السفر .. حين يفتح العقل ويهذّب الفهم

  • ZARADO01

السفر… حين يفتح العقل ويهذّب الفهم

يقول الإمام الشافعي:

سافرْ فَفي الأسفارِ خَمسُ فوائِدٍ … تَفَرُّجُ هَمٍّ واكتِسابُ مَعاشِ

وَعِلمٌ وآدابٌ وصُحبَةُ ماجِدِ

السفر ليس مجرد انتقال من مكان لآخر، بل انتقالٌ من رؤية ضيقة إلى أفق أوسع. البيئة المختلفة تجعلك تُدرك أنك لست مركز الكون، وأن وطنك ليس “أجمل الأوطان” بالضرورة، وأن أفكارك ليست النموذج الكامل الذي كنت تتصوره.

في الهند، أدركت كيف ينشأ سوء التفاهم بين الشعوب. السر بسيط: اسأل.

لا تفترض. لا تُصدر حكمك من أول نظرة. فالنتائج التي نصلها من تلقاء أنفسنا قد تكون خاطئة… بل كارثية.

لفت انتباهي كثرة المعابد وتعدد الآلهة هناك. رأيت الناس يقدمون الطعام للآلهة، فسألت المرشد بلهجة فيها شيء من الاستغراب: “هل الإله يحتاج طعامًا؟”

ابتسم بأدب، لكن نبرة صوته قالت الكثير. شرح لي حكمة قديمة: أن بعض البشر—مهما اشتدت حاجتهم—لا يسألون أحدًا طعامًا كي لا يشعروا بالدونية. لذلك يضعون الطعام في المعبد بلا صاحب… ليأكل منه المحتاج دون منّة أو إيذاء معنوي.

وتذكرت حادثة لولا أنها انتهت بسؤال لكانت تحولت إلى سوء فهم خطير.

كان جارٌ لنا في العمارة—هنديّ الجنسية—يرى أننا في رمضان نجتمع في سطح العمارة لنتناول الإفطار ونصلي الجماعة. وضع الإمام يومًا كرسيًا أمامه حتى لا يمر أحد فيقطع صلاته. جاء الرجل أثناء الصلاة، وشاهد المشهد ..

بعد انتهائنا، ذهبت إليه فوجدته في حيرة شديدة. سألني:

“هل أنتم… تعبدون الكرسي؟”

تخيّل! ما رآه بأمّ عينه دفعه لاعتقاد غريب لأنه لم يسأل.

شرحت له، فضحكنا، لكنني أدركت يومها أن الأمم قد تَسُوء ظنونها ببعضها بسبب لقطة واحدة تُفهم خطأ.

الخلاصة:

السفر لا يفتح الأبواب الجديدة فقط، بل يفتح العقول.

ومن لا يسأل… يضلّ الطريق.

  • ما أكثر سوء فهم شاهدته أو مررت به بسبب اختلاف ثقافي؟
  • هل تعتقد أن السفر ضرورة لفهم الشعوب، أم يمكن تحقيق ذلك بالقراءة وحدها؟
  • كيف نتجنب إصدار الأحكام السريعة على ثقافات لا نعرف عنها الكثير؟
  • هل سبق أن ظنّ أحدٌ عنك شيئًا خاطئًا بسبب مشهد ناقص أو معلومة مبتورة؟
يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

شكرًا على الأمثلة التي أوردتها فقد أوضحت الأمر كثيرًا وكيف أن سوء الفهم يمكن أن يتسبب في اكتساب الشخص فكرة خاطئة عن دين أو ثقافة أو بلد معين.

السفر يمكن أن يحقق الكثير من الفوائد بشرط أن يكون لدى الإنسان نية ورغبة في التعلم أو حتى فضول، فهناك من يسافروا للاستلقاء على الشواطئ وتقضية الوقت في الشراء والتسوق فقط، ولذلك قد يكون الشخص الذي لديه النية للتعلم قارئ وليس مسافرًا ويعرف الكثير عن الثقافات الأخرى بالفعل.

شكرًا على الأمثلة التي أوردتها فقد أوضحت الأمر كثيرًا وكيف أن سوء الفهم يمكن أن يتسبب في اكتساب الشخص فكرة خاطئة عن دين أو ثقافة أو بلد معين.

شكراً على مرورك .. انا دائماً احب الأمثلة فهي تختصر المعني المراد بكل سهولة ويسر ..

