الآخر كيف يراني وكيف أراه؟

  • Muhammad22

إن الاختلاف سمة هذه الحياة؛ فلن نجد اثنين تجمعهما نفس الميول الفكرية، والذوقية، والعاطفية أبدًا مهما كانوا قريبين؛ فأبناء الأسرة الواحدة تجدهم مختلفين في كل شيء؛ وهذا لا يدفعنا إلى التعصب والتحيز لمن يشبهنا؛ بل يجعلنا نفكر في آليةٍ مناسبة للتعامل مع الاختلاف. وهذا الأمر أخذ مني الكثير وما زلت أحاول فهمه بالشكل المطلوب؛ وأصبحت أسأل نفسي كثيرًا كيف يراني الآخر؟!

إن معرفة كيف يراك الآخر ستوفر عليك الكثير والكثير، وكما إنك تمتلك بعض القوالب الثابتة عن بعض الأشخاص؛ فهم أيضًا لديهم نفس المشكلة؛ فإني أذكر أيام مرحلتي الجامعية في مصر؛ كان لي صديق آسيوي؛ وكان الفتى أول بوابةٍ فعلية لي للاطلاع على ثقافةٍ مختلفة؛ فكنت أتحدث إليه مازحًا وقلت له: 

«كنت أظن أنكم -أعني العرق الآسيوي- تمتلكون نفس الملامح والشبه» فابتسم وقال لي: ونحن أيضًا نرى العرب كلهم نفس الملامح!

 وهنا ذهلت وقلت لا نحن بيننا اختلافات؛ ثم استدركت موقفي وعرفت حينها أنني الآخر في حياة الآخر أيضًا. 

ومن المواقف الأخرى التي أراها تؤيد هذه النقطة أن أحد زملائي سافر إلى دولةٍ في قارة أمريكا الجنوبية، وهذه الدولة من الدول ذات السمعة السيئة في الإنتاج الهوليودي؛ فتصور دائمًا أنها مصدر للإتجار بالمواد المخدرة، والعصابات، وغيرها من الصور النمطية، وبدأ الفتى يسرد يومياته هناك؛ حتى نشر على صفحته كلامًا يعبر فيه عن إزعاجه؛ فقال كلامًا معناه: 

 «سألني الكثير عن الأمان في الدولة التي أقيم فيها وتعجبت من صورتهم الخيالية عن الأمر؛ لذلك لا تحزنوا ولا تتعجبوا عندما يخبركم أحدهم أن الشرق الأوسط مكان غير آمن»

 علمت حينها أن الفكرة التي نكتسبها من دون تجربةٍ حقيقية تؤثر على نظرتنا للآخر. وهنا كان لابد من تجربةٍ فعلية أعيش فيها مع الآخر واطلع على ثقافته وفكره وأكتشفه عن قرب، وهذا ما حدث.

قبول الآخر وأثره على حياتنا 

لما دخلت المجتمع الجديد، اخترت بلدًا تعدديًا تجتمع فيه أشهر العقائد والأعراق في العالم تقريبًا؛ وفي إحدى المرات ركبت مع سائق أجرة هندوسي؛ فلما رأى ملامحي عربية؛ سألني عن بلدي وعن إيماني، وأخذ ينطق بعض الكلمات العربية أمامي من باب المودة؛ فلما بدأ النقاش أخذ يشكو لي ما يراه من بعض من يتبعون عقيدتي فقال لي: 

 «عقيدتي تمنع أكل الأبقار وعندما آكل لحم الخنزير البعض ينظر لي باشمئزاز وهذا الذي ينظر لي يرتكب ما لا أراه صحيحًا أيضًا، وقد نزلت ضيفًا عند أسرةٍ ذات فكرٍ معتدل فكانت مدة إقامتي لا يدخل بيتهم لحم بقرٍ احترامًا لوجودي» 

أحيانًا ننتقد الآخر فقط لأننا نراه مختلفًا عنا، ونغفل إننا أيضًا مختلفون عنه، والقضية هنا في القبول؛ ولا أعني أن نفقد هويتنا وعقيدتنا بل نحقق التعايش بالمعنى الحقيقي مع الحفاظ على أفكارنا وسلوكنا الخاص؛ لأن قبول الآخر يضمن بناء مجتمعٍ يسع الجميع. 

التعايش مع المختلف شعار برّاق أم واقع قريب؟

الكثير من المؤتمرات والحملات التوعوية التي تدعو إلى التعايش مع الآخر، ومع أول اختبارٍ حقيقي يقع العالم في فخ العنصرية، وبعدها ينتقد البعض ويشجب الآخر؛ فترانا نمارس نحن أنفسنا سلوكًا يخالف ما ندعو إليه؛ على الرغم من وجود مجتمعاتٍ تعددية، وهذا لا ينفي عنها المشكلات والشقاقات في بعض الأحيان؛ لكنه يظل أفضل نموذج توصلنا إليه في عالمنا؛ فهل تظن أن التعايش مع الآخر مجرد شعار رنان ولا يمكن أن يكون واقعًا؟ أم سيغادر صفحات الكتب ونراه في عالمنا بشكلٍ ملموس؟ 

وما المقترحات التي تراها تدعم تحقيق التعايش مع الآخر في مجتمعاتنا؟!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الآن يحضرني أحد أقوال شوبنهاور عندما كان يناقش فكرة قبول أخطاء الآخر، فقد كتب يقول:

يجب أن نتساهل مع كل حماقة وإخفاق وزلة يرتكبها البشر، ويجب أن نضع في اعتبارنا أن مانراه أمامنا ماهي إلا حماقاتنا وإخفاقاتنا وزلاتنا.

