القلق والأزمات الوجودية. ما الذي نطارده في الحياة؟

يطبق صدرك، فترفع رأسك. موج يعلو فيعلو فيحجب الشمس جالبا الظلام، ثم ينخفض فيتحول إلى تيار جارف يكسح كل ما في طريقه. موجة صادمة تفكك كيانك من الداخل إلى الخارج. عقل لا يتوقف عن التفكير وكأنما حياتك على المحك، أصوات لا تتوقف عن هدم آخر أبراج العقل التي مازالت صامدة. يد تدفعك من أعلى الهاوية -التي ما فتئت تحدق فيها- إلى أسفلها، إلى النهاية.

أزمة وجودية.

لم يتوقف الإنسان عن النظر بداخله بقدر نظره إلى خارجه. سأل كل ما خطر على باله من الأسئلة، ومن أهم تلك الأسئلة هو سؤال المعنى، الهدف.

الفلسفة، الدين، اﻹنسان. لماذا أصبح القلق متصدرا الحياة في عصرنا الحالي؟ ما الذي أدى إلى هذا، و ما الذي يمكننا أن نفعل حياله؟

هل ترى أن للحياة معنى مطلق، أم أن المعنى شيء شخصي، و ما هو أهم أهدافك في الحياة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هل ترى أن للحياة معنى مطلق، أم أن المعنى شيء شخصي، و ما هو أهم أهدافك في الحياة؟

لو سألتني هذا السؤال من بضعة أعوام لأجبتك إجابة مختلفة عما هو الآن. أعتقد أن الإجابة تختلف باختلاف الفلسفة التي يعتنقها كل منا تجاه الحياة. المعنى عندي هو الدين ليس غير. بالدين أجد المعنى الحقيقي للوجود الدنيوي الذي نحن فيه أما بغيره فلا معنى يثبت ويصح إلا قليلاً. أصحاب المدرسة الوجودية منهم كامو وسارتر يرون أننا لابد أن نصنع المعنى. الحياة بلا معنى؛ فهي عبث في عبث. إذن هل نتركها وننتحر؟! يقولون: لا ، بل اصنع انت المعنى وتعزى به. وهم يرون بما أن الإنسان هو عقل الوجود فعليه أن يخترع ذلك المعنى ويصنع من العبث و الفوضى حوله وجود منظم مرتب بحيث نستمتع به. بالضبط كما يلعب الأطفال لعبة لا غاية من ورائها ولكن هم يضعون قواعدًا لتلك اللعبة ويضعون أهدافًا وهمية ويأخذون اللعبة بكل جد مع أنها لعبة لا طائل من ورائها ولكن هن يتسلون بها ويتعزون بها عن العبث الكبير الذي يُحدق بهم. أهدافي بالحياة أن أظل بخير وعائلتي وأن أواصل الحياة بما يقتضي ديني لأني أحس بذلك أحقق المعنى المطلق من وراء وجودي

بالضبط كما يلعب الأطفال لعبة لا غاية من ورائها ولكن هم يضعون قواعدًا لتلك اللعبة ويضعون أهدافًا وهمية ويأخذون اللعبة بكل جد مع أنها لعبة لا طائل من ورائها ولكن هن يتسلون بها ويتعزون بها عن العبث الكبير الذي يُحدق بهم.

آه. كلاسيكية الدين الفلسفة. أيهما يجد فيه الإنسان عزاءه. لربما يوما ما سيهزم الإنسان القلق بالتعايش معه بدلا من محاولات التجاهل، الهرب أو العقلنة. أن يحدق في تلك الهاوية التي تحدق فيه و يدرك أن تلك اليد التي تدفعه هي يده.

أهدافي بالحياة أن أظل بخير وعائلتي وأن أواصل الحياة بما يقتضي ديني لأني أحس بذلك أحقق المعنى المطلق من وراء وجودي.

تمنياتي أن تحقق أهدافك و أن لا تغلبك شياطينك.

آه. كلاسيكية الدين الفلسفة. أيهما يجد فيه الإنسان عزاءه. لربما يوما ما سيهزم الإنسان القلق بالتعايش معه بدلا من محاولات التجاهل، الهرب أو العقلنة

لا يا أخي، الدين - و الدين فقط - ليس عزاءً بل هو الجواب و الجواب الوحيد المطلق. وإن كان عزاءً فهو العزاء الصادق وليس الكاذب بالطبع. في عقل ونفس كل بشر تساؤلات عديدة حول المعنى ولا جواب مُريح لها إلا في الدين. كانت الفسلفة تحاول ان تقدم الجواب ولكن أخفقت وتحمل عنها الدين مؤونة الجواب فكان حواباً شافيًا. ذلك لأن سؤال المعنى و الغاية و الهدف ليس محله الفلسفة كما ليس محله بالطبع العلم لأنه لا يتعلق بالماديات بقدر ما يتعلق بالغيبيات فجاء الوحي من عالم الغيب ليريحنا من حيرتنا ويقول لنا القصة كيف بدأت وكيف ستنتهي.

