في لحظة تسارعها المحموم، هل تساءلتم يومًا عن وجهتنا الحقيقية؟ لماذا أصبحت قيمٌ كانت بسيطة يوماً معقدة، وأخرى كانت غريبة مألوفة؟
الأمر أعقد من كونه تطورًا طبيعيًا للمجتمعات.. إنه أشبه بـ برمجة متعمدة تهدف إلى تشكيل وعي الأجيال القادمة وفق قوالب جاهزة، حتى يصير الجيل القادم مُصمَّمًا حسب الرغبة، لا حسب القناعة.
لنضرب مثالاً واضحًا
تخيل سائل مبيض مركزًا -لو شربته مباشرة لكان سماً قاتلاً- لكنك لو وضعته في دلو وأضفت إليه كأسًا تلو الآخر من الماء، فإن طعمه س يختفي بالتدريج، حتى تصل إلى مرحلة تشرب فيها ماء الدلو دون أن تدري أنك تستهلك نفس المادة السامة!
لا يأتي التغيير المخرب مرة واحدة، وإنما على شكل جرعات صغيرة متتالية: مسلسل، فكرة، موضة، مصطلح جديد، "حرية" مُصطنعة... كل واحدة منها تبدو غير ضارة، لكن تراكمها هو ما يغير المناعة الفكرية للمجتمع بأكمله.
جيلٌ يتقبل فكرة صغيرة، فيربي جيلاً أكثر تقبلاً لها، ثم يخرج من ذلك جيلٌ يرى المستحيل ممكنًا، والمرفوض مقبولاً، حتى نصل إلى الجيل "المُبرمَج" الذي يظن نفسه حرًا وهو في قفص من معتقدات لم يخترها.
بينما ينشغل الكثيرون منا بهموم اليوم، هناك من يخطط لعشرين سنة قادمة.. فهل نحن واعون لهذه المعركة؟ وهل فكرنا في كيفية بناء خططنا الطويلة للحفاظ على هويتنا وقيمنا؟