42

هل بدأت الشعوبية الجديدة بغزونا دون أن نشعر؟

السلام عليكم. ليس من عادتي أن أكتب مقالات عامة ولا أملك حتى مدونة لأفكاري وآرائي فأنا شخص تقني بحت، إلا أنني قررت الكتابة عن هذه الظاهرة لأنني أراها تنتشر بشكل مرضي أشبه بالوباء بين الشباب عبر الإنترنت وهي من الخطورة بحيث أصبحت تثير الفتن والشقاق وتزرع اليأس في القلوب. ألا وهي الشعوبية الجديدة والتي أخذت هذه المرة طابعا رقميا.

  1. ما هي الشعوبية؟

سأبدأ بتعريف مختصر لهذا المصطلح لمن لا يعرفه: الشعوبية هي حركة ظهرت في أواخر العهد الأموي بدأت بالتنظير لفكرة ألا فضل للعرب على العجم وانتهت بأن أصبحت تعريفا لكل حركة أو توجه يحتوي في طياته احتقارا للعرب وانتقاصا من قدرهم.

  1. ما هي الشعوبية الجديدة؟

هي توجه شبيه بسابقه بدأت ألاحظ بوادره مؤخرا بعد ما يسمى بالربيع العربي الذي ذهب مع الريح، وساهم في نشره غلمان ورويبضات مواقع التواصل الاجتماعي الذين لا يعرفون سوى التلقي والمشاركة لكل ما هب ودب دون تمحيص. إلا أن هذه النسخة تختلف قليلا بأنها تأخذ منحى دينيا فتراها تنتقص من شأن المسلمين عامة وتبرز معايبهم ما استطاعت وتحاول أن تظهر مجتمعات الغرب والشرق بأبهى صورة وتصورها على أنها مجتمعات ملائكية.

  1. من هم رواد هذه الحركة؟

يتولى كبر هذه الحركة بعض العرب المغتربين الذين انبهروا بالحضارة الغربية ولم يروا سلبياتها لأنهم انصهروا فيها أصلا، وصارت معايير حكمهم على الأمور كمعايير أهل البلاد الأصليين وربما أكثر، فأصبحوا بالتالي غير منصفين في رؤيتهم المقارنة بين مجتمعاتنا ومجتمعاتهم. إضافة لهؤلاء هناك جيش لا يستهان به من المغفلين الذين يصدقون قصصا خرافية عن الحضارة الغربية تعجز كتب الخيال عن وصف إنسانيتها، ومعظم هؤلاء لم يعش أصلا في دول الغرب وإنما انطبعت في خياله هذه الصورة الوردية عنها بسبب قراءات من هنا وهناك.

يضاف إلى هؤلاء مجموعات من المحرضين الذين يريدون إقناع أهل العالم العربي أنهم يعيشون في أسوأ الظروف على الإطلاق وأنهم في ذيل الأمم وأنه لا يوجد في بلادهم بصيص أمل أو بذرة خير، وذلك إما لأهداف سياسية كمحاولة التحريض على الثورة أو ما شابه، أو لأسباب أيدولوجية هدفها الترويج للأحزاب والأفكار العلمانية أو غيرها وذلك في خضم معركة هؤلاء مع الحزبية المنتسبة للإسلام (تقصدت ألا أسميها إسلامية أو أنعتهم بالإسلاميين).

أخيرا هناك للأسف الشديد مجموعات لا بأس بها تنتمي في معظمها إلى دول عربية فقيرة، وهؤلاء لا هم لهم سوى تشويه سمعة دول الخليج العربي وأهلها وبألفاظ مقززة منفرة يندى لها الجبين، لو طلبت منه وصف اليهود المحتلين ما استطاع أن يأتي بمثلها! هؤلاء وإن تدثروا بالمبدأ ونسبوا لأنفسهم العقل والفهم ما هم إلا مجموعة حساد يتمنون زوال النعمة عن إخوانهم لأن الله لم يمن عليه بمثلها، فلا يمكنني تصديق أن هكذا أوصاف وألفاظ تخرج من إنسان غيور على الأمة ويريد إصلاح حالها.

  1. ما هي مظاهر هذه الحركة؟

ينتشر الجزء الأكبر من هذه الحركة على شبكة الإنترنت وخصوصا مواقع التواصل الاجتماعي والتي يغلب على روادها – للأسف الشديد – السطحية والسذاجة والميل لتصديق أي شيء ينشر، وهم أبعد ما يكونون عن التمحيص والتدقيق أو حتى تحليل ما يعتبرونه أدلة دامغة بشكل علمي ليعرفوا صحته من عدمها. سأطرح هنا بعض الأمثلة ليس بغرض الدفاع عن رأي معين، بل لإثبات سطحية وسذاجة معظم طروحات هؤلاء الشعوبيين وأن الرد عليها وعلى أشباهها ممكن وأن هناك مكانا لتحكيم العقل بدل العاطفة الجياشة.

لنبدأ بالمقارنات الصورية التي تجمع عادة أمرين لا علاقة بينهما سوى في خيال مصممها. كمثال حي عليها يستحضرني وأنا أكتب هذه السطور تصميم قام واضعه برص صورتين مع بعضهما. الصورة الأولى لرهبان بوذيين يخلعون أحذيتهم على مدخل معبد بشكل مرتب كأنها سيارات تصطف في موقف، تليها صورة لمجموعة من المسلمين على باب مسجد امتلأت خزائن أحذيته عن آخرها وتبعثرت أزواج أخرى على الأرض هنا وهناك، ثم عنون هذه الصورة كاتبا "ونريد أن نغير العالم" من باب الاستهزاء، وكتبها هذا “الدكتور” المقيم في لندن بالعربية والإنجليزية والفرنسية إمعانا في نشر الفضيحة على صفحته في الفيسبوك! لو أردت الرد على تفاهة هذا الطرح لما كفتني عشر صفحات، لكن لنطرح بعض التساؤلات: ناهيك عن مقارنة العقائد بين التوحيد والشرك حيث أن هذا الطرح قد لا يعني غير المسلمين المؤمنين بعقيدة التوحيد، هناك أيضا تساؤلات أخرى تطعن في مستوى فهم ناشر الصورة إن أحسنت الظن، وفي نيته إن أسأت الظن. ألا يوجد في العالم غير هذا المسجد؟ ثم ما العيب في اصطفاف الأحذية بشكل عشوائي بعد امتلاء الرفوف المخصصة؟ يا ترى كم نسبة النساك البوذيين الذين يتوافدون على معبدهم بالنسبة لمصلين في مسجد قرية متوسطة الحجم وقت صلاة الجمعة؟ هل النظام والانضباط لا تحكمه معايير سوى طريقة صف النعال؟ يا ترى هل آذى المصلون في المسجد الذي التقطت فيه الصورة أحدا كما حرض الرهبان على ذبح مسلمي الروهينغيا في ميانمار؟ (نعم ربما ليسوا هم الرهبان الظاهرين في الصورة، لكنني أتعامل بأسلوبهم في انتقاء الأسوأ) ألم يفرحك عدد المصلين الكبير الداخلين للمسجد وأنت تقدم نفسك كمسلم غيور على دينه ولم تر إلا ما هو سلبي؟ هل تريد وأنت تعيش في لندن أن يصل لأهلها هذه الصورة عنا؟ ألا يشفع لهؤلاء المصلين صغر مساحة المدخل مقارنة بمساحة المسجد؟ أخيرا والأهم: ما الهدف من نشر هكذا صورة؟ هل هكذا حللت مشكلة النظام والانضباط؟

