أشجار العطاء 🌳

كان الصيفُ ينسابُ كالنهر الهادئ بين تلال القرية، حيث الهواءُ نقِيٌّ كقلب طفل، والأرضُ تتنفَّسُ عطرًا بعدَ كلِّ قطرة مطر. هناك، في منزلي الصيفيِّ البسيط، انهمكتُ يومًا في غرسِ شتلاتٍ صغيرة من التفاح على حافةِ التُّصوينة المُطِلَّة على الطريق. كانت أصابعي تتعمَّقُ في التربةِ الرطبة، كأنها تُصلّي شكرًا للأرضِ التي لا تبخلُ علينا بخيرها.

النصيحة التي اهتزَّت لها روحي

......................................

فجأةً، اقتربَ منّي جاري الشيخُ "أبو علاء"، وقد غطَّى ظلُّ قبعتهِ العريضة وجهَه المُحفَّر بتجاعيدِ السنين. نظرَ إلى الشتلاتِ الصغيرة، ثم قالَ بصوتهِ الهادئ الذي يحملُ حكمةَ الأجداد:

لِمَ تزرعُ هنا يا بُني؟ هذه الأشجارُ إن كبُرت، لن تذوقَ ثمرتَها.. كلُّ عابرِ سبيلٍ سيمدُّ يدهُ إليها!

توقَّفتُ للحظة، وكأنَّ كلماتهُ دفعتني إلى أعماقِ نفسي. لم أكنُ أفكّرُ في الثمرِ يومَ غرستُها.. كنتُ أزرعُ لأنَّ قلبي يُحبُّ اخضرارَ الأرض، ويشتاقُ إلى ظلٍّ يُواربُ حرَّ الشمس عن عابري الطريق. لكنَّ كلامه أضاءَ في داخلي نيّةً جديدة:

"لِـيَكُنْ ثمرُها هِبَةً لكلِّ من يمرُّ مِن هنا.. فمن يشتهي، فليأخذْ بِسُخْرٍ!"

البركة التي لا تُفسِّرها قوانينُ الزراعة !

............................................

مرَّت الأيامُ، والأشجارُ الصغيرةُ بدأتْ تتمدَّدُ كأيادي طفلٍ ينمو. لكنَّ الغريبَ — والذي جعلَ أبا علاء يُحدِّقُ مليًّا — أنَّ أشجارَ الطريقِ هذه صارتْ أكثرَ غصونًا، وأوفرَ ثمرًا من أشجارِ البستانِ نفسِه! كان التفاحُ عليها أكبرَ حجمًا، وأحلى مذاقًا، وكأنَّ الأرضَ تُكافئُها على سرِّها الجميل.

ذاتَ مساء، بينما كنتُ أراقبُ غروبَ الشمسِ الذي يصبغُ الثمارَ بلونِ العسل، رأيتُ امرأةً عجوزًا تقفُ تحتَ إحدى الأشجار. مدَّت يدها بخشوعٍ، ثم التقطتْ تفاحةً، وأخذتْ تقضمُها بابتسامةٍ طفوليّة. في تلك اللحظة، فهمتُ سِرَّ البركةِ التي لا تُرى:

إنَّ الرزقَ الذي لا يُحاطُ بسياجِ الأنا، يُباركُ له اللهُ في العطاءِ والنماء!

درسٌ من الأرض

....................

اليوم، بعدَ سنوات، صارتْ تلك الأشجارُ علامةً في القرية. يأتيها الناسُ من كلِّ حدبٍ، لا ليجنوا ثمرَها فقط، بل ليتعلّموا من دروسِها الصامتة. وأنا، كلَّما رأيتُ طفلًا يقفزُ ليقطفَ تفاحةً، أو مسنًّا يستظلُّ بفيئها، أتذكَّرُ كلماتِ جاري القديمة.. وأبتسمُ لِنَيّتي التي حوَّلتْ نصيحتَه إلى نبوءةِ خيرٍ.

لعلَّ الحياةَ ليستْ سوى شجرةٍ نغرسُها بلا حساب، ثُمَّ نكتشفُ أنَّ جذورَها امتدَّتْ إلى السماء! 🌳 🌳

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

في مثل هذه الحكايات، أرى أن البركة لا تأتي من النتائج فقط، بل من النية اللي غرست بها أول مرة. هذه القصة لم تكن مجرد حكاية عن أشجار وتفاح، بل كانت درسًا عميقًا عن النية الطيبة، وعن الخير الذي نزرعه دون انتظار مقابل ، أكثر ما لفتني هو لحظة كلام الشيخ " أبو علاء" حين قال: هذه الأشجارُ إن كبُرت، لن تذوقَ ثمرتَها.

هنا شعرت أنه لم يكن يعترض، بل كان يختبر نيتك، يراك: هل تزرع من أجل الأخذ؟ أم تزرع لأن قلبك يحب العطاء؟

والجميل أنك لم تتراجع، بل أكملت الغرس بنية أن يكون الخير لغيرك، وهذه النية وحدها كافية لأن تصنع البركة، حتى دون أن نفهم كيف.

لقد أحببت قصتك لأنها تُشبه ما نحتاجه اليوم… أن نغرس بلا شروط، أن نُعطي بلا حساب، وأن نؤمن أن البركة لا تأتي فقط من العمل، بل من القلب الذي يعمل

ما أجمل مساهمتك، و ما أروع كلماتك، بالفعل عندما نجعل الله في معادلتنا تحل البركة، بالأمس كنت في طريق عودتي للمنزل مع أسرتي، ركبنا سيارة تاكسي في الطريق اوقفتنا امرأة عجوز لم يكن معها ثمن التوصيلة، عرضت عليها الدفع ليرفض السائق وقال أن هذا لله، وأن عند قيامه بمثل هذه الأعمال يبارك الله له في رزقه ويجنبه شر الطريق، عندما نضع الله في معادلتنا نكسب ونربح

مفردات بليغة ومعاني رائقة أخي أيمن، أهنيك على نظرتك الكريمة في زرع الأشجار، وفي نفس الوقت مقابلتها بزرع الخير في تربة الحياة، وكلامك صحيح بالطبع.

كما أن كلام جارك الشيخ "أبو علاء" كلام صحيح، فهو يتحدث من منظور اقتصادي خبير، فالشجر والزراعة بالنسبة له تكلفة اقتصادية يجب أن يعوّض ثمرها تكاليف زراعتها، وإلا سيخسر المزارع رأس ماله،الذي يعتمد عليه لمعيشته ومعيشة أولاده.

نيتك مثل تفاحة زرعتها بمحبةلكن سيأكلها جائع، أو يفرح بها طفل، أو يُشفى بها مريض…

وفي السماء، سيُكتب لك الأجر وكأنك أكلت من كل شجرة تفاح على وجه الأرض.حين ننوي الخير لغيرنا دون انتظار مقابل، حتى لو كان ما نزرعه لا نأكله نحن، بل يقطفه غيرنا… فإن الله يبارك في الزرع، ويجعل في الثمرة بركة لا تُوصف، حتى لو لم نذقها نحن، نشعر بها في راحة القلب، وفي الرضا، وفي الخير الذي يعود إلينا من طرق لا نتوقعها.