لطالما حيّرني هذا السؤال: لماذا يجهل الناس قيمة النعم التي بين أيديهم وغيرهم يتمناها؟!
لدي قريبتان شقيقتان يجمعهما الدم والرحم لكن فرقهما خلاف عابر لم يستحق أكثر من دقائق عتاب قالت إحداهما في لحظة غضب:
– لا أريد أن أراها ثانية، حياتي من دونها أجمل
حين سمعت ذلك، تساءلت بدهشة: أيعقل أن تقول الأخت عن أختها هذا الكلام؟ أحقًا يُضحّى برابطة الدم لأجل خلاف تافه؟!
"حوار لم أنسه"
قلتُ لها بهدوء:
– "الأخت نعمة، ويجب أن تحافظي عليها. غيركِ يتمناها، وأنا أولهم"
لكنها ردّت ببرود:
– "لا… أن تكوني وحيدة بلا أخت أفضل وأحسن."
سكتُّ مندهشة، وسألتها:
– "كيف تقولين هذا؟ وهل الوحدة أهون من أن يكون لكِ سند من لحمك ودمك؟"
قالت وهي ترفع رأسها بثقة غريبة:
– "الأخت تُشعل الغيرة، تُقيّد الحرية، تُقاسمك كل شيء حتى أنفاسك. الوحدة أرحم من وجع المقارنة والغيرة."
نظرتُ إليها طويلًا وأنا أحاول أن أستوعب. لم أجادلها كثيرًا، لكن قلبي كان يصرخ: ليتكِ عشتِ يومًا مكاني لتفهمي ما معنى أن تمسحي دمعتك بنفسك، وتربّتي على كتفك بنفسك، وتضحكي أمام الناس بينما قلبك يتفتت من الداخل. ولو عندك أخت لما تألمتي لهذه الدرجة ...
"وجع لا يُرى"
المفارقة أن البعض يظن أن حياتي أجمل لأني بلا أخت تشاركني أغراضي أو محبة والديّ، ويقولون ساخرين: "أنتِ سعيدة لأنك المدللة الوحيدة عند أهلك"
لكنهم لا يعلمون أني أبكي كل ليلة لأنني وحيدة. لا أحد يفهمني، لا أحد يواسيني، لا أحد يخفّف عني. أرمم نفسي بنفسي وأكابر على ضعفي، ولو كان لي أخت لما احتجت لكل هذا التماسك المرهق.
أملك والدين يقدّمان لي كل شيء مادي ولم يقصّرا يومًا في حبي ورعايتي لكن هل يكفي المال ليملأ فراغ الروح؟ وهل يغني عن الإصغاء والاحتواء والمواساة؟
"الأخت ليست مجرد قريبة"
إنها ظلّك الذي يمشي معك أينما ذهبت، مرآة قلبك التي تعكس ألمك قبل فرحك، نصفك الآخر الذي يكتمل بك. هي كتف تبكي عليه دون حرج، وصوت يهمس لك: "أنا معك" حتى لو سكت العالم كلّه.
أحيانًا أشعر أنني خُلقت لأعطي الحب، لكني لم أجد من يبادلني إياه. أضحك أمام الناس كي لا يعرفوا أني من الداخل أذوب، وأظهر قوية كي لا يشفقوا عليّ، بينما كل ما أحتاجه هو قلبٌ واحد يفهمني… وربما لو كان عندي أخت لكان قلبها هو ذلك القلب.ربما الوحدة قدري، لكن قلبي ما زال يحنّ لظل أخت لم تُكتب لي.
هذه قصتي مع الوحدة…
قصتي التي لا يعرفها أحد. أشاركها معكم لأعرف الجواب على الأسئلة التي حيّرتني:
- لماذا البعض لا يقدّرون النعمة التي يملكونها وغيرهم يتمناها؟
- هل حقًا الوحدة أرحم من وجود أخت؟!
التعليقات
الأخوة نعمة بكل المعاني
لكن أحيانًا، البعض يقول في لحظة الغضب كلامًا لا يعنيه حقًا. يكون الحزن مسيطرًا، والخيبة أكبر من طاقته، فينطق بما يوجعه قبل أن يوجع غيره قد تقول أخت لا أريد أن أراها ثانية وهي في أعماقها تشتاق، لكنها فقط لا تعرف كيف تعبّر عن ألمها.
الخلافات بين الإخوة أمر طبيعي، لكن المؤلم أن يتحوّل الخلاف المؤقت إلى جفاء طويل. حين نملك النعمة ونراها كل يوم، ننسى قيمتها، نعتقد أنها ستبقى للأبد، فلا نحافظ عليها كما ينبغي. فقط من عاش الوحدة يعرف كم هي قاسية، وكم وجود الأخت بجانبك نعمة لا تُقدّر بثمن.
بالتأكيد الوحدة ليست سهلة، ولا شيء يُعوض دفء العلاقة بين الأخوات، مهما كان لنا من أصدقاء وأهل. لكن بعض الناس يظن أن البعد أريح من القرب الذي يحمل معه المقارنة أو الغيرة أو الاختلافات. وربما يكون هذا الشعور مؤقتًا، يزول حين يصفو القلب ويهدأ العقل.
شكرًا على تعليقك، كلامك صحيح بالفعل، وربما كانت الكلمات في البداية نتيجة لحظة غضب وألم.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا، فقد مرت أيام وشهور دون أن تتكلم الأختان مع بعضهما، وكل واحدة منهما صارت تقول في صمتها: "لا أريدها في حياتي".
