حين يصبح التجاهل أسلوب حياة

نحن لا نعيش أزمة أخلاق كما يُقال نحن نعيش أزمة انتباه لم نعد ننتبه لبعضنا ولا لأنفسنا ولا للأثر الذي نتركه خلف كلماتنا نمرّ على الحزن وكأنه خبر عابر

وعلى الفرح وكأنه ضجيج زائد ونتعامل مع الإنسان

كما لو كان منشورًا إما يعجبنا أو نتجاوزه دون تفكير

في هذا المجتمع الكل يتكلم والقليل يسمع الكل يُظهر رأيًا والنادر يتحمل مسؤوليته صرنا نطالب بالرحمة لكننا لا نمارسها نشتكي من القسوة ثم نعيد إنتاجها في تعليق في حكم متسرع في صمت عن حق الأخطر أننا اعتدنا اعتدنا أن نرى الألم دون أن نتوقف واعتدنا أن نبرر الخطأ طالما لا يمسّنا

نحن لا نحتاج إلى مواعظ جديدة نحتاج فقط أن نبطئ أن ننظر في وجه الإنسان قبل أن نحكم عليه

أن نتذكر أن خلف كل تصرف قصة لم تُروَ وخلف كل قسوة خوفًا ما المجتمع لا ينهار فجأة هو يتآكل بصمت حين نفقد القدرة على الشعور وحين يصبح التجاهل أسهل من الفهم ربما لن نغيّر العالم لكننا نستطيع أن نغيّر طريقة وجودنا فيه أن نكون أخف ضررًا وأصدق حضورًا وهذا أبسط أشكال المسؤولية الإنسانية

سؤال

إذا كنا نطالب بمجتمع أكثر إنسانية، فمتى نبدأ نحن بأن ننتبه لبعضنا قبل أن نحكم؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

اتجاه المجتمع تحدده عوامل أكبر: عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، ربما بعض الظروف تجعل المجتمع يتماسك ويكون أكثر إحساساً ببعضه، بعض الظروف كذلك قد تجعل كل إنسان يهتم ما لنفسه فقط ولا يهمه أي حدث ليس هو جزء مباشر فيه، بشكل كبير أغلب المجتمعات العصرية يمر أفرادها على أحداث بعض مرور الكرام فلا أحد متفرغ لأحد ولا يريد أحد أن ينتبه لغيره.

اظن ان هنا في مصر يوجد الكثير من العوامل السياسة التي للأسف تجعل الإنسان لا يهتم بأي شيئ يحدث امامه، فكما رأينا في السنين الماضية كل من كان يهتم او يقرر التحدث وعدم المشي مغمض العين مع القطيع كان إما لا نسمع عن أخباره بعدها ثانيًا، او يكون محظوظًا ليجد الوقت الكافي للهروب من البلاد قبل ان يحدث هذا، لذلك تعلم الناس مع مرور الوقت ألا يلتفتوا لما يحدث حولهم ويحاولوا فقط العيش في أحداث حياتهم

صحيح أن العوامل الكبرى ترسم اتجاه المجتمعات وتضغط على إيقاع الناس، لكن الإنسان يظل مسؤولًا عن المسافة التي يختارها بينه وبين غيره. الظروف قد تفسر القسوة لكنها لا تبرر غياب الإحساس، والانشغال قد يشرح الغفلة لكنه لا يعفي من أثرها. أخطر ما تصنعه الأزمنة الصعبة ليس الفقر ولا الخوف، بل اعتياد اللامبالاة حتى تصبح طبيعية. وحين يمر الإنسان على وجع غيره مرور الكرام، لا لأنه شرير بل لأنه متعب، هنا يبدأ التآكل الصامت. المجتمعات لا تُقاس فقط بما تفرضه السياسة أو الاقتصاد، بل بما يقرره الأفراد في التفاصيل الصغيرة، في الانتباه، في السؤال، في الاعتراف بأن الآخر موجود ويستحق أن يُرى.

