10

لماذا أتمنى لك أن تتألم؟

لأولئك الذين يهمّني شأنهم: أتمنى لكم العذاب والكآبة والمرض وسوء المعاملة والإهانات، وإحتقار الذّات العميق، وعذاب الشك في النفس، ومسكنة المهزوم.

هذه المقولة السابقة لنيتشه!

ربما تبدو سيئة للوهلة الأولى، لكن أرجوك أن تعد إليها وتفكر مرة ثانية...

هل يربي الإنسان ويغيره مثل ألم حقيقي؟ 

هل يعرف شخص ما الثقة في النفس الحقيقية بغير أن يتوه في غيابات احتقار الذات؟ 

هل يصل بنا شيء إلى اليقين مثلما يفعل الشك؟ 

وباعتبار الحياة لعبة تحاول أن تصل فيها لأعلى درجات التزكية، لماذا يخشى الإنسان الطرق الصعبة ما دامت هي التي ستوصله؟

دعنا من نيتشه، هناك ركيزة في علم النفس تقول أن الألم حتمي، لكن المعاناة اختيارية.

بمعنى أن كل البشر لا بد أن يتألموا، وحسن المعاملة أن يتألم الإنسان بكل ذرة في كيانه، ألا يهرب، وألا يكون شعوره، فقط يتركها تخرج، أما المعاناة فهي الوجه الآخر لحبس النفس، ألم فاقد المعنى إذا استطعنا نعته. 

ومنهما ننتقل إلى دوستويفسكي الكاتب الروائي الشهير، الذي صور أغرب أغرب دقائق النفوس، والذي سلط الضوء على الألم البشري بطريقة عجيبة!

وصور بعض الشخصيات التي تقول لنا بصراحة "الإنسان يتلذذ بالألم" "يحب شعور الشفقة"

ولو كان هذا الشعور متطرف وقوي لدى بعض المرضى، فهو موجود بنسبة أقل لدى كل البشر، كلنا استمتعنا بدور الضحية في زاوية ما بداخلنا! 

وغيرهم أمثلة كثيرة ناقشت الألم من نقطة غير اعتيادية على الإطلاق، بعضهم رأى الألم محاولة تطهيرية للسمو فوق المادة والصور، والبعض رأى الألم إنذار لكشف جراح قديمة ومعالجتها، وبعضهم وبعضهم، الآن السؤال عنك:

لو كنت فيلسوفًا لمدة دقيقتين، وفكرت طويلًا في تجاربك بالحياة، صف لي ماذا يعني لك الألم بطريقة شخصية مميزة عن المتعارف عليه؟ وهل أحببت ذات مرة ألمك؟
يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هناك ركيزة في علم النفس تقول أن الألم حتمي، لكن المعاناة اختيارية.

مقولة ميتافيزيقية من مقولات الشاعر الياباني هاروكي موراكامي في احدى مذكراته, وليست من ركائز "علم" النفس, ولا أتفق معها جملة وتفصيلا إذ أن المعاناة لا تكون بالضرورة اختيارية هناك من يعاني الأمرين منذ الولادة دون أن يكون له يد في معاناته.

ولكل واحد منا قدراته المحدودة في تحمله للألم, قد يتعرض الطفل لأبشع أنواع الاستغلال والتعذيب فيتجاوز الأمر جزئيا بعد أن يكبر وهناك من لا يستطيع تجاوزه مطلقا ليس لأنه اختار ذلك ولكن لأن الألم ملازم له طول الوقت تفاقم وتحول لمعاناة وعذاب مزمن.

أهلًا جواد،

لا أعلم ربما استلهمها موراكمي من معرفته النفسية، وأنا لا يعنيني اللفظ بقدر ما يعنيني المعنى، وهو صحيح من الجانب النفسي، فالعلاج النفسي أول مراحله قبول الألم، مدرسة مثل العلاج الجدلي السلوكي تجدل ما بين قبول الألم ثم محاولة تغييره، القبول وحده علاج! ولا يعني إطلاقًا العيش في ظلمات الكآبة، أبدًا.

الطفل كثيرا ما يكون غير مستوعب للألم، ويعاني من كتمانه وتجاهله للألم حين يكبر، مشكلات. الطفولة كلها تعرقل سيرنا كناضجين ويتوجب علينا الرجوع إلى هذا الطفل الحزين بداخلنا لنعالجه، وندعه يحزن

الحياة ليست بهذه السهولة! قد يسلك الإنسان كل الطرق لعلاج نفسه ويبدل مجهودا في تحسين وضعه الاجتماعي ومع ذلك لا يجدي العلاج ولا المحاولات معه نفعا ويبقى يتدهور يوما بعد الآخر, لا ينال الجميع نفس الفرص والامكانيات في هذه الحياة, لذا اعتبار المعاناة اختيارية نظرية رومانسية مجانبة لواقع العديد من البشر, كما أنها تحمل بين ثناياها فكرة "لوم الضحية على ما هي فيه".