بخلاف هذه الصور السخيفة وأشباهها التي تستقطب عشرات آلاف الإعجابات ومثلها مشاركات، هناك جانب آخر هو المقارنات المبتورة بين مجتمعات الغرب ومجتمعات العرب في قضايا كثيرة. سأبتعد هنا عن قضايا الفساد والمحسوبية ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب إقرارا مني بتفوقهم علينا في هذا الأمر، مع تأكيدي على رفضي لأي أسلوب عقيم في حل هذا الإشكال وأهمها التحريض الطائش الذي يضر أكثر مما ينفع، وتأييدي لأي طرح عقلاني إن وجد لمحاولة نقاش مشاكل كهذه وحلها (لا أريد ثوارا رجاء!). القضية التي سأتناولها كمثال هي الحرية الدينية التي كثر تداولها، فكثيرا ما نسمع عبارات مثل أن الغرب يحترم كل الأديان وأن المساجد تنتشر في أوروبا بينما تخلو السعودية – مثلا – من الكنائس. ليكن بعلمك أولا أن إهمال الدين وعدم إيلائه أي قيمة لا يعتبر احتراما، وهذا هو ما يحدث في المجتمعات الغربية، فلا يهمهم إن كنت مسلما أو نصرانيا أو يهوديا أو هندوسيا. المهم أن تحترم القانون، والقانون يضع الحرية فوق الدين. فإن استهزأ احد بدينك ومعتقدك ومقدساتك ووصفها بأقذع الصفات فلا حرج في ذلك فحريته مكفولة تماما كحريتك في بناء مسجد وإقامة الصلاة. كما أن حدود "احترامهم" للدين إن اعتبرناه مجازا احتراما مقيد، فلا يسمح لك برفع الأذان خارج حدود المسجد، ولا وصاية لك على ابنتك التي جاوزت الثامنة عشرة من عمرها إن اختارت العيش مع "صديقها" حتى وإن كانت مسلمة، فدينها لا يقيد حريتها في هذه المجتمعات. أضف إلى ذلك أنها مجتمعات مادية بحتة تتناسب إنسانيتها طرديا مع الانتعاش الاقتصادي وترتفع عنصريتها بتدني مستوى المعيشة. لعلك تعرف الآن المعايير التي تحكم بها على هذه المجتمعات.

(فكرة: ألم يفكر أحد بمقارنة العجوز الأوروبية التي جاوزت الثمانين وبالكاد تمشي على عربة بعجلتين مضطرة لأن تشتري احتياجاتها بنفسها لأن أبناءها تخلوا عنها سعيا وراء دنياهم، بتنافس الأبناء في مجتمعاتنا في كسب رضا والديهم وإكرامهم عند كبرهم؟)

الجانب الثالث هي القصص والأساطير التي لا يكاد يصدقها عقل، لكن الكثيرين يصدقونها إن ذكر الكاتب اسم بلد كاليابان مثلا في القصة: في اليابان يدرسون الأخلاق فقط في الصفوف الأولى، في اليابان يمسح مدير الشركة أحذية الموظفين الجدد، في اليابان يحق لك المطالبة بتعويض مادي إن تأخرت معاملتك أكثر من 3 دقائق، اليابان لا يضيع فيها شيء فهم شعب ملائكي نسبة الأمانة فيه 100%. هل تحتاج هذه ردا أم أنها ترد على نفسها؟ وهناك من يبدع في تأليف قصص بشخصيات وحبكة وأحداث يقول بأنها حقيقة، ثم ينسبها لجاره أو لصديقه، ولا تتفاجأ عزيزي القارئ إن حدثت نفس القصة بنفس التفاصيل في أمريكا مرة وفي السويد أخرى وفي اليابان ثالثة!

  1. هل العرب مجتمعات مثالية؟

لا! مجتمعاتنا تنتشر فيها كثير من الأمراض والأوبئة التي لا يتسع المقام لذكرها من تقاليد اجتماعية ظالمة نتمسك بها أكثر من تمسكنا بالدين، ناهيك عن نسبة كثير منها إلى الدين رغم عدم وجود أي دليل شرعي معتبر سوى "هذا ما وجدنا عليه آباءنا". ليس غرضي من هذا المقال أن أدافع عن أي خطأ أو ظاهرة سلبية في مجتمعاتنا، بل للتنبيه على أن أسلوب "الردح" ونشر الفضائح لا يعالج المشكلة بل يزيد اليأس والإحباط ويعزز النظرة السوداوية. وكما قيل أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام.

إن كنت ترى ظاهرة سلبية حاول أن تبحث عن علاج لها، ابحث عن مهتمين يعملون معك، لا تنتظر شيئا من الحكومات ولا تضيع وقتك بانتقادها وسبها ولعنها وتحميلها كل المصائب. لدرجة أصبحت أرى من يرسب في امتحان الثانوية العامة يلقي باللوم على وزارة التعليم لصعوبة الأسئلة متجاهلا أن نسبة النجاح تجاوزت الـ 70%. ليس هذا طبعا إعفاء لها من مسؤولياتها وإنما محاولة طرح توجه جديد يتبنى المبادرة الفردية ويقطع الأمل بالتغيير الجذري الذي انتظرناه مع الثورات ولم يأت، لأنه وببساطة يبدو أن الخلل ليس في الحكومات وحدها بل أكاد أجزم أنها انعكاس لطبيعة المجتمع، بدليل أنه أعاد إفراز حكومات تشبه ما قام بإسقاطه وذلك بكل رضا واختيار منه.

