لماذا ما زال التعليم عندنا تقليدي حبيس الجدران؟

منذ أيام شاهدت مقطعًا لمعلّمين في أوروبا يحملون السبورات والكتب، ويخرجون بها إلى الحديقة أو فناء المدرسة. لم تكن فسحة، ولا تغيير جو مؤقت، بل حصة كاملة تُدار خارج الجدران. فصل دراسي، لكن خارج الصندوق.لدينا تصور راسخ أن التعلّم لا يحدث إلا إذا كان الطالب جالسًا في صف مستقيم، ينظر إلى الحائط، ويمسك كتابه فوق التختة. كأن الفهم مرتبط بالمكان، لا بالتجربة. مع أن التعليم خارج الفصل يفتح بابًا لمهارات لا يمكن اكتسابها في وضعية الجلوس الطويلة؛ مثل الملاحظة، والتفاعل مع البيئة، وبناء صلابة نفسية بسيطة من الاحتكاك بالعالم الحقيقي.أتذكر مدرستنا قديمًا. أقصى خروج عن المألوف كان حصة الألعاب. وإن تكرم المدرس وشرح لنا درس علوم في الفناء، كنا نشعر أننا في كوكب آخر. الغريب أن التركيز كان أعلى، والأسئلة أكثر، والحصة لا تُنسى بسهولة.التجربة المباشرة لا تُلغِي المنهج، بل تمنحه حياة. الطفل الذي يرى، ويلمَس، ويجرب، يتعلم أسرع مما يحفظ. ومع ذلك، ما زال هذا الأسلوب شبه غائب في مدارسنا العربية.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

طلبتنا غير طلبة البلاد المتقدمة، الشقاوة وحب مخالفة التعليمات متأصل في طلبة بلاد الشرق، بالكاد ينتبه الطالب الشرقي حتى وهو جالس مقيد لمقعده وملتصق بكتابه بل كثير من الطلبة لا يحضرون المدرسة، وكثير من طلبة المدارس الصناعية يحضرون حتى يقوموا بإتلاف المراوح وتكسير الشبابيك ومضايقة المعلمات!

بعد أن أنهيت دراستي الثانوية مررت بجانب مدرستي ووجدت أنهم وضعوا سلك شائك فوق سور المدرسة كما تفعل السجون حتى يمنعوا هروب الطلبة.

طلبتنا غير طلبة البلاد المتقدمة، الشقاوة وحب مخالفة التعليمات متأصل في طلبة بلاد الشرق

الأسلاك الشائكة التي ذكرتها هي دليل عملي على تحول المدرسة إلى مؤسسة عقابية. لو افترضنا وجود سيناريو يتم فيه إعطاء هؤلاء الطلبة مسؤولية زراعة حديقة المدرسة أو طلائها.. لوجدنا طاقة التخريب تحولت إلى طاقة بناء. المشكلة في البيئة الطاردة لا في جينات الطلاب..

بالكاد ينتبه الطالب الشرقي حتى وهو جالس مقيد لمقعده وملتصق بكتابه بل كثير من الطلبة لا يحضرون المدرسة

هذا لأن العملية التعليمية أصبحت مملة ولا يرون فائدة من حضورهم أو مايسمعونه في الفصول، ولعل بعض الأساتذة مهملين أيضاً بسبب تدهور المنظومة التعليمية مما يشجع الطلاب أيضاً على الإهمال والغياب، وليست لكونه طالب شرقي، فهناك طلاب شرقيون نرى التزامهم وجديتهم في بيئات ومدارس أخرى.

