إنّما المرءُ بإخوانه، والفتى بمن يختاره لزمانه؛ فالحياةُ طريقٌ لا يقطعها الإنسان وحيداً، بل بصحبةٍ تجعل العسرَ يسراً، والضيقَ عبيراً ونضيراً.

شيمُ الكرام: سندٌ وذخر

عن جمال صفات صحبتي، وخير أخلاق عصبتي، هم في الفضل بدور، وفي المروءة صقور.

إذا أقبلت ظنوا بك الجميل، وإن أدبرت التمسوا لك العذر وفيهم وُفرة البديل.

إن عجزتَ عن الكلام نطقوا عنك ببيان العذر، وإن زلّت خطاك كانوا لك بنيانا من الستر.

هم الأوفياء لا الغدر يرضيهم، ولا الخذلان يجد مكاناً فيهم، بل مودةٌ ترفع قدر الصاحب في كل آن، وتحفظ وده في كل أوان.

خلقهم النبل وقلّ ما يشوبه كدر، وذوو كرم يفيض كفيض المطر.

من الأسود استلهموا الشجاعة، ومن العلم استنبطوا الحكمة.

فهمهم دقيق، ورأيهم وثيق، لا يجهلون حقاً، ولا ينطقون إلا صدقاً.

أسرع الناس إياباً بعد خطأ، وأوفاهم إنصافاً من مظلمة.

كأنهم في حلكة الظلام دررٌ يتلألأ، من رافقهم صار مقامه في الثريا يتبوأ.

هم السند إذا عصفت بك الدنيا، وهم الأنس إذا تكدر الخاطر.

مقام صاحبهم فوق الهام، وذكره مرفوعٌ بين الأنام. صحبتهم غنيمة، وسيرتهم شرفٌ وقيمة.

هم عزمك إذا فترت العزيمة، وبالله صولتهم لا الشرك ولا اللطيمة.

ليس فيهم فاحشٌ ولا لعان، ولا يخدعهم خِبٌّ ولا فَتّان.

إن صحبتهم حفظوك، وإن جئتهم بكسير قلبك جبروك؛ فلا خديعة عندهم ولا نميمة، نُزِّهَتْ مجالسهم عن الغيبة، وسَلِمَتْ خواطرهم من الريبة.

خداع اللئام: سرابٌ وأوهام

أما من لا تُرجى صحبتهم،ولا تأمن خصومتهم، فإليك بعض صفاتهم، افعالهم عليهم مردوده، ومكرهم لا محالة واقعٌ بهم.

صحبتهم عناء، ومخالطتهم بلاء، لا ستر عندهم ولا بينهم.

ليس لهم مروءة ترفعهم، ولا دين يردعهم، ولا عقل يمنعهم، إذا صحبتهم أقلقوا خاطرك، وإن فارقتهم شَوَّهُوا مآثرك، و أنكروا فَضَائِلَكْ، وأشاعوا بين الورى مَعَايِبَكْ.

فُجَّارٌ إذا خَصموا، كَذَّابون إذا نطقوا، خَوَّانون إذا اؤتمنوا.

اذا لم تكن أسيرهم أضاعوا حقك، وبلغهم الجهد في محو أثرك.

لا يعرفون للحقوق رسماً، ولا يملكون من الأخلاق إلا اسماً.

كُثر ما يدعون الوفاء، وأفعالهم أشد بعداً عن الصدق والصفاء.

يظهرون الشدة في الصحبة والسلام، ويتأولون طيب الكلام، ويبطنون الغدر في كل مقام، ولا ينصرون مُضام، أذلة لكل ذي صولة، لا يرعون حرمة مستضعف، ولا يقيمون له دولة.

صحبتهم غش وكدر، لا يهنأون لبعضهم بعافية بدن ولا صدق ذكر، ولا يصونون لبعضهم في الخلوة وقاراً ولا بين الناس قدر.

عشرتهم بالهموم مثقلة، ووعودهم بالخداع موكلة؛ فهم كالسراب في فلاة جدباء، كلما اقتربت منه غاب واضمحل، وتبدد واستحال عدماً.

خلاصة القول

شتان بين من يرفع قدرك ويصون غيبك، وبين من يطلب عثرتك ويشتت فكرك.

فاصحب من إذا رأيته ذكرت الله مطمئنا، ومن إذا غبت عنه حفظك في الله وكنت آمنا.