لو تأملنا في السلوك البشري تجاه الموت، لوجدنا تناقضا منطقيا صارخا، فنحن نتعامل مع الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الشك كأنها مجرد احتمال بعيد أو إشاعة تخص الآخرين. هذا "الذهول العمدي" ليس ضعفا في قدراتنا العقلية، بل هو على الأرجح شيفرة وضعها الخالق في أصل الفطرة الإنسانية، حيث يعمل الوعي كمرشح يحجب ثقل فكرة الفناء ليسمح لغريزة البقاء والتعمير بالعمل. فلو كان الموت يتصدر مشهد الوعي في كل لحظة، لتحولت الحياة إلى رتابة جنائزية، ولتعطلت محركات الإبداع والعمل، ولما استطاع الإنسان أن يبني حضارة أو يزرع شجرة وهو يرى فأس النهاية مسلطا على عنقه في كل ثانية.

هذا النسيان الممنهج هو "رحمة تقنية" في نظامنا التشغيلي، فالله الذي خلق الموت والحياة، غرس فينا نزوعا فطريا نحو الخلود ليوازن به يقينا عقليا بالفناء، مما يخلق توترا إيجابيا يدفعنا للإنجاز دون السقوط في فخ العدمية. نحن مبرمجون على تجاهل الموت ليس لننكره، بل لنستطيع "احتمال" الحياة والقيام بمهامنا كمراقبين وفاعلين في هذا الوجود. إن غياب فكرة الموت عن بالنا رغم حتميتها ليس ثغرة في ذكائنا، بل هو صمام أمان إلهي يضمن استمرار المسرحية البشرية إلى حين يسدل الستار، فالحكمة تقتضي أن تعرف أنك ستموت، لكن الفطرة تقتضي أن تعيش كأنك خالد، وبين هذين القطبين تكمن قدرة الإنسان على صنع المعنى وسط عالم من الزوال.

لو رفع عنك 'حجاب النسيان' وأبصرت نهايتك بوضوح في كل لحظة، هل ستستمر في فعل ما تفعله الآن، أم أن حياتك ستتخذ مسارا مختلفا تماما؟

الحمد لله.