السلامة النفسية ولا التفوق الدراسي

  • Am25

قال لي صديقي: أتدري أني اتبعت طريقة جديدة مع ابنتي بشأن دراستها، وأظن تلك الطريقة قد أراحتنا جميعا، وأتأمل أن يكون أثرها مفيدا جدا في المستقبل.

قلت: ما هي؟ فإني محتاجها مع أولادي فقد بدأت ألاحظ تغيرا في مستوياتهم الدراسية.

قال: هي والله تصلح لكم، ولكنها لا تعجبك! نعم، لن تعجبك لأول وهلة، ولا أدري عنك بعد ذلك، أنت وضميرك

يا سيدي لقد كنت شديد الحرص والمتابعة لابنتي في مدرستها وأمها أيضا كذلك، كنت لا أرضى أن تنقص عن الدرجة الكاملة في أي اختبار في أي مادة، وإذا حصل أن نقصت نصف درجة قلنا لها بماذا أخطأت؟ ولماذا؟ يقول وهذا دأبنا معها، متابعة حريصة لكل شيء من غير تعنيف، ومناقشة لكل سلوك من غير تخويف، حتى قلت لها مرة: لقد شكا معلم الرياضيات أن مستواك قد نزل، وأنكِ لست التي كانت في بداية السنة! يقول: فبكت وأخذت تدافع عن نفسها وأنها تحاول جهدها أن تكون الأولى ولا تدري لم هذا التغير. قالت كل ذلك وهي تبكي وتنشج!

يقول: فتفكرت في هذه الوردة الغضة التي يتقطع نفسها من البكاء، وعلى ماذا؟ ومن أجل ماذا؟ من أجل أني أريدها المتفوقة جدا، الحاصلة على المراكز الأولى! من أجل درجات نقصت بسبب إنها إنسانة تسهو وتنسى وتفقد التركيز ويلتبس عليها الأمر ويؤثر عليها مزاجها ومزاجنا ومزاج من حولها في المدرسة!

يقول: ثم تفكرت إلى أي مرحلة سيوصلها هذا الضغط؟ وفي أي حالة نفسية ستكون الآن وغدا؟ إذا كان هذا نصيبها كل يوم في المدرسة وفي البيت. توقعات عالية نطلبها منها، ومحاسبات ربما على السهو والنسيان! كيف لنفس إنسانية أن تنجو سليمة وهي منذ أن كانت غضة وهي تتعرض كل يوم للهيب اللوم، وجفاف الإحساس بها، ونريدها أن تنمو باسقة وتؤتي ثمرها طيبا ناضجا؟!

والله لن تنجو! يقول صديقي وأضاف: أصبحت أقول لها لا بأس يا بنتي بالنتيجة الناقصة لأنك بشر، ولا نريدك منك الكمال لأنك لست ملك. فهدأت نفسها وهدأت نفوسنا، واستقامت نفسية بنتنا، ورأيت أثر ذلك في إنسانة متفاءلة غير مرهقة تتقبل الأخطاء وتتجاوز التحديات ذات تقدير عال لنفسها وامتنان على إنجازاتها. فأيقنت أن السلامة النفسية أهم من التفوق الدراسي، والأسرة الناجحة والمدرسة الحقيقية هما من يتخرج منهما أبناؤنا بنفسيات سليمة!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد أن السلامة النفسية أهم من أي شيء، والتفوق الدراسي أمر مهم للغاية، ولكن ما فائدته مع شخص محطم من الداخل، يلوم نفسه مع أقل تقصير، ومع الأسف تُبني شخصيته بهذا الإتجاه، فمن رأيي أن نزرع في الأبناء حب المذاكرة والدراسة بطريقة سلسة بعيداً عن التعقيدات، وتأكيد حب الآباء لابنائهم وقبولهم مهما تعددت أخطائهم، وتعليمهم كيفية بناء مستقبلهم، والخوف على مصلحتهم.