“هل أنتم… تعبدون الكرسي؟”

للأسف أغلبنا يحكم على أي شيء من الظاهر ولا يرى الصورة كاملة، لذا عودت نفسي دائما ألا أحكم على أي شيء ولا أبدي رأي إلا بعد قراءة الصورة كاملة أو الاطلاع عليها، مهما كانت ثقتي بالطرف الذي أسمع منه لابد أن أسمع من الطرف الآخر لأن أحيانا الطابع الشخصي يؤثر على الكلام وطريقة السرد وبعض البهارات توضع كدافع شخصي.

هل سبق أن ظنّ أحدٌ عنك شيئًا خاطئًا بسبب مشهد ناقص أو معلومة مبتورة؟

هههه كان هناك انطباع مكون عني دائما اني مغرور وهذا فقط لأني أسير لا أتحدث مع أحد في الشارع الذي أسكن فيه، ألقي السلام فقط وأكمل طريقي وهذا كان بالنسبة لهم غرور وتكبر ولكن بالاختلاط معي يقرون أنهم اكتشفوا عكس ذلك تماما

ZARADO01 أضف ردا

نعم خرج بمعني اننا نعبد الكرسي وهذا وارد لأن عندهم "يعبدون" كل شئ تقريباً .. تخيل أنه لم يجازف يسألني مع إحتمال أن يبدو بصورة الغبي .. لكانت مشكلة لأنه صار "متأكد" أن المسلمين يعبدون "الكرسي" ..

شكرا على مرورك واهتمامك

قرأت في كتاب عن التفاوض كيف أن اختلاف الثقافات يمكن أن يسبب سوء الفهم، فقد جلس مستثمر أجنبي مع مستثمرين من بلد لها عادة المماطلة في التفاوض حتى يستطيعوا الحصول على أفضل صفقة، وحاول المستثمر الأجنبي إقناعهم لمدة أكثر من شهرين ولم يتمكن فقرر الانسحاب أخيراً وغادر المفاوضات، وفوجىء أنهم اتصلوا به بعد مغادرته ليخبروه موافقتهم، لكنه كان استاء جداً، بعد قليل عرف المستثمر أن مغادرته وانسحابه في ثقافة هذا الشعب تعني الجدية وأن العرض نهائي، ولو كان يعلم ذلك مسبقاً لغادر مبكراً ولم يكن ضيع الوقت في مناقشات يتعبرها أهل الثقافة الأخرى نوع من المماطلة واللف والدوران.

نعم هذا ايضا مثال جميل لإختلاف الثقافات وسوء الفهم ..

وانا اكتب الآن لا ادري لماذا تذكرت مشهد من فلم لـ جاكي شان في امريكا .. كان يمسك بيد اخيه المتخلف عقلياً ويبتسم للمارة معتذرا ومردداً: "انه أخي" .. الى وقت قريب لم أفهم المشهد .. وعرفت اخيرا أن "رجلان في امريكا يمسكان ايدي بعض" معناها انهم شواذ هههههه لذلك كان المسكين يشرح للجميع أنه اخوه .. 😜☺️😜

هل تعتقد أن السفر ضرورة لفهم الشعوب، أم يمكن تحقيق ذلك بالقراءة وحدها؟

السفر يعطينا فهم لا تصل له القراءة وحدها لكن هذا لا يقلل من قيمة الكتب القراءة تساعدنا على معرفة تاريخ الشعوب وثقافتهم وطريقة حياتهم هي تمنحنا صورة عامة دون جهد كبير أما السفر فيُريك التفاصيل التي لا تُكتب كيف يتعامل الناس وكيف يتحدثون وما هي عاداتهم اليومية هذه الأشياء لا نشعر بها إلا عندما نعيش بينهم لذلك القراءة تُعرّفنا على الشعوب لكن السفر يجعلنا نلمس تفاصيلهم اليومية.

أحسنتي .. شكراً على مرورك الغالي

أنا دايمًا أحلم بالسفر، فأنا أحب اكتشاف العالم وفهم الثقافات المختلفة. ولأن السفر هواية مكلفة، أحاول دائمًا أن أحوش له وأخطط له بعناية، فهو بالنسبة لي أكثر من مجرد تغيير مكان، إنه نافذة لتوسيع الأفق وفتح العقل.

ربنا يحقق لك امنيتك .. فعلاً هواية مكلفة بس من افضل الهوايات ..

شكرا على مرورك