لا تكن شعوبيا من حيث لا تدري، فالعرب فيهم خير لو بحثت عنه لوجدته، وشر لو بحثت عنه لوجدته، ولا تتبع هؤلاء الذين تنكروا لأنفسهم وأصبح كل همهم نكأ الجراح بدلا من تحديد الداء ووصف الدواء. فهؤلاء تعرفهم من طروحاتهم: لا يملكون سوى الانتقاد والتحقير والمقارنات السخيفة، فلن تجد منهم اقتراحا مفيدا أو انتقادا بناءا لأنهم ببساطة لا يملكونه، إنما يريدون سلوك الطريق السهل وإيهام أنفسهم أنهم هكذا أدوا ما عليهم.

قال صلى الله عليه وسلم: “إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم". رواه مسلم

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

13

أخ ياسر:

لا فض فوك

لمن وضع التقييم السلبي، وللتوضيح، لا فض فوك هي دعاء لله ، معناه: لا ذهبتْ أسنانكَ ولاتفرَّقت ولاتكسَّرت،فهوَ دعاءٌ لهُ بحفظِ أسنانهِ في فمِه.

أظن أن الذي قيم ليس لأنه فهم العبارة بمعنى سيء

ولكن لأنه اعتبرها رد لا فائدة منه وهو محق في ذلك لأن هذا من توصيات المجتمع

وعادة ما أحرص على ذلك

إلا أنني لم أكتفي بتقييم الموضوع إيجاباً فقط وأردت أن أعبر عن شكري لصاحبه أكثر فوضعت هذا التعليق مع علمي أنه قد يتلقى تقييما سلبيا ، وليس مهما

فالموضوع يستحق التضحية حتى بعشر نقاط سلبية المهم أني عبرت عن شكري له.

لمن وضع التقييم السلبي، وللتوضيح، لا فض فوك هي دعاء لله ، معناه: لا ذهبتْ أسنانكَ ولاتفرَّقت ولاتكسَّرت،فهوَ دعاءٌ لهُ بحفظِ أسنانهِ في فمِه.

أظن أيضاً أن لها معنى مجازي يشبه قولنا بالعامية "يسلم تمّك" أو "صحّ لسانك"

أشكرك أخي الكريم أسعدني أنها أعجبتك

هناك مثل عراقي شائع في الجنوب عندنا

يقال في احد الازمنه كان يوجد رجل اسمه "حنون" تحول من دين الى الاسلام

لكنه بقي يعبد الله على حرف كلما ضايقه احد او حدثت معه مشكله قال لهم مهددا : سأرجع الى ديني السابق واترك الاسلام

وهكذا كل مره مما حدا بالناس ان يطلقوا المثل : "ما زاد حنون في الاسلام خردلة ولا النصارى لهم شأن بحنونِ"

المثل ينطبق على هؤلاء سواء اعجبتهم بلاد العرب ام لا هذا شأنهم ومشكلتهم وحدهم , سواء اعجبهم الاسلام ام لا فأن الله غني عن العالمين.

أتفق معك في بعض الافكار وأختلف في الأخرى

أولاً: اشكرك لأنك أضفت إلى معلوماتي مصطلح جديد لم أكن اسمع عنه وبالبحث عنه وجدته مختلفاً عما ذكرت من حيث رواد هذه الحركة، وهذا يتضح في الرابط http://ar.wikipedia.org/wik...

ثانياً: | لا تنتظر شيئا من الحكومات ولا تضيع وقتك بانتقادها وسبها ولعنها وتحميلها كل المصائب.

لا أتفق معك في هذا فما نحن فيه هو في الاساس فساد حكومات وليس شعوب، وإن كانت ثورات الربيع العربي أنتجت في النهاية حكومات هي هي السابقة مع اختلاف الأسماء فما ذلك إلا بسبب الفساد المتجذر الذي تم زراعته في سنوات من الحكم الفاسدة التي أفسدت أذواق الشعوب والتي جعلتهم لا يميزون بين الطيب والقبيح

ويحضرني مشهد في أحد الافلام المصرية -وهو فيلم "الكيف" - وهو حوار يدور بين تاجر مخدرات ودكتور كيميائي

تاجر المخدرات: أنا كان عندي مصنع تعبئة شاي وبغش الشاي بنشارة الخشب وكنت بكسب كتير، ولما النشارة ارتفع ثمنها والنجارين اتملعنوا اضطريت أني أعبأ الشاي بدون غش فالناس بطلت تشرب شاي وخسرت وقفلت المصنع

الدكتور الكيميائي: لأنك وأمثالك الغشاشين أفسدتم ذوق الناس لغاية متعودوا على الوحش وأصبحوا يعتبرونه هو ده الحلو.

الشاهد أن الناس ذوقها فسد مع الايام واعتبروا أن ده الخطأ هو الصح والصح خطأ وعلى رأي واحد قال" الذوق حالياً إنك تكون قليل الذوق"

أخي الكريم الحكومات مسئولة عن ثقافة شعوبها، وهم من يملكون وسائل الإعلام ويتحكمون فيها جيداً وهو إعلام موجه، يكفي اسبوع واحد يخرج عليك حفنة ممن يطلق عليهم مذيعين ومذيعات يبغضونك في شيء ما أو شخص ما وستجد أن أغلب الشعب يكرهه والعكس طبعاً.

كيف تهرب بولدك وتربيه في وسط تعليمي وإعلامي وثقافي فاسد؟!

ما تحاول أن تثبته بداخله فى أعوام قد يمحيه ساعة أمام جهاز التلفاز.

كيف تعيش بدون رشوة ومحسوبية؟! نعم تستطيع ولكن بمعاناة شديدة.

ثالثاً: هل فعلاً هناك ثورات حدثت بمعنى ثورات وليست قطع الرقبة للثعبان فقط، كل ما حدث في ثورات الربيع العربي كما يطلق عليها هو قطع رقبة الثعبان والجسد كما هو. يحق لك أن تطلق ثورة عندما يطاح بالرأس والجسد للثعبان وساعتها ستعرف الفرق بين حكومة فاسدة وحكومة حريصة على مصلحة الوطن.

