معينات تريد الاندماج معهن، أو أن لديها مشكلة تتعلق بالثقة بالنفس وتريد لفت الانتباه لها تستخدم طريقة العري، وهذه أيضًا ليست حقيقتها.
محاولة المقاومة التي تقوم بها إذا نابعة من داخلها بدون فرض أو إجبار خارجي، طالما نابعة من وعي خاص وإيمان بأن هذا خطأ وعليها العمل على تلافيه هذا يعد هوية جديدة تحاول تبنيها
أتفق معك.
غالبًا ما نجد أنفسنا نرتدي أقنعة لإرضاء الآخرين، فتدفن ذاتنا الحقيقية تحت طبقات من التظاهر هذا يحدث للجميع تقريباً، لكن هناك لحظات مفصلية تكسر هذه الأقنعة وتتيح لجوهرنا الأصيل الظهور. سواء كانت أزمات شخصية كبرى تجعلنا نواجه حقيقتنا الداخلية، أو لحظات خلوة وتأمل عميق تسمح لنا بسماع صوتنا الداخلي الذي يقول لنا بوضوح ((أنا هنا))، أو حتى العلاقات الأصيلة والموثوقة بين أصدقائنا أو أحبائنا التي نجد فيها مساحة آمنة لنكون على طبيعتنا، وحتى تحقيق الاستقلال المادي والاجتماعي الذي يمنحنا الحرية لاختيار مسارنا، أو تغيير البيئة بشكل جذري مما يتيح لنا إعادة بناء هويتنا؛ كل هذه الفرص تمثل نوافذ ذهبية لعودة الذات الحقيقية إلى السطح، شرط أن نمتلك الشجاعة والوعي الكافيين لاغتنامها والتعامل بصدق مع ما نكتشفه.
أيمكن ذكر أمثلة لهذه اللحظات المفصلية؟
أُحييك على طرحك لطرق العلاج هذه، ففعلًا بالكتاب قال المؤلف أن الحل يكمن في علاقة تتقبلنا كما نحن وتمنحنا الحب الغير مشروط والتقبل والتقدير لطبيعتنا الحقيقية لا المزيفة، لأنه ببساطة ما كسرنا بالبداية هو علاقة لذلك ما سيجبر الكسر هو علاقة أيضًا.
لكنني بصراحة لا أعتقد أن تلك هي الطريقة الوحيدة لكي نتشافى أو نُعبر عن أنفسنا الحقيقية، فكل منا قد يجد سبيلًا لذلك بطريقة مختلفة.
طرحك عميق ومؤلم في آنٍ معًا… كأنك وصفت بدقة تلك الرحلة الصامتة التي يخوضها كثيرون دون أن يعرفوا لها اسمًا. فعلاً، فكرة أن الحب والقبول يصبحان مشروطين منذ الطفولة تترك شروخًا خفية في النفس، تجعلنا نرتدي وجوهًا لا تُشبهنا فقط لننال ما نظنه حقًا طبيعيًا.
تلك النفس المزيفة التي تتشكل من التوقعات والتنازلات تُرهقنا، بينما تظل النفس الحقيقية تنتظر لحظة صدق واحدة لتتنفس… وما بين الانتظار والتأقلم، تضيع أحيانًا ملامح الذات الأصلية.
لكن سؤالي هنا:
إذا كانت النفس المزيفة تُتقن التمثيل، والنفس الحقيقية قد صمتت طويلًا… فبمَ نعرف صوتها حين تبدأ بالعودة
نعم فكرة ألا يتم تقبلنا وخاصةً من أقرب الناس لنا ومن هم من المفترض أن يحبوننا بدون حدود ويتقبلوننا بدون شروط هو أمر مؤلم للغاية.
وربما حتى بعد أن تُتاح لنا فرصة التعبير عن أنفسنا الحقيقة ونجد من يتقبلها ويقبلنا ويحبنا كما نحن، قد نعم نشعر بالراحة لذلك، لكن بالعمق والداخل يكون هناك ألمًا وسؤالًا خفيًا يعتمل بين صدورنا: لماذا تقبلني هؤلاء ولم يتقبلني أقرب الناس لي؟!
لكن سؤالي هنا: إذا كانت النفس المزيفة تُتقن التمثيل، والنفس الحقيقية قد صمتت طويلًا… فبمَ نعرف صوتها حين تبدأ بالعودة
أعتقد أن الأمر ليس سهلًا، لكن يمكننا الشعور بأنفسنا الحقيقية حين تُعبر عن نفسنا عندما نشعر بالراحة والسعادة والخفة بفعل شيئًا معينًا مثلًا، فتلك تكون ذاتنا الحقيقية تشع وقتها وتشعر بالتألق.