الحقيقة أن الأزمات عديدة برأيي، أزمات في كل شيء حاليا بداية من الأزمات المادية، فلا يمكن أن نطالب ذلك الشخص بالانتباه وهو يعمل ١٤ ساعة أو أكثر باليوم، ولا نطالب الأم التي تعمل داخل وخارج البيت بالانتباه، الإنسانية تختفي حينما نصبح دائرين فقط في عجلة الرأسمالية التي تسحق الجميع وتجرده من إنسانيته إلا من رحم ربي، فالعالم أصبح صاخب ومتعب على الجميع بكل الطبقات وأكثرهم الطبقة المتوسطة والفقيرة، كنت قدر رأيت لقاء لعادل إمام يقول أن السنوات القادمة ومع التطور التكنولوجي، المشاعر ستموت، تلك المشاعر التي تجعلنا بشر.

نحن نعيش مجتمعًا يدرّب أفراده على الاستهلاك السريع لكل شيءالمعلومة، المشاعر، وحتى البشر. لم نعد نتجاهل لأننا قساة، بل لأن الإيقاع العام لا يسمح بالتوقف. القسوة ليست خيارًا فرديًا دائمًا، بل نتيجة بيئة تُكافئ السرعة وتُعاقب التأمل.

الناس لا يحكمون بسرعة لأنهم لا يشعرون، بل لأن الحكم السريع أصبح أسهل من الفهم، وأقل تكلفة من الإصغاء. الانتباه لم يعد قيمة، بل رفاهية. وفي عالم يضغط على الجميع، يصبح التجاهل آلية بقاء، لا انعدام إنسانية.

من وجهة نظري أخطر ما يؤثر علينا كمجتمع هو الاعتياد. فحين نعتاد رؤية الحوادث والآلام نفقد دهشتنا الإنسانية الأولى، فلا نصبح أشرار ولكن مخدرين شعوريا، ولهذا اذا سمعنا عن حادثة بشعة من المفترض أن تقشعر لها أبداننا قد نجد أنفسنا نتفاعل معها ببرود شديد كأن هذه الحادثة لم تؤثر على حياة بشر مثلنا ولم تسبب ألم وحزن، وننتقل فورا للمنشور التالي أو الفيديو التالي متناسين تماما ما رأيناه

تأملات رائعة يا هيبا وهي لذلك تناسب اكثر مجتمع أفكار مثلاً وليس قصص وتجارب شخصية ولكن على كل كلماتك صادقة فالجميع يريد من المجتمع ان ينصلح حاله ولكن نحن لم نبدأ بانفسنا بعد. ولذا، انا من سنين بدات أفعل شيئ بسيط جدًا وهو أن أبتسم في وجه كل من يقابلني وألأقي عليه السلام سواء أعرفته أم لم أعرفه. ابتسامة صادقة تعبر عن المودة لمن نعرف ولا نعرف تصنع الكثير في نفوس الناس. بالطبع مع المعاملة الحسنة ومحاولة أن نعلو فوق الخلافات في العمل أو في الشارع أو في وسائل المواصلات وتبني توجه الإصلاح بين الناس.

شكرا على كلماتك وتنبيهك لي في هذه النقطة لانني لم انتبه في أي مجال يجب نشر هذه المساهمة عموما في المرات القادمة ساعمل في المكان المناسب أشكرك مرة أخرى بارك الله فيك

أحترم ما ذكرته كثيرًا، لأن ما تفعله ليس تفصيلًا بسيطًا كما يبدو، بل جوهر الإصلاح نفسه. أن تبدأ بابتسامة وسلام يعني أنك فهمت أن التغيير لا يُفرض بل يُعاش. هذا النوع من الوعي لا يُرى سريعًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا في النفوس، أثرًا يبقى أطول من أي خطاب. ليتنا ندرك جميعًا أن تهذيب الذات هو أول خدمة نقدمها للمجتمع، وأن اللطف حين يكون صادقًا يصبح فعلًا راقيًا يعيد للناس ثقتهم ببعضهم وبالحياة.