بدفع الطفل للتفوق، نحن نمنحه درعا من الثقة والجدارة الاجتماعية بنظر البعض، بينما الاكتفاء بالقبول غير المشروط مهما كان المستوى، قد يحرمه من لذة الانتصار على الذات، ويجعله إنسانامسالما داخليا لكنه مهزوم خارجيا في مجتمع لا يحترم إلا الأرقام والنتائج الملموسة.

ولكنه أيضاً يترك له المساحة الكافية ليعرف بنفسه اي طريقاً يسلكه، بعيداً عن تلك الصراعات في الخارج، حتى لا يكون مجرد منتصراً في الخارج ولكنه مهزوماً داخلياً، لا يكتفي أبداً بما يحققه، بالإضافة أيضاً إلى أنه حين يشعر بالقبول سيحاول أن يُظهر لأبويه أنه يستحقه، وليس مجرد اكتفاء.

لكن المجتمع ليس كالأهل يا ياسمين، الأهل قد يقبلون بالابن ايا كان مستواه في النهاية لكن المجتمع لن يعامله بنفس الطريقة.. فأنا اتفهم ذاك الدفع، فهو حماية له من أنياب المجتمع اكثر من كونه مجرد رغبة لتحقيق رغباتهم أو ارضائهم

زراعة القبول للآباء داخل ابنائهم لا تتعارض أبداً مع تفوقهم الدراسي، بل على العكس نادراً ما أجد ابناءاً مستواهم الدراسي متدني وفي الأساس يلقون اهتماماً حقيقياً من الأبوين وقبول غير مشروط لهم، وانا لا أتحدث عن الآباء المهملة في الأساس وتخبر ابنائها فقط بأنهم يقبلوهم، بل أتحدث عن من يهتم حقاً بمذاكرتهم، ومستقبلهم، ولكن دون الضغط المبالغ فيه عليهم والاضرار بحالتهم النفسية.

العلاقة مع الأهل أهم من العلاقة مع المجتمع لأن الذي تنجح علاقته مع أهله تنجح علاقته مع الناس. والثقة يكتسبها من يتقبل أخطاءه ويواجه بها أهله أكثر من الذي يخشى نقصان درجة ويكتمها عن أهله

العلاقة مع الأهل أهم من العلاقة مع المجتمع لأن الذي تنجح علاقته مع أهله تنجح علاقته مع الناس

اتفق مع اول شطر طبعا العلاقة مع الاهل اهم. لكن اقصد اذا كان الاهل دايما متسامحين فالمجتمع ليس كذلك، والاخطاء التي واجه بها اهله اذا واجه بها المجتمع ستكون ردة فعل المجتمع اقصى

المقصود أن تكون علاقته الجيدة مع أهله قد اكسبته مهارات يستطيع بها مواجهة رد فعل المجتمع. حيث يكون الأهل رافدا وسندا ومسددا لأبنائهم

أصبت الرأي

لا شك أن فائدة التفوق الدراسي تتضاءل إذا كان الشخص محطم الفؤاد مكسور النفس

لكن البعض يحب التفوق من ذاته، وحتى أن حب التفوق يظل ملازم للشخص طوال عمره ويكون متقن لكل شيء يعمل فيه، وبالنسبة لجزء النفسية يمكن تعويضها بحنان وقبول عند نقص بعض الدرجات مع محاولة حل مشكلة الدرجات الناقصة فهذا لا يتعارض مع ذاك!

