في حَنَاجِرِ الجَدَّاتِ، حَيْثُ تَنْبَثِقُ الحِكَمُ كَنَبْعٍ مِنْ صَخْرٍ، تَتَدَلَّى كَلِمَاتٌ تَحْمِلُ وَقْعَ السُّكَّاكِينِ وَحَنَانَ الخُبْزِ. هَذَا المَثَلُ الشَّعْبِيُّ — لَفظُهُ كَشَجَّةِ زِجَاجٍ — لَمْ يُخْتَرَعْ لِيُدَغْدِغَ الأَسْمَاعَ، بَلْ لِيُثْقِبَ غِشَاءَ الوَهْمِ. فَمَنْ يَنْتَظِرُ الدُّبْسَ مِنْ جَسَدِ النَّمْسِ، كَمَنْ يَرْقُبُ المَطَرَ يَنْزِلُ مِنْ صَفَائِحِ الصَّيْفِ.
الأَمْثَالُ فِي تُرَابِنَا لَيْسَتْ أَلْفَاظًا، بَلْ هِيَ شِفَاهُ الأَرْضِ تُحَدِّثُ عَنْ عُرْيِ الحَقِيقَةِ. تَأْبَى أَنْ تَلْبَسَ قُفَّازَ الكَلامِ، فَتَقْذِفُ بِالصُّوَرِ الفَجَّةِ كَحَصَىً فِي وَجْهِ الغَفْلَةِ. وَفِي قَسْوَةِ تَعْبِيرِهَا جَمَالٌ بَهِيٌّ: فَالطِّينُ فِي لُغَةِ الشَّعْبِ يُصْبِحُ فَخَّارًا، وَالْجُرْحُ يَتَحَوَّلُ إِلَى مِزْهَرِيَّةٍ.
هَذِهِ الكَلِمَةُ الخَشِنَةُ — الَّتِي تَتَدَفَّقُ كَمَرَقَةِ فِضَّةٍ فِي عُرُوقِ اللُّبْنَانِيِّينَ — لَيْسَتْ شَتِيمَةً، بَلْ رَنَّةُ جَرَسٍ تُهَزُّ بِهَا الذَّاكِرَةُ:
- لِكَيْ لَا تَسْكُرَ بِخَمْرِ المُسْتَحِيلِ،
- وَلِكَيْ لَا تَبْكِيَ عَلَى أَشْلاءِ الوَهْمِ،
- وَلِكَيْ تَعْرِفَ أَنَّ الحَيَاةَ تُولَدُ مِنْ رَحِمِ المُمْكِنِ فَقَطْ.
فَنُّ المَثَلِ الشَّعْبِيِّ هُنَا يَبْني قُبَّةً مِنْ صَخْرِ الوَاقِعِ، يَحْتَفِي بِالقُبْحِ الَّذِي يَخْفِقُ بِجَمَالِ الحَقِيقَةِ. إِنَّهُ يَرْفُضُ تَزْيِينَ الجُوعِ بِوَرْدِ الكَلَامِ، فَيَقْذِفُ بِالكَبِدِ الحَيِّ عَلَى مَائِدَةِ الفِكْرِ. وَفِي هَذِهِ الجُرْأَةِ تَكْمُنُ رُوحٌ تَصْنَعُ مِنَ الحِجَارَةِ خُبْزًا، وَمِنَ اليَأْسِ دَرَجَاتٍ تَصْعَدُ إِلَى الأَمَلِ.
وَالخَاتِمَةُ؟ إِنَّهَا لَيْسَتْ كَلِمَةً، بَلْ صَمْتٌ بَعْدَ انْفِجَارِ المَعْنَى: فَثَقَافَتُنَا — كَالتُّرَابِ الَّذِي يُنْتِجُ العَسَلَ وَالحَصَى فِي آنٍ — تَخْبِزُ الحِكْمَةَ بِدَمِ الصِّدْقِ، وَتُقَدِّمُهَا عَلَى صَحْنٍ مِنْ ضَحِكَاتٍ مَكْسُورَةٍ. هَكَذَا يَخْرُجُ الجَمَالُ مِنْ جُرْحِ اللُّغَةِ، كَالنَّجْمَةِ الَّتِي تُولَدُ مِنْ عَتَمَةِ الفَضاءِ.
التعليقات