القصد أن الألم هو الوجه الحتمي للمعاناة، لم ينكر أحد كون الألم واقع!

لكن لا نسلب المرء إرادته، هذا ليس لوم، إنما أمل، وضع احتمال للتغيير وتسليمهم زمام القيادة يجعل محاولاتك أجدى.

هذا حقيقي فعلًا يا جواد لكن من وجهة نظر شخصية، فعلى الرغم من أنني أتفق معك تمامًا فيما تقوله، فأنا أرى أن هذا مجرّد رأي شخصي يخصّني ويخصّك، وهو الأمر الذي للأسف لا يمكننا أن نقنع به من يتبنّى وجهة النزر المعاكسة بسهولة. لذلك يجب علينا أن نذهب من هذه النقطة إلى تفصيلة أخرى أكثر تعقيدًا وتقنية: كيف يمكننا أن نقنع شخصًا يتبنّى هذا المفهوم السوداوي؟ لأنه بالتأكيد لايدّعي شعوره حيال الألم، فكيف يمكننا أن نغيّر هذا المنظور؟ وهل يحتاج إلى تعديل خياراته أم يحتاج إلى مساعدة احترافية من مختص؟

أفهم يا علي تطرف وجهة نظر منظرة نيتشه، لكن مجمل فكرة تقبل الألم، لا تعني السوداوية، ولكن قبول يعني أن تترك الأشياء تترك عنك، أن تبكي، أن تشعر بما يدور في داخلك حقًا، أن تقف حداد على الفقدان والهزيمة، هذا ليس ضد السعادة.

فرويد مقولته الشهيرة في التحليل "المشاعر غير المعبر عنها لا تموت ولكن تعود بشكل أشد"

الشعور بالألم ثم قبوله أول خطوة لسعادة حقيقية. لم يكن المقصد الأساسي السوداوية، لفت نظري أنت بتعليقك.

حسب علم النفس العصبي فإن الإنسان في أغلب جوانب قراراته مسير وغير مخير, قد تبدو هذه الفكرة في ظاهرها عبثية وعدمية تدخلنا مع البعض في جدل عقائدي عقيم, هذا بسبب الفهم المنقوص لها كويل للمصلين.

ولكي نضرب مثالا بسيطا واضحا فلنحضر رجلا من القرون الوسطى ونطلعه على حال مدمني المخدرات, فإن مدمن المخدرات في ظاهره يقصد تجار المخدرات بكامل وعيه وذكائه ويشتري مادة ليستهلكها بإرادته واختياره لتهلك صحته, هذا ما سيبدو لرجل القرون الوسطى عكسنا نحن الذين نمتلك المعرفة والعلم بكيفية عمل المخدرات وتأثيرها على الدماغ, إننا ندرك أن هذا المدمن وإن كان في ظاهره الاختيار والإرادة إلا أنه منزوع لجزء كبير منها, فهكذا هي بقية جوانب حياتنا في ظاهرها اختيارية وإرادية ولكن الدارس المتخصص يدرك أن هناك آلية معقدة بالدماغ قادت لهذا الاختيار أو ذاك نتيجة عوامل متعددة داخلية وخارجية, بل يتم استغلال هذا العلم للتلاعب بسلوك البشر خصوصا بالأسواق والانتخابات السياسية, فيتأثر اختيار المتسوقين بدرجة لون غلاف المنتج وموضعه بالرفوف, ويتأثر الناخبون بصورة وجه المنتخب السياسي وربطة عنقه.

لذا عودة لسؤالك, فإن الإنسان بالتأكيد بحاجة لاختصاصي إن كان يعاني في حياته كي يشرح له مكامن "التسيير" بقراراته وأسلوب تفكيره ومشاعره للعمل على تغييرها ولو جزئيا إن أمكن ذلك, أو تقبلها كما هي على الأقل.

المعاناة اختيارية لمن لديه القدرة على اتخاذ القرار، لكن الطفل للأسف هو مجبر على تقبل ما يواجهه في الحياة ويتعامل معه، حتى لو لم يتقبله وعانى منه الأمرين ليس لديه وسيلة للتغيير، وحتى لو كان طفلا قويا وقرر التمرد فخياراته محدودة.