التفوق الحقيقى ليس فى انعدام الخطأ ولكن فى ادارة الخطأ توماس اديسون حين سألوه يقال أنه فشل 1000 محاولة قبل اختراع المصباح ولكن حين سألوه قال أنا لم أفشل، بل وجدت 1000 طريقة لا يعمل بها المصباح وتفوقه كان فى صموده حول أخطائه والتعلم منها

من الصعب أن نضيع حياتنا في ألف محاولة فربما لا ننجح في النهاية، واتخاذ أديسون قاعدة قياس قد يكون خطر لأن أديسون كان الاستثناء، فلو لم ننجح في المحاولة ال1000 أو ال2000 فمن يعوضنا عن كل الوقت والجهد الضائع؟

الفكرة ليست فى أننا سوف نخطأ كل مرة عدد لا متناهى من الاخطاء ولكن التعلم من الخطأ وادارته بطريقة جيدة وجعلة بداية حقيقية للتفوق أحيانا الفشل يمثل دفعة قوية للامام

لعل محبة التفوق ناشئة من طلب الكمال، وهذا له آثاره السلبية على النفس. ولا أظن شيئا يجبر كسر النفس خاصة إذا حدث ذلك الكسر في الطفولة

ما أقوله هو أن طلب الكمال ليس من الضرورة أن يكون مقترن بكسر النفس، والعكس صحيح الحنو على الغير لا يلزمنا بأن نترك طلب الكمال.

طلب الكمال هو أعظم مرهق للنفس وهو يفتح بابا عظيما من الأمراض النفسية لأنه طلب المستحيل وما لا يمكن حصوله

هو يفتح باب لصعوبات نفسية هذا حقيقي لكنها ليست بالضرورة أمراضاً، فالطبيب والمهندس يجب ألا يكون في عملهم أي مجال للخطأ، ولا نقبل منهم نتيجة نجاح بنسبة 90% مثلاً. ومن الناحية الأخرى ليس صحيحاً أن نشجع أن يرضى الإنسان بأقل من الإتقان حتى يكون سعيد، لا توجد فائدة أن نكون مرتاحين نفسياً على الدوام ونترك لعدم الإتقان باب في عملنا. لن يذهب أحدنا لجراح سعيد ومرتاح نفسياً مقابل أن يقدم له عملية ناجحة بنسبة 90%، ولا يعني الإتقان أن الجراح مريض نفسي.

بصراحة لا أرى أن الدرجات والتفوق الدراسي له أي قيمة اذا كان في مقابله سيتأذى الطفل نفسيا او يربط قيمته كشخص بدرجاته او لا يجد حرج في أن يغش أو يسرق مجهود غيره فقط ليحصل على الدرجة النهائية او الامتياز، وطبعا ليس بالضرورة أنني ضد التفوق ولو استطاع الأهل غرس حب الاجتهاد والمثابرة في أبناءهم فأصبحوا متفوقين فهذا حتما أمر رائع ولكن ليس الكل مطلوب منهم التفوق وهناك حدود لقدرات كل شخص

صدقت لو اقتنتعت كل أسرة بقدرات أبنائها وجعلت توقعاتها قريبة من تلك القدرات؛ فإنها تقدم لهم هدية أعظم من التفوق الممزوج بالأذى النفسي.

بصراحة السلامة النفسية أهم بكثير جدًا لأنهم قد يصلوا إلى مرحلة يهلكوا انفسهم وذلك يحدث كما نرى في مرحلة الثانوية. فمن ينتحر في الثانوية ربي على الحب المشروط و العطاء المشروط وعرف أنه هو يساوي درجاته وتفوقه الدراسي. هذا يفعل أفاعليه في نفس الطالب صغيرا و المراهق كبيراً فيكبت في نفسه ويصير معقدًا نفسياً ولا يرى في وجوده كإنسان له قيمة في ذاته بغض النظر عن التحصيل الدراسي و الدرجات وأنا أرى كل يوم ممارسات خاطئة بهذا الخصوص وامهات تجلس مع الأبناء في السنتر او الدرس الخصوصي لبعض الوقت لترى استجابة أبنائهم....