وأخيراً أن لا أنكر الدور الملقى على عاتق الشعوب، ولا أتفق مع الذي يذكر الامثلة التي ذكرتها للتقليل من شأن شعب معين، لأنني لا أتعصب لأي شعب، فما أعرفه هو ديني وهو الأساس عندي، ولو كانت الأوطان أغلى من الدين ما هاجر الرسول صل الله عليه وسلم وحارب مع أهل المدينة ضد أهله في مكة. فديني هو وطني.

ومهما طال الزمن أو قصر فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيبقى فى الأرض، فلا أنبهر بحضاراتهم ولا أحقرها، فالأيام دول، وكنا وسنكون بإذن الله.

ولنتذكر دائماً أن الرسول بعث للناس كافة بل وللجن أيضاً ولم يبعث لشعب دون الآخر ولا لمكان دون الآخر، فما كان رسولاً للعرب فقط ولكنه كان رسولاً ورحمة للعالمين جميعاً، فلا وجود لمفهوم الشعوبية.

أشكرك على الرد،

أولا أحب أن أوضح أن جميع ما ذكر في المقال هو آراء شخصية تتعلق بالشعوبية الجديدة المنتشرة على الإنترنت ولا تتشابه مع الشعوبية القديمة الموجودة في ويكيبيديا سوى بطبيعة توجهها. فروادها وأشكالها تختلف كليا لأنها "جديدة"

ثانيا لو تأملت ما كتبت جيدا فأنا قلت أنني لا أعفي الحكومات من مسؤولياتها لكنني ضد أن يتهرب كل مقصر من مسؤوليته ويرمي اللوم على الحكومة فقط لأجل أن يضع رأسه وينام وهو يشعر بأنه لم يقصر في حق نفسه ووطنه. وذكرت مثالا على ذلك الطلبة الفاشلين الذين يلقون باللوم على وزارة التعليم، وأذكر مثالا آخر وهم المغتربون الذين أعجبهم رغد العيش في الغرب وزهدوا في أوطانهم لكنهم يعتذرون لأنفسهم بأنهم لن يعودوا ليكونوا في خدمة "الفاسدين" وأن دول الغرب تحترمهم وقس على ذلك من الحجج، بينما لو صدقوا مع أنفسهم لم يعب عليهم أحد البقاء لأجل لقمة العيش لكنهم يريدون أن يعفوا أنفسهم من مسؤولية بناء أوطانهم بوضع اللوم على الحكومات (أستثني منهم بالطبع من تشكل عودته لوطنه تهديدا له كالسجن مثلا، ولكنهم قلة)

ثالثا والأهم موضوع الثورات لي موقف مختلف منها (وهو مبني على أدلة شرعية) لكنني لن أخوض في هذه المسألة لأنني لا أكره شيئا كالحديث في السياسة، حيث أنه يؤدي بالمتناقشين لكراهية بعضهم بعضا وقد يخسر الأخ أخاه بسببها وفي النهاية لم يغير أي منهما شيئا. لكن يمكنك الافتراض أنني أؤيد هذه الثورات من أولها ولنتأمل ما وصلت إليه النتائج، والتي تدل على وجود خلل في الشعوب لا يمكن إنكاره، حيث أنهم جماعات وأحزاب متفرقة بدأ بعضها يطعن في بعض بمجرد سقوط جزء من النظام وأصبحت الأمور أقرب للفوضى، وهذه الفوضى ينتصر فيها الأقوى وهو النظام القديم بلا منازع. أي أن هناك نقصا في الفهم السياسي وعدم وجود أية رؤية مستقبلية مشتركة فلم يكن يوحد هؤلاء سوى بغضهم للحكم القائم وطمع كل منهم في الجلوس مكانه. إذن هناك مشكلة علينا أن نعالجها في الشعوب وهي تأخذ وقتا أطول وجهدا أكبر لكنها من الناحية الإيجابية لن تسفك الدماء وتدمر الأوطان كما فعلت الثورات، وليتها أتت بما يستحق هذه التضحية. لننس الماضي إذن فلا طائل من إعادة نبش ما حصل ولنكتف بما استخلصناه منه عبر لنفكر بالمستقبل بشكل أوضح.

أخيرا وللعلم لست أقل من أي شخص آخر نظرا لشمولية الإسلام وقد ذكرت أن الشعوبية الجديدة تشمل المسلمين جميعا وليس العرب فقط. رغم وجود تيار من الأحزاب المنتسبة للإسلام يفضل مسلمي الترك على مسلمي العرب فلا يرى فيهم أي نقص أو عيب لأن قادتهم السياسيين متفقون تماما مع توجه القادة السياسيين لهذه الأحزاب، وهذا أوضح من أن يتم إنكاره.

أولاً: نعم أنك قولت أنك لا تعفي الحكومات من مسئولياتها، ولكنك وضعت العبء كله على الشعوب، والقليل على الحكومات وهنا الإختلاف فأنا عكس ذلك أضع النسبة الأكبر جداً مما نحن فيه على الحكومات والجزء اليسير على الشعوب.

ثانياً: أنا لم أرد أن أعلق بكلمة" خلط السم بالعسل" لأنني أحسن الظن بك وبنيتك، ولكن هناك خلط للأمور والموضوعات، فأنت قدمت أمثلة هي حقاً مرفوضة، وفعلاً هي ليست من الدين في شىء ولا تسمن ولا تغني من جوع، ولكن ليس كل المنتقدين للواقع المرير الذي نعيشة هم فشلة، فقد يكون طالباً متفوقاً ولكنه يدرك مدى الأخطاء التي يعيش فيها النظام التعليمي وهذا قمة الموضوعية، فليس معنى أنني مثلاً أملك واسطة أو محسوبية أو مال أدفعه كرشوة لتسهيل أعمالي أن أنكر سوء الوضع الذي أعيشه، وقمت بإقحام موضوع الثورات العربية في موضوع الشعوبية وهما موضوعان مختلفان، ولذلك قلت أنني أؤيدك في بعض الأفكار وأخالفك في الآخر. فأنت بلغت المنطق قدمت تقريرين أحدهما صواب والآخر خطأ وربطتهما بأداة الربط "و" .