ما تذكره مفهوم من حيث الواقع الذي عشناه، لكن الخطر في هذا الطرح أنه يضع السلوك في خانة الطبع المتأصل، وكأن الطالب الشرقي يولد أقل قابلية للتعلّم أو أكثر ميلًا للتخريب. التجربة تقول غير ذلك.رأيت نفس هؤلاء الطلاب، الذين يُوصفون بالشقاوة داخل الفصل، يتحولون تمامًا حين تغيّر السياق. في أنشطة خارجية، أو ورش عملية، أو حتى مسؤولية صغيرة تُمنح لهم، يختفي التخريب ويظهر الفضول. كأن المشكلة لم تكن في الطالب، بل في المكان الذي حُشر فيه طوال اليوم دون معنى.السلك الشائك فوق أسوار المدارس مثال دقيق، لكنه لا يثبت أن الطلاب مشكلتهم فيهم بل يكشف أن المؤسسة نفسها تتعامل معهم كخطر يجب احتواؤه لا كطاقة يجب توجيهها. حين يشعر الطالب أنه مراقَب لا مُقدَّر، يصبح التخريب أحيانًا اللغة الوحيدة المتاحة للاحتجاج.

إن النقطة الفارقة تكمن في التمييز ما بين العلم والتعلم، فالعلم يتواجد في كتبنا وتظهر حركات مستمرة لتطوير المناهج والمحتوى الدراسي، لكن الآفة القاتلة هي غياب القدرة على مواكبة العصر في أساليب التعلم المختلفة كالتعلم النشط والتفاعلي والقائم على دعم المشاركة وروح البحث والتجربة، غياب كل هذه الأمور يجعل التعلم نظريًا مملًا دون متعة أو ربط حقيقي للواقع.

عقلية الإدارة هي التي للأسف تخشى التغيير وتفضل المناهج التي يمكن تسميعها في الامتحان وتصحيحها آليا دون الحاجة للتفكير أو الإبداع!

صدقت، يحتاج ذلك فعلاً إلى قرار شجاع من صناع القرار ووعي جمعي لدى المجتمع بضرورة التغيير.

الخوف من التغيير ليس دائمًا سيطرة، بل خوف من الفشل الإداري أمام مسؤوليات أكبر: امتحانات، تقييمات، ضغط الوقت، وأعداد كبيرة من الطلاب. المشكلة الحقيقية أن هذا الخوف يُقتل الإبداع ويحوّل العملية التعليمية إلى مجرد آلة لتكرار المعلومات، بينما التعلم الحقيقي يحتاج مساحة للمخاطرة والتجربة والملاحظة.

بالضبط!

تماما كطالب مجبر على اتباع نمط دراسي معين فقط لتجاوز الامتحان بدون رسوب، بينما كان بإمكانه ان يدرس بشكل أفضل وأكثر إفادة وشمولية

أنا أتفق معك فى غياب القدرة على مواكبة العصر في أساليب التعلم المختلفة كالتعلم النشط والتفاعلي فى تجربةحضرتها بالفعل :أثناء ورشة عمل لطلاب جامعيين، طلبنا منهم حل مشكلة باستخدام مهاراتهم فقط، بدون أي كتاب. معظمهم توقّفوا بعد دقائق، رغم أنهم حفظوا المادة شهورًا. بالمقابل، مجموعة صغيرة استخدمت التعلم النشط والتجربة، ونجحت بشكل مذهل. الفرق لم يكن في الذكاء، بل في كيفية التعلم.ولكن التركيز على المناهج وتطوير الكتب يجعلنا ننسى أن التعليم لا يحدث في الكتب وحدها. رأيت طلابًا يحفظون المادة كاملة، يجيدون الإجابة على أي سؤال، لكنهم عاجزون عن تطبيق أبسط المفاهيم في موقف عملي. العلم موجود، لكن التعلّم غائب.

اتفق بالفعل، ولعل ذلك هو من أكبر الأسباب التي تولد الفجوة بين التعليم وسوق العمل.

