الألم معلم صامت يقودنا للأعماق

لا عدوّ فيه، بل هو دلالةُ طريقٍ تُنقّي الروح وتضيء زوايا لم نكن نعلم بوجودها. الألمُ يوقظنا من رُقْدٍ طويل؛ يجعلنا نراجعُ أنفسنا، نعيدُ ترتيبَ إنسانيتنا، نُدركُ حدودَنا ونقفُ عند نقائصنا. وفي كثير من الأحيان، يقسو بنا هذا المعلم: يصقلُ القلب أو يشققه، ويجعلُ لبعض الأشياء التي كانت تُذوّقنا لذةً شغفًا، حنينًا، تواصلاً أن تفقد معناها حين يطول الحرمان عنها.

إن شدة الحرمان قادرةٌ على تحويل أكثر الرغبات اشتعالًا في النفس إلى ذكرى باهتة؛ لأن النفس، عقب طول انتظارٍ وألمٍ، قد تُغلّفُ عاطفتها بدرعٍ من البرود حفاظًا على نفسها. ما كنا نعظمهُ يذوب، وما كنا نترقّبُه بلهفةٍ صارَ بلا طعمٍ حين يأتِي متأخرًا. هنا تكمن المأساة: أن نفقدَ ذواتنا داخل غَبار الانتظار، أن نصيرَ ظلالًا على مقاعدِ شغفٍ رحل.

لكن هل يليقُ بنا أن نترك الألمَ مجرد سجلِّ خسارة؟ أم نستطيعُ أن نحوّلهُ إلى عملٍ قائمٍ بذاته، إلى أثرٍ يصمدُ بعدنا؟

الحرمانٌ حين يُفهم ويُستثمر قد يتحول إلى وقودٍ للمبادرة. قد يفتحُ لقلوبنا نوافذَ رحمةٍ مع الآخرين، فيصبح الألمُ محرّكًا للعمل الاجتماعي، لمشروعٍ يلبّي حاجاتٍ كنا نشتاقُ إليها ولم تلبَّ لنا. من فقدَ حنانًا لِمَن لا يجدُ من يحنو عليه، قد يؤسسُ ملاذًا لمن فقدوا؛ من عاش عوزًا في التعلم قد يُنشئُ مكتبةً أو برنامجًا تعليميًا؛ ومن جُرحت رغبةً في العطاء قد يؤسسُ مؤسسةً تُعيدُ صنوفًا من الكرامة والفرح إلى من حُرموا.

هنا يصبح الألمُ أخفّ: ليس لأن الجرح زال، بل لأن له سببًا ونهايةً موضوعةً في خدمة الآخرين. حين نرى ما تَركناهُ ينمُ أمامَ أعيننا، ونسمع صدى فرحٍ لمبادرةٍ بذرناها من ألمنا، يتبدّد جزءٌ من ثقلِنا. نجهدُ لإعادة إنتاج ما حُرمنا منه، لا كحقدٍ أو ثأرٍ، بل كعطاءٍ متجسّد. ونكتشف أن في قدرتنا على التحويلِ شفاءً لا يقل أثره عن أي دواءٍ.

ولعلّ أروع ما في هذا التحويل أن أثره لا ينتهي مع زوالنا؛ مشروعٌ واحد، فُكرةٌ بسيطة، يدٌ ممدودة، قادرةٌ أن تُغيّر حياةَ من لم نرهُم بعد. حين نصنعُ من ألمنا جسراً لغيرنا، نحيا نفْسَ الخيّرةِ مجددًا في وجوهٍ أخرى. يصبح الألمُ حينها وصيّةً إنسانية نتوارثها: لا تَكفّ عن العطاء لأنك قد تُحرم، بل أَعطِ لأن عطاءك هو الدليلُ أن الألمَ لم يهزمك.

في ختامِ ذلك: حين نتمكن من توظيف المنا نكتسبُ حكمةً رقيقة وهي : أن نستخدِمَ ألمَنا معلّمًا، لا قاتلاً؛ دليلاً، لا عثرة. ونعيشُ، في ذلك، بصدقٍ أعمق وبأثرٍ يبقى بعدنا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

"إن شدة الحرمان قادرةٌ على تحويل أكثر الرغبات اشتعالًا في النفس إلى ذكرى باهتة؛ لأن النفس، عقب طول انتظارٍ وألمٍ، قد تُغلّفُ عاطفتها بدرعٍ من البرود حفاظًا على نفسها

هذا الجزء يبين الإنسان أحيانا يحاول يحمي نفسه من الانكسار المتكرر فقدان الرغبة ليس دائما ضعف بل ممكن يكون طريقة للبقاء النفس عندما تغطي مشاعرها بالبرود لا يكون قصدها قسوة لكن حتى تحمي نفسها من التعب المستمر ومع ذلك في خطر أن القلب يتعود على هذا الدرع ولا يعرف يرجع يعيش من جديد يمكن الحكمة نلاقي توازن بين حماية أنفسنا وبين ترك نافذة صغيرة مفتوحة يدخل منها نور يعيد لنا الحياة

نعم أحسنت يجب أن نجاهد بأن لا ننسى التوازن حتى لا نتشبث باليأس والقسوة

نحن كمجتمعات حديثة نعطي الألم فوق حجمه بكثير، صحيح أن حقيقة الألم لا تختلف، أنه يبقى الألم مؤلم للجميع في أي حقبة وأي مرحلة في التاريخ البشري، لكن الدراسات الأنثروربولوجية تقول أن تاريخ الألم تطور بشكل شيء، فقد أعتاد اسلافنا في المجتمعات البدائية التعامل مع الألم كشيء عادي، لا يتم الوقوف عنده بنفس الحزن والمسأوية، فكان المزارع الذي يغرق حقله بنهر النيل أو السيول، يكتفي بالشعور بالسوء ثم يقوم بعد أن تمر الحادثة باستصلاح ارضه والعمل عليها، وكان الفرد يقدم أحد أبناءه أو بناته قرباً للألهة، ويمكن أن يدبح أمامه كقربان، ولكنه يتعايش مع الأمر، وينطبق هذا على كل مناحي الحياة، من فقد وغيره.

أما نحن المجتمعات الحديثة فقد أصبحنا نتعامل مع الألم كمصيبة في حد ذاته، وأحيانا نستسعر الألم فيما لا يجلب الألم أصلا، مثلا أن تبكي فتاة حين انكسار أحد أضافرها، أو يتألم فتي في فقدان حقيبته جوتشي، هذا من المبالغة غير المقبولة .

لم أعرف أنت مؤيدة لأي نوع المجتمعات القديمة أم الأن... الألم يختلف حدته من موقف لأخر ومن شخص لأخر... بالتالي الألم الم

لست مؤيدة لأي طرف، أن أعرض فقط تاريخية قصيرة جدا عن الألم، وأقول أنه يختلف من جيل لجيل ومن تاريخ لتاريخ.

من أجمل ما قرأت