أهنئك بداءة على القدرة على الإدراك والتعبير عن هذا المعنى العميق

لماذا أصبح القلق متصدرا الحياة في عصرنا الحالي؟ ما الذي أدى إلى هذا، و ما الذي يمكننا أن نفعل حياله؟

ثم إجابة عن سؤالك:

هل ترى أن للحياة معنى مطلق، أم أن المعنى شيء شخصي، و ما هو أهم أهدافك في الحياة؟

شخصيا: أرى أن للحياة معنى مطلق وهو "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وأرى أن هذا هو المعنى من وجودنا كبشر (باختلاف معتقداتنا، أدرك من أدرك، وفاته من فاته)

فمن أدرك معنى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" حق الإدراك زال عنه الجزئ الأكبر من القلع والحيرة والغموض، وأدرك هدفه ودوره في الحياة، وهو خدمة المعبود جل في علاه.

وما هو أهم أهدافي في الحياة؟ هو تحقيق العبودية التامة لله عز وجل، ابتغاء مرضاته واجتنابا لسخطه، ابتغاء جنته واجتنابا لناره.

قد يسألني سائل: لكن أي مسلم هدفه الأسمى في الحياة هو مرضاة الله لدخول جنته والنجاة من ناره!

لكن ليس كل من ادعى صدق، وليس كل من قال وافق قوله أفعاله! فشتان بين من يستحضر في كل صغيرة وكبيرة مرضاة الله كأولى أولياته، وبين من يدعي ذلك ويستحضر الدنيا والهوى كأولى أولوية.

وهذا عشته شخصيا عندما أدركت الفرق بيني وبين أحد أصدقائي الذي أعتبره أحد قدواتي في الحياة، هذا الصديق يضع أي فعل يفعله في حياته في ميزان يسميه " الاستثمار"، هذا الاستثمار هو التجارة مع الله عز وجل، هل هي رابحة أم خاسرة؟

فكل خير يفعله، والعمل الذي يعمله ويتقنه، والكلمة الطيبة التي يقولها لأي إنسان، يستحضر فيها بجدية تامة مرضاة الله عز وجل، فتحولت حياته بتوفيق من الله إلى أحسن ما يكون من بذل الخير والكف عن الشر، والأخلاق الفاضلة، وصار نموذجا عن الإنسان المسلم الذي أينما حل ظهرت آثار خيره كالغيث النافع أينما حل نفع.

صراحة هذا السؤال مسّ وتراً حساسًا بداخلي لأنني كثيرًا ما توقفت أمام فكرة "المعنى" وشعرت بأن الإنسان حين يفقد المعنى الحقيقي لحياته يبدأ كل شيء حوله بالانهيار ولو كان يملك كل شيء ماديًا نحن في زمن صار فيه القلق هو القاسم المشترك بين الجميع حتى من يعيشون حياة تبدو مثالية في الظاهر والسبب كما أرى أننا ابتعدنا عن العمق الروحي وانغمسنا في السطحيات فأصبح الفراغ يملأ أرواحنا برأيي لا يوجد معنى مطلق للجميع لكن هناك معنى شخصي يصنعه كل إنسان بنفسه من خلال علاقته بالله وأهدافه وقيمه لذلك أعتقد أن أهم هدف في الحياة هو أن يعيش الإنسان في حالة سعي دائم لما يشعر أنه يضيف لحياته قيمة حقيقية لا تزول مع الوقت

حين يفقد المعنى الحقيقي لحياته يبدأ كل شيء حوله بالانهيار

لربما يفقده ليجده وربما هذا الإنهيار ما هو إلا إنهيار الزيف.

أرى أننا ابتعدنا عن العمق الروحي وانغمسنا في السطحيات فأصبح الفراغ يملأ أرواحنا برأيي لا يوجد معنى مطلق للجميع لكن هناك معنى شخصي يصنعه كل إنسان

أتفق أن الإنسان فقد وعيه بذاته تماما. إن ذلك المعني الشخصي الذي يحاول أن يصنعه قد ينقذه وربما لا. فلا تدري ما قد يسممه.