من وجهة نظري المشكلة ليست مقتصرة في كون الحصص في الفصل او في الفناء أو في حديقة، ولكن المشكلة الأساسية هي في المناهج وفي طريقة التدريس في حد ذاتها. فإذا اخذ المدرس التلاميذ الى مكان مفتوح وشرح لهم نفس الدرس بنفس الطريقة القائمة على الحفظ والتلقين الأعمى فلن يكون هناك فارق كبير

أتفهم وجهة نظرك، لكن التجربة في أوروبا لا تقتصر على نقل الدرس إلى مكان مفتوح بل هي تغيير شامل لطريقة التدريس نفسها. المعلم هناك لا يشرح بنفس أسلوب الحفظ والتلقين، بل يستخدم البيئة المحيطة كأداة تعليمية: يربط المفاهيم بما يراه الطلاب، يجعلهم يلمسون الأشياء، يلاحظون الظواهر، ويشاركون مباشرة في التجربة.

مثال : درس عن النباتات لم يكن مجرد كلام عن الأوراق والجذور، بل أخذ الطلاب إلى حديقة المدرسة، لمسوا الأوراق، لاحظوا اختلافها، سجلوا الملاحظات، واستنتجوا قواعد النمو بأنفسهم. بهذه الطريقة، حتى لو كان الدرس قصيرًا، تزداد المشاركة، التركيز، والفهم العميق، لأنه تعلم قائم على الملاحظة والتجربة، وليس مجرد الحفظ من كتاب.

أحيانًا لا يكون التعليم حبيس الجدران بسبب قناعة تربوية خاطئة فقط، بل بسبب الخوف من الفوضى وفقدان السيطرة. في كثير من مدارسنا، يُقاس نجاح الحصة بالهدوء لا بالفهم، وبانضباط الصف لا بتفاعل العقول. وكأن النظام أهم من التعلّم نفسه.

والموضوع في مجتمعاتنا العربية متأصل لدرجة اني بواقع عملي اقوم احيانا بالشرح للطلبة في الخارج لكنهم حرفيا لا يسمعون يهتمون بالسيلفي والتيك توك ومدرسينهم لا يعترضون. الجدران ليست العدو الوحيد.لدينا للاسف، ما نحتاجه فعلًا هو معلم يعرف كيف يحوّل أي مكان، داخل الفصل أو خارجه، إلى تجربة حيّة لها معنى.

ربما المشكلة ليست في الجدران ولا في التيك توك، بل في غياب المعلم القادر على تحويل أي مكان إلى تجربة تعليمية حقيقية. فبدون هذه القدرة، حتى الحصص في الهواء الطلق ستبقى مجرد نسخة من نفس الدرس القديم، بلا أي أثر حقيقي على الطلاب.رأيت ذلك في تجربة عملية مع طلاب جامعيين: أخذناهم لمختبر خارجي، بعيدًا عن الفصل، وبدأت كل مجموعة تتفاعل مع التجربة مباشرة. لم يكن الصمت مثالياً، لكن التركيز والفهم كانا أعلى بكثير من أي حصة تقليدية، لأن الطلاب شعروا بأنهم جزء من التجربة وليسوا مجرد متلقين سلبيين.التجربة تظهر أن المعلم القادر على إشراك الطلاب يستطيع تحويل أي مكان حتى صالة ضيقة أو فناء صغيرإلى تجربة حيّة مليئة بالفهم والمشاركة.

أتفق معك أن المعلم هو المفتاح الحقيقي، وأن القدرة على تحويل أي مكان لتجربة تعليمية حية هي الأهم. لكن أرى أن المشكلة تتجاوز المعلم أحيانًا إلى ثقافة التعليم نفسها: حتى لو كان المعلم مبدعًا، فإن المناهج الصارمة، الضغط على الوقت، والقيود الإدارية تجعل من الصعب تنفيذ هذه التجارب بانتظام.

بمعنى آخر، المعلم الموهوب يستطيع خلق لحظات ذهبية، لكن لتحويل التعليم بالكامل يحتاج النظام ككل إلى المرونة والدعم، بحيث تصبح التجربة الحية جزءًا من الروتين وليس مجرد استثناء.