الساعة الآن التاسعة والنصف مساءً.

الغرفة ساكنة، إلا من خفقان نبضي، وكوب الشاي أمامي قد صار باردًا.

المصباح الصغير ينهك نفسه، وهو يحاول أن يبدّد فراغًا أكبر من ضوئه.




وأنا أكتب الآن،

أكتب وأنا أعيش واحدة من أسوأ تلك اللحظات التي أكرهها… لحظات الوداع.

أكرهها أكثر من أي شيء، أكثر من صمتي حين أحاول أن أبدو قويًّا.

ولا أدري لِمَ أكتب هذه السطور الآن، ولا لِمَ هذا الثقل يجثم على صدري منذ الصباح..

ربما لأن أحدهم غادر، أو لأن أحدًا سيغادر غدًا.




سألني أحدهم ذات يوم... ما الوداع بالنسبة لك.!

فأجبته، في لحظة قوة، بأنه تجربة وجودية كاملة،

واختبار لقوة الإنسان على البقاء رغم النقص.

واو!

كانت إجابة فلسفية آنذاك… أما الآن فقد تلاشت.




أصبحت أكره الوداع، أكرهه.

لا أحتمل تلك اللحظة التي تحول الملامح إلى ذكرى.

أكره لحظة التصافح الأخيرة، حين تتشبّث الأصابع عالقة بين الإمساك والترك.

وأكره نظرة العيون الأخيرة.

أكره أن أرى أحدهم يغادر، أن ألوّح له بيدي، وأن أبتسم بينما قلبي ينكمش من الخوف.

أكرهه لأنه يذكرنا بأن كل ما نحب قابل للغياب،

وأن طرق الناس لا تكتمل معنا إلى الأبد مهما تعلّقنا بهم.




أكره الوداع، لأنه يجعلنا نشعر بالعجز أمام أقدارنا الصغيرة،

ولا نستطيع أن نتمالك فيه حتى أنفسنا.

وأشدّ ما فيه أنه يكشف هشاشتنا التي نحاول سترها بالكلام والفلسفة المنمّقة،

ويُظهر كم يبدو الإنسان صغيرًا أمام لحظة الفراق!

حتى الكلمات العظيمة تتقزّم، وتغدو اللغة كلّها عاجزة عن تفسير هذا الوجع.




لا شيء يجعلني أكره الزمن مثل لحظة الوداع،

ولا شيء يجعلني أؤمن بالكتابة مثل هذا الحزن النبيل،

الذي لا يجد وسيلة ليبقى حيًّا سواها.




لهذا أكتب…

أكتب وأنا أشعر أني أودّع أشياء كثيرة في آنٍ واحد،

وأكتب لأواسي نفسي.




فكري محمد الخالد