عزيزي المجهول،

صحيح الطفل لا يتعامل مع الموقف في صغره، ولكن ألا تعتقد أن علينا الرجوع كراشدين لمآسي الطفولة لنداويها ونتخطاها؟

Abdelrahman_985 أضف ردا

ولكن مقولة نيتشة وقعت تحت فخ التعميم وتجاهلت طبائع الناس المختلفة، فليس كل الألم والفشل والإهانة واحتقار الذات يغير صاحبه مثلما ذكرت، قد يقتل كل ذلك الإنسان إن كانت طبيعته لا تستطيع تحويل تلك المدخلات إلى مخرجات تفيده.

أنا من نوعية الأشخاص الذين يستفيدون أحياناً من بعض أنواع الألم والحزن، وأحياناً يكون ذلك دافعاً لي للتقدم ولكن إن زاد الحزن عن الحد فإنه يعرقلني عن التقدم لذا لم أجد مقولة نيتشة و اقتباس ديستويفسكي مناسبين لي.

الألم بالنسبة لي ضروري لنعرف الفرح ولتكون الحياة مليئة بالدوافع لنستمر في السعي للتقدم والرفعة، ولكن هذا بقدر معين وإذا زاد الألم عن هذا القدر فإنه يحتاج من صاحبه إلى جهد مضاعف كي يتعافى ولا يستمر في مرحلة الإنكسار.

ماذا عن قهرية الآلام؟ في حال أنك غير مختار وفقط وقع عليك العبء. هل تستطيع التكيف مع آلامك شديدة الحدة دون أن يؤدي الأمر لنفورك من الحياة ككل؟

أقصد هل يمكنك أن تعتبر ألمك جزء طبيعي من الحياة، يمكن أن تتخلله السعادات، لا شيء يجب التخلص منه؟

لو كنت فيلسوفًا لمدة دقيقتين، وفكرت طويلًا في تجاربك بالحياة، صف لي ماذا يعني لك الألم بطريقة شخصية مميزة عن المتعارف عليه؟ وهل أحببت ذات مرة ألمك؟

أتفهّم جدًّا ما يشير إليه نيتشة. وفي هذا الصدد، يمكنني أن أميل إلى أن الألم في المقام الأول هو تجربة، وما أعنيه هنا بهذه التجربة هو أنه يمتلك الفرصة الوحيدة لاكتساب الخبرات للأسف، فحتى الألم في الحياة له وجه جيّد.

ومن هذا المنطلق، يمكنني أن أقول أن الألم هو تجربة محتملة وخبرة مكبوتة، لا تتحرر إلا بعد الإصابة، والعديد من التجارب الإنسانية في الحياة لا يمكن اكتسابها للأسف إلا من خلال اختبار مشاعر سلبية معينة. لكن لا يمكنني أن أعمم ذلك بالتأكيد.

ألا تجد الألم سمة الحياة وأن كل ما علينا إما أن نقبله ونفهم الرسالة ونحاول التعامل معه أو تتجاهله ونتظاهر أننا بالخير كما يتسبب في كبت الكثير من المشاعر التي تخرج فيما بعد في شكل انفجاري؟

أنا كذلك أفضل لو كانت الحياة سعيدة وهادئة، ولكن الألم! الألم ملازم لكل بني البشر.

كل ما في الأمر من منهم فهمه؟ وأحسن التعامل، ووعى الدرس.

على الرغم من موافقتي لنيتشه في مضمون كلامه إلا أنني لا أمتلك الشجاعة الكافية لتمني شيء كهذا لمن يهمني أمرهم، أريد لهم النتائج ولكن لا أستطيع أن أتمنى لهم هذه الوسائل والطرق .. لا أستطيع !

إذا كان الأمر يخصني فلربما تمنيت كل ذلك لنفسي بما فيه الألم، فالألم بالنسبة لي أمل قد تبدلت مواقع حروفه .. الألم درس وموعظة لو قارنته بألف درس تعليمي تلقيته في حياتي لتفوق عليهم في الفوائد والعبر، الألم مرحلة أساسية تتخلل حياتنا بكثافة، قدر لا يمكننا الفرار منه .

هل أحببت ألمي ؟ حينها لم أفعل بالطبع .. كرهته وكرهت الحياة معه ولكن بعد انقضائه ثمنت وجوده وشكرت الله عليه .

أحببت ألمي لأنه برهن لي وأنا في أضعف حالاتي أنني أقوى من أن أنهزم أمام تجربة مؤلمة، وأنني جديرة بخوض تجارب كهذه أستقي منها عبر وحكم شتى في حياتي فكم من تجربة مؤلمة هزمت صاحبها أو خرج منها منهكاً دون أن يمعن النظر في مكامنها .