الصمت الطويل والبعد أصبحا يرويان القطيعة أكثر من أي كلمة، وهنا يظهر كم أن النعمة موجودة أمامنا، لكنها أحيانًا تُهمل أو تُفهم خطأ.
ومن يعيش الوحدة فقط يعرف كم هي قاسية، وكم وجود الأخت نعمة لا تُقدّر بثمن.
بعض الأشخاص يمثلون عبء على بعض، قد يرجع ذلك لاختلاف الطباع أو اختلاف طرق الفهم والتفكير، لكن كذلك قد يرجع لأن ليست كل النفوس صافية وراضية، بين النفوس يوجد شر أحياناً.
لذلك لا تلومي صديقتك فربما أختها فعلاً كما قالت.
شكرًا على وجهة نظرك، كلامك منطقي. صحيح أن أحيانًا اختلاف الطباع أو النفوس غير الصافية قد يجعل العلاقة صعبة.
لكن من المؤلم أن تستمر المسافة والبعد طويلاً بين من يفترض أن يكونوا أقرب الناس إلى القلب.
أنا أتفهم أن كل شخص له طريقته في التعبير عن الألم، لكن يبقى شعور الوحدة وفقدان الحنان الذي تأتي به الأخت شيء صعب جدًا على القلب.
لا أدري كيف تعيش الشقيقتان في نفس المنزل ويظلان بالشهور صامتتين لا تكلم الواحدة أختها؟! أو حتى كيف لا يتدخل باقي الإخوة للإصلاح بينهما أو حتى يتدخل الوالدان فلا يصح أن يحدث هذا في حياتهما وعلى أعينهما! ولكن أفهم من طرحك أنهما متزوجتان وكلواحدة مستقلة ببيت وأطفال وزوج ولذا فالقدرة على البعد وعلى القطيعة أسهل فهما لديهما ما يشغلهما عن بعضهما البعض بالأولاد و الأزواج ومشاغل الحياة وإن كنت قد أسأت الفهم فأرجو أن تصححيني.
فكرة أن يقدر أحد نعمة غيره يتمناها هذه مستحيلة، هناك حكمة مفادها أنه لا يعرف قيمة الخبز العفن إلا من أوشك الموت من الجوع، ولا يعرف حلاوة ماء الإبل إلا من اهلكه عطش الصحراء ( ماء الإبل هو فضلاته كان يشربها العرب إذا اوشكو أن يموتو من العطش) بنفس المنطق من معه النعمة لن يقدرها إلا لو فقدها فقد كلي.
هذه الأخت التي تعجبتي منها تمهلي عمر إلى مثلاً أن تموت الأخرى وانظري قدر حزنها ستفهمي الأمر.
في أول عملي كنت اشتكي من قلة الراحة واقول عمل كثير وهذا مرتاح وهذا مرتاح وأنا لا، لكن في يوم اتذكره كأنه أمس قابلني عجوز ولله حتى يمشي لآخر الشارع بحاجة لساعة يجر بها الخطى، يومها كان معي كيس قمامة عرض علي أن يرميه بدالي مقابل خمس جنيهات فرفضت وقبل أن أعطيه الذي يحتاجه ظن أنني رفضت كلياً فقال ارميه بثلاثة جنيهات أي مبلغ حتى، جلست معه يومها فقال ابحث منذ شهر عن عمل ولا أحد يرضى وأنا بحاجة للمال، يومها تأملت الأمر أنا الذي غارق في نعمة التوفيق والعمل وعدم الحاجة واشتكي فكيف هو حاله! لذلك نقتضي بقولة الرسول ونقول ( الحمدلله على نعمك التي لا تعد ولا تحصى)
شكرًا على وجهة نظرك وحكمتك، كلامك مليء بالعبرة. صحيح أن من فقد النعمة فقط يعرف قيمتها، وتجربتك مع الرجل العجوز مثال حي على ذلك.
لكن تجربتي مختلفة قليلًا؛ فالشعور بالوحدة وفقدان وجود الأخت يظل مؤلمًا حتى مع وجود نعم أخرى حولي.
ربما لا يمكن مقارنة الفقدان المادي بفقدان الحنان والاحتواء الذي تأتي به الأخت، فهذا نوع من النعمة لا يقدر قيمتها إلا من عاش غيابها.
ومع ذلك، أتفق معك تمامًا: الحمد لله على كل النعم التي أمتلكها، لكن القلب يحن أحيانًا لشيء لا يمكن للمال أو الراحة تعويضه.
هل حقًا الوحدة أرحم من وجود أخت؟!
ليس دائما، الأمر غير عام، وقد تكون فعلا الوحدة أرحم من وجود أخت غيورة وفي الأسوء حقودة، في المقابل قد يمن الله على الفرد بأخت، نعم الأخت، تجمع بين الحب والحنان والسند والدعم والتشجيع والصدق والوفاء وغير ذلك، مما يجعل وجود أخت في حياة الواحد منا، نعمة النعم، وهذا يعود بالأساس إلى التربية السليمة، من طرف والدين مسؤولين واعيين، يحسنان تنشئة أبنائهما، وغرس بذور المحبة والتعاطف والتآزر بينهم، ليمثلوا حقا رمز الأخوة الصادقة الخالصة، التي تسمو فوق الخلافات الطارئة، واختلافات الطباع والأمزجة.