لا أحد ينكر حالياً تفوق الغرب ولكن الخطأ هو الإنبهار به وفقط وكذلك قمة الخطأ التقليد الأعمى له حتى نتفوق مثله، وياليتنا نقلده فعلاً تقليد أعمى ولكنه تقليد في السطحيات وفي الأمور المخالفة لعقائدنا وتقاليدينا ولا أدرى ما علاقة هذا التقليد بالتقدم، ولكن هذا أيضاً مما اكتسبه الشعب من الإعلام، فنجد تلك الممثلة وهذا الممثل يخرج علينا ويقول في أمريكا كذا وفي فرنسا كذا ويذكر الإنحلال الأخلاقي وكأنهم تقدموا بسبب إنحلالهم الأخلاقي، ولا نجد إعلاماً يذكر العالم الفلاني والإختراع الترتاني.

ثالثاً: لما اللوم على من هم بالخارج ولا يريدون العودة إلى أوطانهم؟! أتريد منهم العودة والإصطدام بالوضع السيء الحالي، ولما ذلك؟ من أجل رفعة أوطانهم، أؤكد مرة وهذا اعتقادي، أنني كمسلم لا أرتبط بوطن ولا أرض، فما أرسل الله رسوله محمد صل الله عليه وسلم لأرض بعينها ولا أناس بعينهم ولكن الله أرسله رحمة للعالمين، فكل الناس بالنسبة لي إما مسلمين أو أناس يحتاجون من يدعوهم للإسلام وهذا في أي مكان يتحقق، وأؤكد ذلك مرة أخرى لأنني وجدتك تتحدث عن واجب البعض اتجاه وطنهم.

رابعاً: الثورة قد يكون هناك اختلافات فقهية حول مشروعيتها، وأنا مثلك لا أستطيع الخوض في ذلك ولكن الشيء الوحيد الذي أعرفه هو عدم السكوت على الظلم والطغيان ومحاولة رفعه بكل الطرق والوسائل الممكنة، ومن قال أن ثورات الربيع العربي ماتت ولم تحقق شىء، يكفي أنها كشفت لنا الكثير من الفساد والنهب الممنهج للدول وذلك إما من حكامها أو حاشيتهم أو فئة مقربة، يكفي أنها أظهرت لنا وجوه كنا نظنها أنها مخلصة محبة لأوطانها فما وجدناها إلا وجوه قبيحة حاقدة متكبرة تنظر إلى الشعب على أنه عبيد وهم أسياد، كشفت لنا الأوجه وإن لم تحقق الثورات أهدافها الحقيقية حالياً فإنها لا محالة مستمرة وستكسب لا محالة في النهاية ولكن ساعتها لا رجعة ولا نفافق فكل الوجوه انكشفت ولا مجال للخطأ مرة ثانية والخداع، وإن كنت تقصد أن الدماء كانت كثيرة من وراء هذه الثورات، فأقول لك أخي ليس كل من هو يدب على الأرض هو حي فهناك من يموت كل يوم يموت من الظلم والقهر والحزن. فقد يكون من ماتوا أحياء ونحن الأموات الحقيقيون.

أخيراً إذا كان هناك الكثير ينتقد الوضع الحالي فأعتقد أن الكثير منهم يعمل ويجد وليسوا شعوبيين يسعون للنقد لمجرد النقد، فلا تلتفت للجاهل والمجادل ومن اتبع هواه، فهؤلاء لن يجدي معهم الحديث، فليس معنى ظهور مثلاً على النت ملحداًَ أو أكثر معناه كثرة الملحدين، ولكنه العالم الإفتراضي الذي يمكن من يملك أدواته ويعلم كيف يتلاعب بها هو الذي يمكنهم من إشعار الجميع أنهم كثر.

وأرحب بالحوار أخي أياً كان ولست ممن يخسر أحداً بسبب الحوار ما دام في حدود اللباقة، وكان حواراً هادفاً ومحدداً ومصحوباً بأدلة سواء عقلية أو نقلية.

لن أقول سوى:

إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ

[الرعد:11]

أخي الكريم أنا لم أحدد نسبا للمسؤولية، وإن سألتني عن النسبة سأضع أكثر من 70% على الحكومات، فهنا لا نختلف. لكن من أساسيات الكتابة والمخاطبة أن تعرف جمهورك، وأنا أعرف أن نسبة من سيقرأ ما أكتبه هنا صفر%، وإن مر أحدهم بالصدفة وقرأ فاحتمال أن يعجبه الأمر هي أقل من صفر بالمئة، وبالنتيجة لن يغير هذا شيئا. أنا هنا أخاطب الناس العاديين الذين أفتخر بالانتماء لهم، فلست ناشطا ولا قياديا في حزب ولا شأن لي بكل تلك الأمور. ومن أجل ذلك كتبت ما رأيته عمليا أكثر وليس ما "يفش قلبي" كما يقولون. لو نظرت لموضوعي أنه موجه للناس (كلمة الشعوب كبيرة في هذا المقام) لربما تفهمت بعضا من وجهة نظري في بعض المسائل.

ثانيا أنا تحدثت عمن يعيشون في بلاد الغرب ويفيدونه بخبراتهم بينما بلدانهم أحوج ما تكون إليهم، فمن أولى بالعلاج من قبل أخصائي سرطان مسلم المرضى المسلمون أم الغربيون؟ صحيح أن الطب مهنة إنسانية لكن لا مقارنة بين حاجة بلادنا وحاجة بلادهم لهكذا خبرات (عندما أقول الوطن لا أقصد أن يرجع الفلسطيني إلى فلسطين والمصري إلى مصر، فأنا لو ذهب إلى المغرب أو أندونسيا أو باكستان أو السعودية فكلها أوطاني)، وأنا ذكرت أنه لا مانع من عيشهم هناك ان اعترفوا أن السبب هو لقمة العيش فهذا من حقهم، لكن اختلاق أعذار غير منطقية وشروط مستحيلة لا يجوز كقول أحدهم "إن قدم لي وطني ما قدم لي هنا سأعود"، فهذا يقال له إن كان كل من بلغ نصيبا من العلم فكر بطريقتك وذهب بحثا عن حياة أفضل عند الغرب فمن تبقى ليبني هذا الوطن؟ سيتحول شيئا فشيئا لبلد متخلف وهذا ما سيعيبه عليه هذا العبقري الذي يعيش حياته الرغيدة عند الغرب.

