🎙️ [تسجيل 1 – الساعة 6:18 مساءً]

أنا كنت قاعد في الأوضة، ساند ضهري كأن الأرض مش مستنية مني حاجة.

الجو حر، والريحة فيها دخان، والسماء باهتة كأنها تعبت من الصراخ.

جنب محل مقفول، شوية شباب واقفين حوالين موبايل صغير،

صوت مذيع بيقرأ أخبار، وصوت انفجار بعيد لسه بيرن في الهوا.

واحد فيهم كان بيكلم صاحبه، صوته مكسور، وعينيه محمرة من البكا.

وبعدها بشوية، سمعته بيزعق:

"إيه النت ده!؟ فصل تاني؟!"

ضحكت في سري… ضحكة طلعت من غير طعم.

وقلت:

"في واحد بكى وهو بيتكلم عن اللي بيحصل… وبكى تاني، لما النت فصَل."

وأنا؟

ولا دمعة.

ولا حتى دقة قلب زيادة.

كأن المشهد ده اتعاد عليا ألف مرة… وبقى ممل.

المشهد اختفى من دماغي وأنا راجع البيت… وصحيت على صوت المنبه، مع إني مكنتش نايم أصلاً.

قمت من على السرير كأن جسمي بيتحرّك لوحده،

غسلت وشي، بصيت في المراية،

وشّي كان باصصلي من غير تعبير…

نفس الوش كل يوم… كأن الزمن مش بيعدي عليه.

لبست هدومي اللي فوق الكرسي من امبارح،

نزلت الشارع، الشمس طالعة بس الدفا مش واصل ليا.

الناس بتجري، بتضحك، بتزعق،

وأنا ماشي وسطهم كأني دخان.

دخلت المحل اللي بشتغل فيه،

قعدت ورا الكاونتر، بصيت على الساعة…

لسه 9:02 الصبح.

المفروض أشتغل لحد 5.

بس الحقيقة… أنا بستنّى الساعة 5 من أول ما بدخل.

زبون سألني عن حاجة،

جاوبته بنفس النبرة، من غير أي محاولات أقنعه…

نفس الجملة اللي حافظها، مش مؤمن بيها.

هو نفسه باين عليه مش مقتنع، وأنا كمان.

هو بيشتري علشان يحس إنه لسه بيختار،

وأنا؟ ببيع حاجات… وأنا مش لاقي حاجة أشتري بيها معنى.

كملت شغل،

حد خبط حاجة، حد ضحك جامد، حد زعق…

وأنا زي الحيطة.

ده أول تسجيل ليا.

مش أول مرة أحكي، بس أول مرة أسجّل.

يمكن علشان اللي جوايا بيموت بهدوء،

وأنا حابب أسمعه وهو بيموت.

في حاجات كتير بتحصل،

وأنا واقف كأني مش جوّاها،

كأني "كومبارس" في فيلم مش بيخلص.

حسيت إن الناس حواليّا لسه بتحس،

وأنا؟ لأ.

واللي بيخوفني مش إني مش حاسس،

اللي بيخوفني… إني مبقتش مستني أرجع أحس.

🎙️ [تسجيل 2 – الساعة 2:41 مساءً]

الصوت لسه زي ما هو… الهوا بارد، وأنا أبرد.

بصيت على الساعة… 2:41.

رقم عادي، بس حسيت كأني شوفته قبل كده وأنا بدوّر على حاجة تسند بيها يومي… وانسيت أنا كنت بدوّر على إيه.

كنت واقف في نفس مكاني، لدرجة إن البلاط تحت رجلي شكله اتشكّل على وضعي.

عيني على الباب… مش علشان زبون،

بس علشان أعدّ الناس اللي لسه بتتحرك.

دخل راجل كبير، شكله كان عايز يشتري حاجة،

بس أول سؤال سأله كان:

"النهاردة الكيلو بكام؟"

مع إننا مش بنبيع أكل.

يمكن خلاص… الأسعار بقت هي الحياة.

قلتله السعر،

قال: "غالي."

ضحكت… مش علشان الموقف،

لكن علشان الكلمة بقت عادة، زي عطسة.

كله بيقول "غالي".

الراجل بصلي وقال:

"ربنا يعينك."

ومشي، كأن الدعوة دي مش ليا… كأنها للجميع.

زبون تاني قاللي النهاردة:

"المرتب بيخلص قبل ما ييجي."

قلتله:

"مش المرتب، إحنا اللي جينا قبل معادنا."

ضحك.

ضحكة نصها ألم، والنص التاني هوا.

يمكن بنضحك علشان ده الصوت الوحيد اللي مش مرعب دلوقتي…

أنا مش عارف ليه بسجّل،

بس يمكن علشان لما أنسى أنا كنت إزاي،

أفتح التسجيل وأفتكر…

إني كنت واقف.

بس مش واقف تمامًا.

🎙️ [تسجيل 3 – الساعة 11:56 مساءً]

الشارع فاضي… الهوا ساكن… ورائحة الدخان لسه معلقة، كأنها مش ناوية تمشي.

النهارده خلص… أو يمكن هو ما بدأش أصلاً.

الوقت بقى كتلة واحدة، مفيهاش بداية ولا نهاية.

الأنوار في الشارع مطفية في نص العمارة… والباقي بينوّر ويطفي لوحده.

في واحد بيكلم في التليفون بصوت واطي، بيقول: "أنا بخير."

عرفت من طريقته إنه بيكذب.

حتى الكذب بقى روتين، زي التنفس.

أنا مش تعبان من الشغل،

أنا تعبان من فكرة إني موجود من غير ما أشارك في أي حاجة.

يمكن بعمل التسجيلات دي علشان أسمع صوتي وأفتكر إني لسه هنا،

حتى لو مفيش حاجة جوايا بترد.

🎙️ [تسجيل 4 – الساعة 4:07 عصرًا]

الشمس عالية، بس البرد سابقها.

واقف ورا الكاونتر… مش شايف الناس كأفراد، شايفهم كتيارات بتمر.

واحدة سألتني عن حاجة،

جاوبتها بنفس النبرة اللي جاوبت بيها مية قبلها.

هي قالت "شكرًا"،

وأنا قلت "العفو"،

ومحدش فينا كان يقصد الكلمة.

بدأت أحس إني مش بس واقف،

أنا بقيت جزء من الديكور… موجود علشان أكمّل الصورة، مش علشان أعيشها.

يمكن بكتب… أو بسجّل… علشان لو في يوم الصورة دي اختفت،

يبقى في دليل إني كنت موجود فيها… حتى لو كنت مجرد خلفية.

🎙️ [تسجيل 5 – الساعة 12:03 بعد منتصف الليل]

الليل هادي، والمدينة نايمة،

وأنا حاسس إني بقيت ظلّ… بيتحرّك لما الجسد يتحرّك، بس ملهوش إرادة.

بصيت من الشباك،

كل حاجة تحت عاملة زي فيلم صامت… حتى العربيات صوتها مخنوق.

في لحظة حسيت إني مش بدوّن يومي…

أنا بدوّن اختفائي.

يمكن كل تسجيل هنا مش علشان أفتكر إيه حصل،

لكن علشان أثبت إني كنت بختفي ببطء،

ومحدش لاحظ… حتى أنا.