وسؤالي أنا لك :
ماذا إن استطعنا بالفعل الوصول ومعرفة أنفسنا الحقيقية لكن وجدنا صعوبة في التعبير عنها أو لم نجد من يتقبلها ممن حولنا؟
لعله باب من أبواب التناقض التي تعيشه النفس وتقلباتها بين الصدق والكذب وما بينهما من رمادية المصلحة أو الرياء والنفاق أو اخفاء الدافع وراء ذلك وكله تحت مسمى المداراة والذي امقته والذي يجب أن نسميه النفاق الاجتماعي ،اقدر معنى اللطافة في التعامل ولكن ليس على حساب الحق وان سالت عن شيء قل الحقيقة وان كانت صادمة وطبعا بتخفيف وطئتها رويدا رويدا حتى يستقبلها السامع ويقدر على هضمها
وكيف نطيق أنفسنا ونحن نشعر بهذا التناقض أو نشعر أننا ننافق طوال الوقت؟
ربما نُسكن ضمائرنا بأننا نفعل ذلك ليتم تقبلنا أو أننا نفعل ذلك بدافع اللطافة خوفًا على شعور من أمامنا، لكن ربما ذلك أيضًا يزيد الطين بلة ويجعلنا نبتعد عن أنفسنا الحقيقية يومًا بعد يوم حتى نفقد ذاتنا وتكون أنفسنا المزيفة هي المسيطرة والظاهرة على الساحة بقوة.
اقدر معنى اللطافة في التعامل ولكن ليس على حساب الحق وان سالت عن شيء قل الحقيقة وان كانت صادمة وطبعا بتخفيف وطئتها رويدا رويدا حتى يستقبلها السامع ويقدر على هضمها
أتفق معك بشدة.
أرى أن التمييز بين النفس الحقيقية والمزيفة ليس أمرًا سهلًا، لكنه يبدأ بالوعي الذاتي والتأمل الصادق في دواخلنا. في كثير من الأحيان، نجد أنفسنا نتماشى مع التوقعات الخارجية حفاظًا على القبول والراحة، لكن هذا يبعدنا عن جوهرنا الحقيقي. التحرر يبدأ عندما نواجه مخاوفنا ونسمح لأنفسنا بالتعبير عن حقيقتنا، حتى لو كان ذلك يتطلب بعض الجرأة على الاختلاف.
وماذا نفعل إذا لم نجد من يتقبل ذاتنا أو نفسنا الحقيقية، حتى وإن كان ذلك من أقرب الناس لنا؟
بالفعل التمييز بين نفسنا الحقيقية ونفسنا المزيفة قد لا يكون سهلًا أبدًا، د. محمد طه قال في الكتاب أن الطفل قد يبدأ في إخفاء نفسه الحقيقية وإظهار نفسه المزيفة إرضاءً لمن حوله ولكي يحصل على احتياجاته النفسية بدايةً من عُمر خمس سنوات!
إن حديثك يعكس واقعًا نفسيًا واجتماعيًا تعيشه الكثير من الأسر. ما أشرت إليه من ربط الحب والقبول بالطاعة والامتثال هو نتيجة تراكمات فكرية متوارثة ترى في التربية عملية "ضبط" أكثر من كونها "احتضانًا". التأثيرات الاجتماعية تلعب دورًا كبيرًا، حيث يُنظر للطفل الجريء أو المُعبِّر عن نفسه على أنه "غير محترم"، فيُكبَت منذ الصغر. هذا القمع لا ينبع فقط من الأهل بل من ثقافة تُقدّس الطاعة وتساوي بينها وبين الاستقامة.
مع الوقت، يتبرمج الفرد على أن الخطأ هو في ذاته، لا في الفعل، فيُخفي نفسه الحقيقية لينال "السلام الاجتماعي". وتُصبح المجاملة أو التظاهر طريقًا للقبول. لكن هذا الخلل لا ينشأ من فراغ، بل من رغبة داخلية في الشعور بالأمان والانتماء حتى لو على حساب الصدق مع النفس. وهنا يأتي الصراع: هل أكون نفسي وأجازف بالرفض؟ أم أُرضيهم وأتوه في الزيف؟
التمييز بين الذات الحقيقية والمزيفة يتطلب شجاعة مواجهة، وتأملًا صادقًا في الدوافع خلف أفعالنا: هل أفعل هذا لأنني أريده فعلًا؟ أم لأنني أخشى خسارة القبول؟ الجواب يظهر حين نصمت ونصغي لصوتنا الداخلي.
النمو الحقيقي يبدأ حين نكفّ عن معاقبة ذواتنا لأننا "لسنا كما أرادونا"، ونتصالح معها كما هي.
ثقافة القمع هذه سيئة للغاية وتعمل على تشويه أجيال، فأحيانًا التأثير يتجاوز الجيل الواحد للجيل الذي يليه والذي يليه وهكذا، فكل جيل منهم يفعل بأبنائه ما فُعل به من قمع على اعتبار أن هذا هو الأدب وهذه التربية الصحيحة! مما ينتج عنه أجيال مكبوتة ومشوهة نفسيًا.
وحينا يجرؤ شخص على كسر هذه الدائرة من القمع والكبت يُنظر إليه أنه شخص غير مُطيع أو غير مهذب لمجرد أنه عبر عن نفسه ورغباته بدلًا من أن يصمت ويُظهر لهم ما يُحبون وما يرضيهم هم لا هو.