ومع أن شوبنهاور كان يرى ويشدد على أن رأي الآخر فينا - وهو الشق الأول من حديثك - لايجب أن يؤثر مطلقا على رأينا في أنفسنا، وأن على الفرد أن يعمل على الحد من تأثير الأشياء عليه عن طريق اكتشاف إمكاناته وقدراته الداخلية، إلا أنه في نظري أصاب جدا في هذه النقطة التي تتعلق بالضعف البشري.

فكلنا ذلك الضعيف الأحمق الذي لايفتؤ يأتي بالحماقات والزلات.

وما المقترحات التي تراها تدعم تحقيق التعايش مع الآخر في مجتمعاتنا؟!

أرى أن إدراك المرء لضعفه وإخفاقاته وتقصيراته كفيلة بجعله يلتمس العذر للآخر، ومن التمس العذر لأخيه حقيق به أن يتعايش معه تحت سقف واحد وفي وطن واحد.

فكلنا ذلك الضعيف الأحمق الذي لايفتؤ يأتي بالحماقات والزلات.

جملةٌ في محلها وأصبت فيها؛ بالفعل كلنا ذلك الشخص؛ لكن هل ترى أننا بهذه الدرجة من الملائكية؛ التي تجعلنا نتقبل الآخر دومًا؟ وهل ترى أن الأشخاص الذين يشبهوننا في العرق والدين هم الأقرب دومًا إلينا؟

من المؤكد طبعا أننا لسنا ملائكة، بل على العكس تماما نحن أبعد مايكون عن الملائكية. أحيانا نكون واعين بعدم هذه الملائكية، لكن أحيانا أخرى نلعب دور الشيطان أو أدوارا قريبة منه دون وعي منا بذلك.

وهل ترى أن الأشخاص الذين يشبهوننا في العرق والدين هم الأقرب دومًا إلينا؟

نحن نفعل ذلك حتى ولو كنا غير واعين به. هناك مايُسمى بالتحيز وهناك مايُسمى بالتشويش، وهما عاملان يلعبان دورا أساسيا في الحكم على الأشياء أيا كانت هذه الأشياء. تقول الدراسات في هذا الصدد أن الإنسان حين إطلاق حكمه لايخلو من عامل التحيز أو التشويش، فيأتي الحكم غير موضوعي. هذا الأمر يناقش الموضوع من زاوية محددة لكنه مفيد. إذا أحببت يمكنك أن تقرأ أبحاث د. دانيال كانمان حول الموضوع، ستفيدك جدا.

ردا على سؤالك، نعم. نحن ننحاز إلى الذين يشبهوننا أو يطابقوننا في أفكارنا وآرائنا، هذا شيء مؤكد. لكن كنا قلت لك، أحيانا نكون واعين بذلك وأحيانا أكثر لانكون كذلك.

أرى أن التقبل و التعايش هو حالة فكرية وقرار واعي، ويحتاج للدعم، حيث يصعب على المرء أن يمارس التعايش وتقبل الآخر في بيئة طاردة لكل ما هو مختلف، بل يحتاج التعزيز في هذا الصدد.

إذ أننا بطبيعتنا نحب ونألف من يشبهنا، لكن بالحضارة والوعي أدركنا أنه علينا التعايش مع بعضنا البعض وتقبل الاختلافات مهما كانت، لأننا في النهاية نشترك بعامل يؤلف بيننا جميعًا ويجعلنا رغم اختلافاتنا التي نراها فجة وكبيرة، نجتمع بالإنسانية

وقد أخذت هذا القرار، لذا فهو ليس أمر موجود في الكتب وحسب، بل أعرف الكثير من الأشخاص الذين يشاطرونني الفكر، و يتقبلون الجميع ويقدرون قيم التعايش

أرى أن التقبل و التعايش هو حالة فكرية وقرار واعي

رائع لكن بعض الدول تعي جيدًا قيمة ذلك وأصبحت تسوقه للصغار عبر المناهج الدراسية؛ فمعرفة الآخر ليست من الترف الذهني كما يظن البعض، وكما أنها في نظرك قرار فهي عند الآخرين تشبه نقل جبلٍ من مكانه؛ فهل تظنين أن تصميم مناهج دراسية خاصة بالأمر سيحدث فارقًا؟

لقد ذكرت كونه قرار واعي، في سياق المجتمع الذي اأعيش فيه ولا يمكن تعميم هذا على كل المجتمعات، ولكن تدريس قسم التسامح و التقبل والانفتاح يساهم بشكل كبير في خلق جيل واعي ومدرك لما نتحدث فيه دون العناء والمشقة التي قد يخوضها شخص في عمري