لا أتفق.... مشكلة الانتباه ايضاً مشكلة أخلاقية على صعيد أعمق، وصول الإنسان الحديث إلى حالة قصوى من قلة الانتباه الى درجة التلبد هو نفسه مشكل أخلاقي ،كيف؟ ببساطة لأن الانتباه هو أساس المسؤولية أي خلل الانتباه هو خلل في جهازنا المفهومي الأخلاقي والذي يبدأ من مفهوم المسؤولية، الشخص غير القادر على التركيز على الأغلب هو من تخلى عن مسؤوليته في الفعل و التأثير والتغيير وبالتالي الحكم، ولا التمييز، فلا يتحمل تبعات أفعاله ولا يهتم محاسبة الأخرين أيضاً، فهو سبهلل مع أخرين ، وعندما يتحول العقل إلى مساحة مستباحة بالإشعارات، والمحتوى السريع، والإثارة الدائمة، فلأنه متخلي عن مسؤوليته تجاه نفسه والتزاماته الأخلاقية تجاه العالم، يصبح الإنسان قابلا للتوجيه أكثر من كونه فاعلا حرا، وهذا ماذا يعني ؟ هذا يعنيتراجع القدرة على التعاطف، لأن التعاطف يحتاج حضور ذهني وشعور بالمسؤولية ويعني أيضا تراجع القدرة الاختيار والرفض، لأن الإرادة نفسها مطمورة، لهذا أقول أن قلة الانتباه ليست سوى نتيجة لأزمة أخلاقية جماعية، لأن ما نفقده ليس التركيز بل الوعي والمسؤولية والقدرة على الاختيار الحر.

أقدّر قراءتك التي لم تمر عابرة ولم تقف عند ظاهر الكلمات بل ذهبت إلى ما وراءها حيث المعنى يعيش بهدوء

ما كتبته لم يكن تشخيصا بقدر ما كان محاولة إنقاذ محاولة لأن نعيد للانتباه مكانته كفعل أخلاقي لا كترف فكري

نعم الأخلاق لا تموت لكنها تبهت حين نفقد شجاعة التوقف وحين نختصر الإنسان في لحظة أو رأي أو خطأ واحد

الانتباه الذي تتحدث عنه هو شكل من أشكال الشجاعة شجاعة أن نرى دون أن نجرح وأن نفهم دون أن نعلو وأن نصمت حين يكون الصمت أصدق من الكلام

ما نحتاجه ليس أصواتا أعلى بل قلوبا أعمق ولا أحكاما أسرع بل وعيا أبطأ وأكثر رحمة

أنا لا أكتب لأدين أحدا بل لأذكر نفسي أولا بأن المسؤولية تبدأ من الداخل من طريقة حضورنا ومن أثر كلماتنا ومن قدرتنا على أن نكون ملاذا لا عبئا

حين نختار الانتباه نكون قد اخترنا الإنسانية وحين نبطئ نمنح المعنى فرصة ليظهر

وهذا وحده كاف ليكون بداية مختلفة حتى وإن بدت صغيرة لأنها صادقة

أحيانًا لا يصبح التجاهل هروبًا، بل وسيلة للبقاء حين يرهقنا الفهم الزائد والتفاعل المستمر. لكن الخطر الحقيقي حين يتحول التجاهل من اختيار واعٍ إلى عادة تُخدّر الإحساس، فنعتاد الصمت بدل المواجهة، ونتعايش مع الخطأ لأنه الأسهل.

ربما المشكلة ليست في التجاهل نفسه، بل في السبب وراءه: هل نتجاهل لأننا اخترنا السلام، أم لأننا تعبنا من المحاولة؟ هنا الفرق.