للمرة الأخيرة سأتطرق لموضوع الثورات (تبا للسياسة تحشر نفسها في كل شيء) أنا لم أتحدث عنها رغبة مني لكنها أقحمت نفسها لأن بعض الشعوبيين يحاولون التحريض عليها كما ذكرت في الموضوع، كما أن الظاهرة نفسها ازدهرت في فترة الانحدار التي شهدتها الثورات. المهم هنا أننا لا نختلف في تشخيص المشكلة لن المشكلة في كيفية علاجها، فلا يوجد عاقل يقبل بالظلم لكن الطريقة الخاطئة في رفع الظلم قد تضعنا تحت ظلم أكبر وهو ما حصل، ومما كشفته الثورات أيضا ما ذكرته في موضوعي السابق وهو أن المصالح متضاربة والطمع في الحكم من قبل أطراف مختلفة أدى لفشلها، هنا لا نتحدث عن بسطاء مغيبين خدعهم الإعلام، بل عمن يعتبرون أنفسهم قادة أحزاب سياسيين محنكين ونشطاء ثوريين. وللعلم لو علمنا الناس الدين بصورة نقية صحيحة لتغيرت نظرتهم لكثير من الأمور ولما استطاع إعلام أو غيره خداعهم لأن العلم الشرعي يحصن حامله من الانجرار وراء الكذب والتدليس لأنه لا يقبل شيئا إلا على بينة ويرد ما يخالف فهم المنهج الإسلامي الصحيح.

ختما أقول أننا متفقون في نقاط كثيرة، وأهمها ضرورة التغيير. لكن اعذرني فالثورة لم تعد بالنسبة لكثيرين خيارا مفضلا بعد ما رأوا، والأولى من الانشغال بالسياسة أن نرجع لتنقية عقيدة الناس التي أفسدها كثرة المفتين بالدين من الجهلة والإمعات، فأصبح إنكار أحكام الدين بطولة عند كثير من هواة الظهور

المتخصصون والعلماء والمهرة يعيشون خارج بلادهم ومن المؤكد هم يتجرعون مرارة الإغتراب، ولكن هذا ليس باختيارهم، فهل يعود عالم لوطن لا يقدر العلم، هنا لا يقدر العلماء ولا يعطون حقهم، هنا تقدر وظائف أخرى أصحابها كلنا يعرفهم. ولتعلم يا أخي الفاضل ليس لقمة العيش فقط هي التي ترغم العالم على الإغتراب، فحب العلم ايضاً لذة وشهوة ككل الشهوات، وهناك يجد شهوته ولذته التي لن يجدها في موطنه الأصلي.

أعتقد أنه بعد الثورات العربية - كما سبق ووضحت - ظهر كل على حقيقته، فظهرت الأحزاب الديكورية والمنافقين السياسيين ومن يريدون السلطة ومن يريدون فعلاً مصلحة الناس ومصلحة موطنهم، وهذا ما قلته أن من أهم فوائدها كشف الأقنعة، فتجد هذا كنا نحسبه شيئاً وها هو لا شىء.

تعلم العلم الشرعي! من سيعلم ومن سيتعلم، الآن لا يستطيع أحد تعليم العلم الشرعي إلا من قبل الحكومة، وهذا إن هي فعلاً خصصت أماكن أو وقت للعلم الشرعي، هذا لمن سيعلم، أما من سيتعلم هل تعتقد أن جو مثل الذي تحياه الناس سيذهبون لتعلم العلم الشرعي، من الآن لا يعمل في عملين على الأقل لتوفير قوت يومه، ومن يملك الوقت لا يملك الجرأة ويخشى من أن يوضع في قائمة الإرهابيين، ومن يملك الوقت والجرأة أصبح مغيب ويرى الدين بنظرة مختلفة نظرة يبثها علماء السلطة نظرة صوفية أو قلبيه أو أو أو ... نظرات بعيدة كل البعد عن حقيقة الدين. العلم الشرعي لوحده لا يبني مجتمعاً، لا أقلل من أهميته ولكن ارجع إلى الوراء كثيراً وانظر كم سنة سبقت فرض الصلاة في الإسلام، ستجدها بعد نزول الوحي على رسولنا الكريم بـ 11 عاماً، وكذلك الصوم والزكاة والحج بعد الوحي بسنوات، كيف إذاً آمن من آمن وتحمل من تحمل الإبتلاء والعذاب وهاجر من هاجر، كيف تغيروا عما هم عليه، ليس بالعلم الشرعي ولا بكثرة الصلاة ولا الزكاة ولا ولا - مع عدم وضع هذه في الأهمية القصوى لنا كمسلمين حيث أنها عبادتي التي أتقرب بها لربي- ولكن الذي غير وبدل نفوسهم وجعلهم لا يهابون العذاب ولا الموت هو العقيدة وأجدك تقول أن العقيدة هي أحد العلوم الشرعية، نعم أخي هي أحد العلوم ولكن العقيدة ليست كلام يدرس ويقرأ وفقط ولكنها يجب أن تكون واقع نراه ممن يملكون العلم الشرعي ودرسوها وفهموها، فم لم يقرأوا العقيدة ولكنهم رأوها تمشي على الأرض متمثلة في سيد الخلق، تعلموها عملياً، تنقصنا القدوة العملية، القدوة المقنعة من العلماء الذين يطبقون ما يدرسون ونراه في أفعالهم قبل أقوالهم، نريد علما بين الناس، يفعلون قبل أن يتكلمون، علماء ليسوا منكبين على أمهات الكتب يقرأون ويذاكرون ويمحصون ويفحصون، فأعتقد حالياً سنجد من نوعية هؤلاء الباحثون الكثير وليس بالأمر الصعب، لكن ما نريده عالماً قارئاً متفحصاً عاملاً يسير بيننا ونرى الدين في أفعاله قبل أقواله ولا أقصد في صورته، بل قصدت أفعاله حقاً، يذهلني بعض الزملاء يعتقدون أنهم سيخرجون جيلاً مختلفاً من أبنائهم بنفس المنطق الذي تحدثت به، فهو فعلاً يعتقد أنه سيضع ابنه في صوبة زجاجية وسيجرج بعد ذلك جيلاً آخر مختلف، هيهات! كيف ذلك والإسلام دين اجتماعي لا تجد لذته ولا حلاوته إلا في الاختلاط بالناس واحتمال ذلاتهم والصبر على أذاهم، ابنائهم سيصبحون شيئاً آخر لو استطاعوا فعلاً عزلهم.

من قال أن الكثير يجد أن الثورات ليس هي الخيار، هناك من ينظر لها نظرة سوداوية وهناك على النقيض، مع كل النتائج التي قد يعتبرها البعض غير صائبة لكن رأي الشخصي أنها وضحت لنا الكثر أو على الأقل اتضح لي الكثر الذي كان غائباً عني، وإذا تكررت ستكون النتائج مختلفة كلياً.