ياا أفهمك جيدًا يا تقوى، بالفعل تعبير نيتشه شديد وفيه فجاجة، ولكننا نتفق في أهمية الشعور بالألم كمرحلة علاجية. أعجبتني تشبيهاتك ونظرتك جدًا

على مر السنين، تغير مفهومي للألم وتغير تعريفي للمسببات الألم. ولكن مؤخرا وبعد خوضي رحلة من محاولة رفع وعيي وتثقيف نفسي، سأعرف الألم كالتالي: هو حالة مقاومة وعدم تقبل لظرف معين، والكثير منا يتلذذ بالألم لأن الألم يصبح أشبه بمنطقة راحة والخروج منه يتطلب جهدا كبيرا.

إذًا الألم يخف في حال قبلناه أو قبلنا الظرف؟

سأوضح بمثل: عندما يخسر شخص معين وظيفته، سيتألم لعدة أسباب كمعاناته من ضائقة مالية أو فقدانه كزء من حياته كان قد اعتاد عليه، وهو الآن أمام سيناريوهين اثنين:

1-يتقبل هذه الخسارة ويبحث عن الناحية الإيجابية فيها، فقد تكون هذه فرصة ليحسن من ذاته ويبحث عن فرص أخرى تدعم تقدمه أو قد يحث نفسه على التفكير خارج الصندوق لإيجاد بدائل أخرى. المهم هنا هو أنه على يقين أن هذه الخسارة حصلت لسبب جيد، وبهذا سيقلب الإنسان أغلب الأحداث إلى صالحه.

2- يقع في دوامة من اليأس ويعتبر نفسه منحوسا ويلوم قدره كي يزيح المسؤولية عن نفسه وينتظر أن يعود إلى عمله الأساسي أو لا يبذل جهد كافي لتطوير نفسه للحصول على فرص أخرى. هنا يتلذذ الإنسان بالألم لأنه أسهل من أن يتمسك بالأمل الذي يحتم عليه بذل الجهد.

فهمتك يا ريان!

هذه نظرة مختلفة، ولكن في الحالتين يتألم الشخص، الفكرة في اقتران الألم بالتغيير أظن.

نعم سيتألم الشخص ولكن هل سيكون هذا الألم عبثيا أم أنه سيؤدي إلى نتيجة إيجابية؟ فعندما نتقن مهارة تحويل الألم إلى دافع إبجابي، ستصبح تقلباتنا الحياتية، أي التغييرات الغير مرحب بها، فرصة للتطور بنظرنا ما يخفف كثيرا من حدة الألم.

أنا معك في ضرورة اقتران الألم بمحاولة التغيير.

اللحظات المؤلمة والأحزان هي من تجعل الإنسان صلبا وقادرا على مواجهة الحياة وظروفها، ولكن طبيعة البشر تختلف، أصحاب الحس المرهف لا يستطعون التأقلم بسهولة مع ما يحدث معهم

مثلا الإكتئاب يعد من الأمراض الشائعة حول العالم، ووفق إحصائيات لمنظة الصحة العالمية تفيد بأن 5 بالمئة من الأشخاص حول العالم يعانون من الإكتئاب وأغلبيتهم من المراهقين بالرغم من أنني أرى الإحصائية غير ثابتة والواقع يظهر بأن أغلبية الأشخاص ممكن أن يتعرضوا للإكتئاب في حياتهم بدون إستثناء.

لو كنت فيلسوفًا لمدة دقيقتين، وفكرت طويلًا في تجاربك بالحياة، صف لي ماذا يعني لك الألم بطريقة شخصية مميزة عن المتعارف عليه؟ وهل أحببت ذات مرة ألمك؟

بالنسبة لي أعتبره شعور ضيق في الصدر لا يمكن التخلص منه بسهولة، يلازم الإنسان في كل الخطوات التي يتقدم فيها، يشعر بالغرابة كون لا شخص يفهمه ألمه أو يستطيع يقدر ما يشعر به.

فهمت من كلامك عفيفة أنه يجب أن نعالج الهشاشة النفسية ونرفع قدرتنا على التحمل لكي نستطيع فهم الألم وتخطي مرحلته بسلام، قصدتي هذا؟

لما لا نشعر بالسعاده وبالحياه

إن استطعت فافعل

هذا جيد بالتأكيد، ولكن لا شعور دائم، كما نقبل الفرح، يجب أن نقبل الحزن.

صراحة اعتقد اني قرأتها لثلاث مرات او أكثر كي أستوعبها مقال رائع مليء بحقيقة قاسية بعض الشيء