بينما كنت أصغي لمحلل سياسي يتحدث بذكاء بارد عن "الضربة الاستباقية" وضرورة تحسّب الدول لغدر الحلفاء، قفزت إلى ذهني صورة من عتمة التاريخ: فرعون.

لقد مارس فرعون 'الضربة الاستباقية' في أبشع صورها؛ بذبح آلاف الأطفال صيانةً لعرشه من نبوءة زواله، غافلاً عن أنَّ مَن آمن بالزوال، كان الأجدر به أن يستبقه بالإحسان لا بالطغيان.

لسنوات، ظن أن خطته محكمة، ولم يدرك أن كل طفل يقتله كان يقربه خطوة من "القدر" الذي لا يغلب.

كان يظن أنه يشتري الأمان، بينما كان في الواقع يبني جداراً من الظلم انهار عليه في لحظة غرور.

حكاية راما: ضربة استباقية أفسدت الود

في حيّ هادئ، كانت راما امرأة قوية مهابة، ولها جارة لطيفة تُدعى خولة.

كانت خولة بئر أسرار راما ومستودع مودتها، حتى حلّ الحزن بساحة خولة بسبب مصيبة ألمّت بها.

انطفأت بشاشتها المعهودة، لا جفاءً، بل لأنها آثرت الكبرياء ولم ترد أن تُحمل صديقتها هماً فوق طاقتها.

هنا، دخلت "الخيزران"؛ تلك المرأة التي كان ينهش الحسد قلبها من هدوء خولة وتصالحها مع ذاتها، فباتت تتحين الفرص لفرض نفوذها وبسط سيطرتها على راما وخولة معاً عبر تمزيق خيوط الثقة بينهما.

رأت في صمت الجارة وحزنها فرصة ذهبية، فهمست في أذن راما:

"انظري إلى وجه خولة الشاحب.. لقد تغيرت لأنها لم تعد تطيق أسرارك، إنها تتحضر للانقلاب عليكِ!"

اشتعل فتيل من الخوف والغضب في قلب راما. وبدلاً من المواجهة الشجاعة أو السؤال الحاني المتواضع، اختارت "الضربة الاستباقية".

شوهت سمعة جارتها، وأهانتها أمام الملأ، وقطعت سبل الود، ظناً منها أنها تحمي نفسها.

المفارقة المريرة

النتيجة لم تكن نصراً، بل تدميراً لعلاقة أساسها الحب والوفاء.

وقفت "الخيزران" تضحك بانتشاء قائلة: "ألم أقل لكِ إنها تخفي شراً؟ انظري الى حالها!"

لم تدرك راما أن "الشر" الذي ظهر لم يكن دفيناً في قلب خولة، بل كان مجرد ثمرة مُرّة لـ "الضربة الاستباقية" التي خططت لها الخيزران بحسدها، وسقتها راما بسوء ظنها.

برئيك متى تكون الضربة الاستباقية ضرورية ومفيدة؟