العلم الشرعي له فوائد أكثر من التي ذكرتها وما يهمني هو وما ركزت عليه هو أنه يعلم الإنسان التحري ويعطيه القدرة على تمييز الغث من السمين فلا ينخدع بإعلام أو شيخ مأجور أو أي ضلالي يلقي الشبهات ويحرف النصوص. ولا أرى داعيا للإفراط في التشاؤم فلا تخلو بلد من علماء مخلصين ليس لهم هم سوى تعليم الدين بمنهجه الصحيح للناس ونصحهم في دنياهم وآخرتهم. لنهم للأسف ليسوا معروفين لأنهم لا يتصدرون للسياسة والمناكفات وهي الأشياء التي تجذب معظم الناس للأسف.

على كل أرى أن النقاش ابتعد عن صلب الموضوع، وهذه الأمور تحتاج لكثير من الكلام والشرح ولا يوجد متسع هنا. المهم أن نتجنب الوقوع في فخ الإحباط الذي يحاول هؤلاء أن ينصبوه لنا بشتى الوسائل. وأن نتذكر دائما أن الخير موجود وعلينا فقط أن نبحث عنه ولا حاجة للتركيز المتكرر والمبالغ فيه على السلبيات وعلينا أن نشجع أي خطوة إيجابية مهما كانت صغيرة، فالطريق لا زال طويلا.

أشكرك مرة أخرى على مساهمتك في الموضوع

لا أتفق معك صديقى فى نقطة , الحكومات و المسئوليين يتحملوا نسبة كبيرة من ما وصلت اليه رعاياهم بل هم يسعون لذلك :) كى يظلوا مكانهم , زرغ الجهل فى المواطن ممنهج , العشوائية ممنهجة , اللا مبالة ممنهجة , الخ حتى لاتفيق شعوبهم او رعاياهم للاسف , وان كانوا غير ذلك و كنت أنا واهم لكانوا على الاقل سعوا لعكس ذلك و قضوا على الفساد و الجهل و و و , الثورات العربية "معظمها" نقية ولكنها لاسف تلونك و أستغلها الفاسدون للاسف , ولكن ألامل مستمر , الثورة قادمة :)

أحسنت (ولو أطلت) لكنّك أصبت في كل سهمت وأبدعت .. وأعتقد أنّني أذكر قبل مدة معاناة مجتمع أرابيا من بعض الشعوبيين .. العجيب أنه، حتى بعض العرب أنفسهم يحتقرون إنتماءهم الأمر الذي لا يشفع لهم بالمقابل ومع هذا مصّرون أن يجلدوا ذاتهم ولكن ليس للأغراض ذاتها [:جلد الذات].

لكن ما يزيد من حدّة طرح الشعوبيين الجدد -(كما أسميتهم) وإن كنت أرى أنّهم مجرد إمتداد تاريخي للعنة عُـمرية [:نحن قومٌ أعزّنا الله]، فأنا أظن أن العناصر الأساسية هي من سلالة الشعوبيين الأوّلين، يعني من نفس العائلة أو الدم. إنّ الأمر قد ينطوي على مورّثات كارهة للعرب [:الجذور الكارهة للماء]، ولكن ما يدفعهم للجنون هذه الأيام هو- العروبية الجديدة، قد يعتبرها البعض نوعاً من البعثية أو القومية المعدّلة، ورغم هذا فهي ظاهرة جديرة بالملاحظة.

زيادة الوازع القومي الذي إنتشر بشكل ملفت وخصوصاً في زمن المدوّنات، وأنا أعتقد أن لبعض المدوّنين الأوائل الأثر الأكبر في ثورة العربية في الويب، بالإضافة للكثير من العوامل وأيضاً الجهود التي أظهرتها بعض المنظّمات مثل "أيّام الويب العربي"، ربّما يظن البعض أنّ الدافع كان إعتباطياً وطفولياً، معارك زيادة كمية المحتوى ، والتي تظهر سافرة في ويكيبديا وبعض المجتمعات التّي تستغل الرغبة القومية في دفع روّادها على التفاعل .. لكن لا يخفى على أحد الحملات القومية التي شنّها المفكرون والأدباء العرب وبعض رجال الدين أيضاً في القرن الماضي (وربما أقدم)، ومع هذا فالإعجاب القومي والتباهي بالعروبة هي من مميّزات وخصال أغلب العرب .. النهي عن الأمر لم يكن مباشراً من الناحية الدينية لكن الإسلام ديانة تنبذ التعصّب والتفاخر بالدم والانساب والإنتماء القبلي، وكل ما من شأنه أن يصنع العظمة المزيّفة ويقود الإنسان للغطرسة القذرة.

(نظرياً) كل فعل يولّد رد فعل، التفاخر الأعمى بالعروبة، الإعجاب بدون أدنى ما يثير للإعجاب بالعرب، والتعصّب للعربية، قد تجعل بقية الشعوب يشعرون بالإستثارة، والإستهداف وحتى الإنتقاص.. كمثال، كلّنا يعلم أن الأوروبيين حقيقةً (في مجملهم) لا يرقون لدرجة العرب من عدّة نواحي، ويفوقون العرب في نواحٍ أخرى، فأكيد أن كل طرف منهما سيرى الأمور التي تفوّق فيها على أنّها أكثر أهمية، وهي ما يجب التركيز عليه في هذا الوجود، يعني من زاوية أخرى، لو كان يظن أنّ ما يجيد القيام به شيء غير ذي قيمة، لما إستمر بإجادته. فوقوفك أمامه والتفاخر السخيف ببعض مميزاتك التي يفتقر إليها، أكيد ستخلّف لديه نوعاً من الحقد والكراهية لك كشخص ومن خلالك كل ما تمثّله، من عروبة أو غيرها.

حقيقة هذا أمر، ولكن أن ينشأ بين ومن بين العرب قوم يتكلّمون بلغتهم وينتفعون من أوطانهم، يلبسون مثلهم وقد يدينون حتى بدينهم، يكرهون العرب ويكيدون لهم بالأقوال والأفعال، أمر مختلف كليّا، إنّما ينمّ عن دناء النفس وإبليسية متجذّرة [:لأقعدن لهم]. فحينما يرى الفرد من هو أحسن وأفضل منه، ويشعر بالإنتقاص في ذاته، فإنما هو إبتلاء بين أن يحكّم العقل ويذكُـر الله الخالق، وبين أن يُبطل التفكير ويلهث خلف أسهل حل لإنهاء الأحسن، أولاً يتخذهم خصوماً، وثانياً يؤمن ويعتقد بالنقص ويوقن بإستحالة التغيير، ثم يبدأ بالعواء، [:لأضلّنهم].