ذكرتني يا خالد بقصيدة أحمد شوقي في هذا الموضوع

ناشىء في الورد من أيامه ... حسبه الله أبالورد عثر

جميلة القصيدة يا خالد!

kjhj أضف ردا

نعم جيلة خاصة من أمير الشعراء رحمه الله. حدثت حادثة انتحار شبا غض الإيهاب وقتها وقيل لأن أباه عنفه لرسوبه بالإمتحان. ولكن شوقي الشاعر الفذ وضع أيدينا على المعول في كل ذلك فقال:

وَاِطلُبوا العِلمَ لِذاتِ العِلمِ لا .......... لِشَهاداتٍ وَآرابٍ أُخَر

ومن ضمن معناه أنه لا بأس بطالب لا يحب الدراسة ويبرع في مهن أخرى حتى وإن كانت حرفية فليس الجميع سيصبح أطباء ولا مهندسين أو علماء. وهذا درس للآباء بأن يروا ميول أبنائهم ويذكوها ولا يحملوهم فوق طاقتهم لأنه بالأخير الحياة أهم من التعليم.....

لكن قد يكون هذا مجرد هروب من مسؤولية التربية، ما قد يؤدي في المستقبل إلى بناء شخصية هشة غير قادرة على مواجهة ضغوط الحياة العملية التنافسية. قد يكون شعور الطفلة بالبكاء علامة على طموح داخلي يحتاج إلى توجيه وتعامل مع تلك المشاعر.

فالمدرسة هي تدريب مصغر لمواجهة الحياة، وتعليم الطفل أن السهو والنسيان مبررات كافية للتراجع قد يجعله يفتقر للجلد والمثابرة الضروريين للنجاح في عالم لا يعترف إلا بالنتائج الملموسة. ومن يعرف ربما هذه الطفله تلوم اهلها عندما تكبر عندما تجد نفسها لم تلحق باقرانها في التعليم.

أعتقد أن الشخصية القادرة على مواجهة ضغوط الحياة هي الشخصية التي كانت تتقبل الأخطاء وتقدر ذاتها ولا ترهق نفسها بتطلب الكمال. هي من تتقبل الخطأ وتعرف كيف تتجاوزه، ولا أظن أن شخصية الطلبة الذين يطالبون بالمزيد من الاجتهاد والمزيد من الدرجات من هذا النوع.

نعم يجب أن نعلمهم أن الطبيعي أن تنقص درجاتهم ومن غير الطبيعي أن يحصدوا الكمال دائما.

إن النجاح - أختي - في هذه الحياة أن يعيش الإنسان بطمأنينة وسعادة ورضا بغض النظر عن شهادته ووظيفته ومركزه وماله. والشقاء أن يعيش الإنسان بقلق وهمّ وكآبة بغض النظر عن شهادته ووظيفته ومركزه وماله.

تمام لكن ربط الطمأنينة بتجنب طلب الكمال الدراسي قد يغفل حقيقة أن الانضباط العالي والسعي للتفوق هما ما يصنعان الشخصية القادرة على الصمود في سوق عمل تنافسي لا يعترف إلا بالنتائج الملموسة للاسف.

فبينما يُنظر للمنافسة كقلق وضغط، هي في الواقع تمرين ضروري لبناء مهارات التميز والقدرة على حصد المراكز التي توفر الاستقرار المادي والاجتماعي، وهو ما يضمن طمأنينة حقيقية في المستقبل بعيداً عن تقلبات الظروف.

المشكلة أننا نرى أن بعض الناس يرون التفوق الدراسي أن يحصل على درجات كاملة. فلا يقبل المركز الثالث والرابع ولا يقبل أن لا يحصل الطالب على درجات كاملة.

الانضباط العالي الذي يمكن أن يستمر هو الانضباط الذي لا يشترط الكمالية

طرح جميل ومهم جدًا. للأسف كثير من الآباء يربطون قيمة الأبناء بالدرجات فقط، مع أن الصحة النفسية والثقة بالنفس أساس النجاح الحقيقي على المدى البعيد. التوازن بين المتابعة والدعم النفسي هو الحل الأمثل. قرأت مؤخرًا بعض المقالات والتمارين التربوية المفيدة حول طرق مساعدة التلاميذ على الدراسة دون ضغط مفرط في موقع :

وقد استفدت منها كثيرًا. شكرًا على هذا التذكير المهم.