نصّك عميق ومؤلم، يتلمّس تلك الزوايا المعتمة في النفس التي نخشى التحديق فيها طويلًا. فيه موجة صدق تحمل أسئلة وجودية لطالما صاحبت الإنسان منذ أن وعى نفسه، لكنها في عصرنا أصبحت أكثر إلحاحًا، أكثر قسوة.

لماذا أصبح القلق متصدراً في حياتنا الحديثة؟

اولا : تراكم الخيارات: لم يكن للإنسان في الماضي هذا الكم من الخيارات، وكل خيار اليوم يتبعه عبء، وندم، وإحساس بأنه ربما كان هناك ما هو أفضل.

ثانيا: تفكك القيم: مع تراجع تأثير الدين والمجتمع والعائلة كمرجعيات كليّة، أصبح كل فرد مسؤولًا عن بناء منظومته القيمية الخاصة، وهذا عبء ثقيل.

ثالتا : العزلة رغم الاتصال: نعيش متصلين طوال الوقت، لكننا نفتقد الصلة الحقيقية، العميقة، البسيطة.

رابعا: تسارع الزمن: لم يعد هناك وقت للوقوف، للتأمل، للتعافي. كل شيء يركض، ونحن نركض معه، ونفقد أنفسنا.

هل للحياة معنى مطلق أم أن المعنى شخصي؟

لا أظن أن هناك معنى مطلقًا واحدًا للحياة، على الأقل ليس في متناول الإدراك البشري. قد تطرحه الأديان، أو الفلسفات الكبرى، لكن الفرد لا يشعر به إلا إذا اختبره شخصيًا ، لذا أؤمن أن المعنى شخصي لكنه لا يتكوّن في العزلة ، نحن نبحث عن معنى من خلال علاقاتنا، أفعالنا، وأثرنا في العالم.

المعنى، في رأيي، ليس شيئًا نكتشفه فجأة، بل نصنعه يومًا بعد يوم.

وما هو أهم أهدافي في الحياة ؟

أن أبني جسورًا: بيني وبين نفسي، بيني وبين الآخرين، بين المعرفة والإنسان. أن أساهم في تهدئة هذا القلق الجمعي، لا عبر تزييف الواقع، بل عبر فهمه، قبوله، ثم تجاوزه.

وأن أعيش بما يكفي من الصدق واللطف يجعلني أطمئن وأنا أضع رأسي على الوسادة، أنني كنت إنسانًا يحاول.

وسؤالي لكِ الآن، وقد بدأتِ هذا الغوص في العمق:

هل تحسين أن المعنى يأتيك من الداخل، من اختياراتك وتوجهاتك، أم من الخارج، من علاقاتك وأهدافك ومحيطك؟

theBlackDuck أضف ردا

أراد الإنسان الحرية فكثرت خياراته فزاد قلقه. أراد الإتصال. أراد السرعة. صقل سلاحة ثم أمسكه من نصله المسموم بدلا من يده فجرح نفسه جرحا عميقا يأكله السم ولا يتعافى.

 لكن الفرد لا يشعر به إلا إذا اختبره شخصيًا ، لذا أؤمن أن المعنى شخصي لكنه لا يتكوّن في العزلة ، نحن نبحث عن معنى من خلال علاقاتنا، أفعالنا، وأثرنا في العالم.
المعنى، في رأيي، ليس شيئًا نكتشفه فجأة، بل نصنعه يومًا بعد يوم

أحببت منظورك للمعنى وكيف انه تجربه، خيار. الطريق وليس الهدف. يخلق و يتطور بتطورك و يتغير كما تتغير.

هل تحسين أن المعنى يأتيك من الداخل، من اختياراتك وتوجهاتك، أم من الخارج، من علاقاتك وأهدافك ومحيطك؟

في البداية يكون الإختيار، الرغبة، ثم تأتي الرحلة التي تتفاعل معها وتتفاعل معك فتخرج منها بمنظور مختلف دائم التجدد.

بالفعل نحن لا نولد وفي أيدينا "معنى" نعيشه، بل نخوض تجارب تصقلنا، وتعيد تشكيل ما نؤمن به، ونخرج منها دائمًا بنسخة أصدق من ذواتنا ، أعجبني وصفك للمعنى كـ"شيء يُصنع، لا يُكتشف فجأة"، لأنه يختصر كثيرًا من الخيبات التي نعاني منها حين نظن أننا سنصحو يومًا على "إجابة كبرى".

بل هو كما قلت: يُصنع، ويتطور، ويكبر كما نكبر .