وأغلب الشعوبيين فاقدون للأمل بأن يكونوا أحسن من العرب، لهذا تجد الكراهية إلى قلوبهم سبيلاً، والشتيمة إلى ألسنهم طريقاً. عسّى الله أن يفرّج عنهم كُـربتهم ويهديهم سواء السبيل، وأن ينير درب العرب المتفاخرين بالأنساب والدماء والعشائر وكل ما هو هزيل.

وشكراً جزيلاً لك على إثارة الموضوع. وأعيد وأكرر، كفّيت ووفّيت.

أشكرك على المساهمة، وأود التأكيد على أن العروبيين والقوميين المزعومين لا يختلفون كثيرا عن الشعوبيين؛ فهم وضعوا العروبة معيارا لرفع درجة أبنائها حتى لو لم يكونوا مستحقين، وأولئك الذين يقزمون كل ما يقوم به العرب دون أي سبب. وهنا استحضرني مثال آخر هو قيام أحد الطلاب العرب ببرمجة روبوت ليؤدي حركات الصلاة مع صوت مسجل للتكبيرات ولقراءة القرآن، وما تبعه من تعليقات تستخف بهذا العمل وهي تقول (وماذا يفيدنا ذلك). بغض النظر عن فائدة العمل من عدمها، أكاد أجزم أن نفس المعلق كان سينبهر إن رأى روبوتا يابانيا يرقص (البون أودوري) ويصف صانعيه بسكان كوكب اليابان الشقيق!

وهنا استحضرني مثال آخر هو قيام أحد الطلاب العرب ببرمجة روبوت ليؤدي حركات الصلاة مع صوت مسجل للتكبيرات ولقراءة القرآن

أخي هل تذكر مصدر الخبر؟ ^-^

لأن هذا شيء عظيم جدا oOo

أكاد أجزم أن نفس المعلق كان سينبهر إن رأى روبوتا يابانيا يرقص (البون أودوري)

وسينبهرحتى لو هز رأسه فقط

وهذا قمة التناقض!

صراحة لا أعرف مصدر الخبر ولا أين تمت التجربة، لكن الفيديو موجود على اليوتيوب يمكنك أن تبحث بكلمة "روبوت يصلي"

أحسنت أخي ، أو كما يقولون كتبت مقالة على الجرح :)

ما فهمته هو:

بدل ما تشتكي من المشكلة وتلقي اللوم على غيرك(المنهج، المُدَرِس، ...)

فالتسعى لحل المشكلة بنفسك بدل قذف العرب بالتخلف!

-

صحح لي إن كنت مخطئًا ^-^

صحيح ، جزاك الله خيراً.

أصبحت أرى هذه الصفحات كثيراً، والتي تشوه العرب، وتمدح الشعوب الغربية، حتى أنهم يقومون بتأليف قصص على اليابانيين، إذا رآها اليابانييون سوف يذهلون!

أنا أرى أن العرب ليسوا بفشلة، وأنه لدينا ناجحون ولدينا طموحون، ولكن أمثال هؤلاء الناس من شوهو صورتنا عند أنفسنا، وأصبحنا ننظر للغرب كأنه جنة.

للاسف هاؤلاء مرقوا من عروبتهم واوطانهم واسلامهم كما يمرق السهم من الرمية ..

بلادي وإن جارت علي عزيزةٌ .. وأهلي وإن ضنوا علي كرامُ

لا أعتقد أن الأمر يرقى إلى حركة شعبوية جديدة، إنما هي عقدة نقصٍ أصابتنا لا غير.

أريد أن أرد فقط على نقطتين في كلامك:

النقطة الأولى:

لا تنتظر شيئا من الحكومات ولا تضيع وقتك بانتقادها وسبها ولعنها وتحميلها كل المصائب

  • الحكومات هي من بيدها مقاليد الأمر والحكم والتشريع، فهي بمقدورها مثلاً إزاحة القمامة المتكدسة في الشوارع فقط إن أرادت. ودليلي هو كيف يهيئون الشارع جميلاً مزهراً عطراً وقت زيارة وزير أو محافظ أو رئيس أو ملك أو شخصية مهمة!

  • الحكومات هي التي بمقدورها تحسين التعليم، وهو ليس بحاجه للمال الكثير جداً بالمناسبة، وليس الأفراد فهم من يملكون المناهج والمدرسين وكل أدوات التعليم سواء ما قبل الجامعي والجامعي.

  • الحكومات هي التي بيدها الاقتصاد وليس الأفراد، فهي بمقدورهم تعيين وتنصيب ذوي الكفاءة والخبرة ليس أهل الولاء والثقة، فمشكلة الإقتصاد ليست مشكلة عويصة. فدول كثيرة لا تمتلك حتى نصف مواردنا الطبيعية وتقدمت عنا.

لا تنتظر شيئا من الحكومات

إذاً لما يأخذون منا الضرائب طالما لم يفعلوا بها شيئاً؟!

النقطة الثانية:

يبدو أن الخلل ليس في الحكومات وحدها بل أكاد أجزم أنها انعكاس لطبيعة المجتمع، بدليل أنه أعاد إفراز حكومات تشبه ما قام بإسقاطه وذلك بكل رضا واختيار منه.

أتعرف أستاذ ياسر لماذا لم تخرج هذه الثورات عن نتيجة وأفرزت عن نفس الشخصيات؟

لأن شِلة المحاسيب ورجالهم لم يتغيروا فظلوا كما هُم في مناصبهم. هذه الثورات لم تغير سوى رؤوس الأنظمة وظلت البِطانة الفاسدة في مكانها تعبث كما تشاء و بمصالحنا لمصالحهم، يستطيعون التحكم في البلد ورؤوسه.

لستُ من هؤلاء من تسميهم بالشعوبيين، فأنا أبغض كل من ينتقص من العرب وأحاول الرد عليه بالدلائل فنحن أُمة عظيمة وعريقة. ولكن أن تحاول إعفاء الحكومات من مسؤلياتهم فهذا خطأ، فالأولى ترك مناصبهم إذا ولا يحصلوا الضرائب ويتركوا الأفراد يديروا شئون بلادهم بنفسهم فهذا أوفر .. أفضل .. أضمن حينها.

-1

tres bien dit