وللأسف غالبًا ما يتعرض هؤلاء للاتهامات بسوء الأدب وربما يتعرضون للتعنيف و"التأديب" إذا كانوا صغارًا، أو يتعرضوا للنبذ إذا كانوا كبارًا، فكيف يمكن أن يُعبر الفرد منا عن نفسه الحقيقة دون أن يتعرض للعقاب أو للنبذ؟!
كنتُ دائمًا ما أتحدث مع متابعيني وأصدقائي عن موضوع الحب المشروط، ليس كفكرةٍ مجردة، بل كأحد أخطر الأساليب التربوية التي قد تُمارَس دون وعي، وتترك آثارًا سلبية لا تُمحى في نفس الطفل.
تأثيرٌ لا يقلّ مع مرور الوقت، بل يترسّخ في أعماق شخصية الطفل، حتى يُصبح مقتنعًا بأنه لا يستحق الحب لذاته، وأن هذا الحب قد يتحوّل إلى أحد أكبر مُدمّرات الشخصية.
إن تقديم الحب المشروط للطفل يُقلّل من شعوره بقيمته الذاتية؛ بمعنى أن حب الأم أو الأب له يكون مقرونًا ومشروطًا بسلوكياته. فإذا كانا راضيَين عن سلوكه، فإنهما يُحبّانه، والعكس صحيح.
وهنا، يتلقّى الطفل — دون وعي — رسالة خفية مفادها أن قيمته تُقاس بمدى رضا الآخرين عنه ، أي أن حب والديه له يعتمد على قبولهما لتصرفاته، لا على قبولهما له هو نفسه.
وبالتالي، يصبح الشخص غير المقبول شخصًا مرفوضًا، والمرفوض شخصًا لا يستحق الحب.
ومن لا يستحق الحب من أقرب الناس إليه – أمه وأباه – سيعتقد أنه لا يستحق الحب من الآخرين أيضًا.
ينشأ الطفل وهو يحمل هذا العبء، باحثًا عن رضا الآخرين ليشعر بقيمته، خائفًا من الرفض، خجولًا من الخطأ، ويكبر معتقدًا أن الحب يجب أن يُكسَب... لا أن يُمنَح.
وهكذا، يصبح الحب المشروط أداة هدم بطيئة لهوية الطفل وثقته بنفسه و يؤثر عليه هذا حتى بعد ما يكبر ...
الحب والاهتمام والتقبل المشروطين قد يُحطموا الإنسان ويجعلونه شخصًا هشًا جدًا من الداخل، فكلمة تكسره وأقل فعل لطيف قد يجعله يتعلق بالأشخاص الخطأ فقط لأنهم أظهروا له أي نوع من أنواع الاهتمام.
ويكبر معتقدًا أن الحب يجب أن يُكسَب... لا أن يُمنَح.
جملة مؤلمة للغاية، وورائها الكثير من الخيبات.
هل يمكنك من خلال دراستك وخبرتك أن تخبرينا كيف للإنسان التغلب على ذلك؟
من الجانب العلاجي، يمكن للإنسان أن يعيد بناء علاقته بنفسه عبر ما نُسميه بـ إعادة التقييم المعرفي، أي أن يبدأ بتفكيك تلك الرسائل القديمة التي تربى عليها، ويستبدلها برسائل جديدة، مثل: "أنا أستحق الحب و قيمتي ليست مرتبطة برضا الآخرين". كما أن ممارسة التقبّل الذاتي والرحمة بالنفس (Self-compassion) لها أثر كبير في ترميم الجراح الداخلية، إلى جانب الدعم النفسي المناسب عند الحاجة.
في غالب الأحيان الجرح الذي سبّبه الحب المشروط قابل للشفاء، لكنه يتطلب وعيًا، ووقتًا، وصبرًا، حتى يعود الإنسان إلى نفسه ويمنحها ما لم يُمنح له قديمًا
في بعض الحالات، نعم، يمكن للإنسان أن يبدأ طريق التعافي بنفسه من خلال القراءة الواعية، وممارسة التأمل الذاتي، وتطبيق تمارين التقبّل والرحمة بالنفس، خاصة إذا كان يمتلك قدرًا من الوعي بمشكلته، وقوة داخلية تمكّنه من المواجهة والصبر.
لكن في الواقع، الغالبية لا تملك الأدوات النفسية الكافية للقيام بذلك بمفردها، وغالبًا ما تجهل الطريقة المثلى للتعامل مع الجرح النفسي أو معالجته. خصوصًا إذا كان هذا الجرح قد أثّر على ثقة الشخص بنفسه، أو تسبب في مشكلات متكررة في العلاقات، أو رسّخ مشاعر مزمنة من الذنب والرفض.
في مثل هذه الحالات، يكون من الأفضل طلب المساعدة من أخصائي نفسي، فوجود مختص يُسهّل فهم الجذور العميقة للمشكلة، ويوفّر أدوات علاجية مناسبة، ويقدّم بيئة آمنة يشعر فيها الشخص بالقبول والدعم، مما يساعده على إعادة بناء شعور الأمان الداخلي الذي فُقد في مرحلة مبكرة من حياته.