لم يعد الرأي العام يُصاغ في دوائر النخبة كما كان الحال في العقود الماضية، حيث كانت الكلمة المكتوبة والتحليل الرصين يمتلكان زمنهما الكافي للتأثير والتراكم. ما نشهده اليوم هو انتقال عميق من نموذج هرمي تُصنع فيه الاتجاهات من أعلى إلى أسفل، إلى فضاء شبكي مفتوح تُعاد فيه صياغة المواقف عبر التفاعل اللحظي. ولم يعد السؤال: من يملك المعرفة؟ بل أصبح: من يملك القدرة على الانتشار؟
في هذا السياق، تراجعت سلطة الحُجّة أمام سطوة الخوارزمية، وأصبح "الترند" هو البوصلة التي تعيد ترتيب أولويات النقاش في الفضاء العام، بل وتحدد ما يجب أن يُرى وما يُهمَل.
تحول في منطق التأثير
هذا التحول لم يكن مجرد تطور تقني فقط، بل أعاد تشكيل جوهر صناعة الرأي العام. الزمن الذي كانت فيه الأفكار تنضج تدريجيًا أُستبدل بزمن فوري تتشكل فيه الانطباعات خلال ساعات. ولم تعد عملية التحقق تسبق النشر، بل غالبًا ما تأتي لاحقة له، إن جاءت أصلاً. وأمام هذا التسارع، لم يعد هناك مجال لسردية واحدة مهيمنة؛ بل تتزاحم روايات متعددة، كل منها تسعى لاحتلال مساحة في وعي وعقل الجمهور. هذا التعدد، رغم ما يحمله من ثراء ظاهري في النقاش، أدى إلى حالة من التشظي، حيث يعيش كل فرد داخل "فقاعة إدراكية" تعزز قناعاته وتعيد إنتاجها.
تداعيات على المجتمع والوعي العام
أين المشكلة؟ المشكلة من وجهة نظري أن المجتمعات في ظل هذا الواقع المعقد، المجتمعات أكثر عرضة للاستقطاب الحاد، لأن المحتوى الأكثر إثارة وعاطفية أصبح هو الأكثر قابلية للانتشار. وهنا تتشكل مواقف جماعية بسرعة، لكنها غالبًا ما تكون هشة وقابلة للتبدل. كما أن الثقة في المؤسسات التقليدية مثل: الإعلام، الخبراء، وحتى صناع القرار تتعرض لتآكل مستمر، نتيجة التدفق غير المنضبط للمعلومات وتكرار حالات التضليل. الأخطر من ذلك أن قضايا هامشية قد تتضخم لتصبح محور النقاش العام، بينما تتراجع قضايا أكثر أهمية لغياب الزخم الرقمي. لقد أصبح الرأي العام، في كثير من الأحيان، انعكاسًا لما هو متداول وليس لما هو أهم.
وتكفي الإشارة إلى حالات متكررة شهدناها في السنوات الأخيرة، حيث تحولت مقاطع قصيرة أو تصريحات مجتزأة إلى أزمات مكتملة الأركان خلال ساعات، دفعت مؤسسات وشركات إلى اتخاذ قرارات سريعة تحت ضغط التفاعل الجماهيري. كما أن حملات المقاطعة الرقمية، التي تبدأ غالبًا بوسم، أصبحت قادرة على إحداث تأثير اقتصادي ومعنوي ملموس، بغض النظر عن دقة المعلومات التي استندت إليها في بدايتها. هذه الأمثلة تكشف أن الرأي العام لم يعد ينتظر التفسير، بل يصنع حكمه أولًا، ثم يبحث عما يدعمه لاحقًا.
كيف يمكن إدارة هذا الواقع الجديد؟
أمام هذا التحول غير المنضبط والذي تقوده بوتات أو لجان الكترونية، لم يعد ممكنًا التعامل مع الرأي العام بمنطق إدارة الرسائل التقليدي، بل أصبح الأمر أقرب إلى إدارة محادثة مستمرة. المؤسسات التي تتأخر في التفاعل تترك فراغًا تملؤه التأويلات، لذلك أصبحت السرعة في الاستجابة عنصرًا حاسمًا، لكن دون التفريط في الدقة. كما أن بناء المصداقية لم يعد حدثًا طارئًا، بل عملية تراكمية طويلة؛ فالمؤسسة التي تمتلك سجلًا من الشفافية تجد نفسها أكثر قدرة على الصمود أمام موجات الجدل.
في الوقت نفسه، بات من الضروري إعادة صياغة المحتوى ليكون قابلًا للتداول دون أن يفقد عمقه، وهو تحدٍ مهني يتطلب موازنة دقيقة بين التبسيط وعدم التسطيح. كما أن الشراكة مع المؤثرين لم تعد خيارًا ثانويًا، بل أصبحت جزءًا من بنية التأثير، بشرط أن تُبنى على الثقة وليس على الانتشار فقط. وإلى جانب ذلك كله، يبرز دور التثقيف والوعي الإعلامي كخط دفاع طويل المدى، يُمكّن الجمهور من التمييز بين ما هو موثوق وما هو مضلل.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى "الترند" بوصفه تهديدًا لصناعة الرأي العام وتشكيله، بل هو واقع جديد يفرض قواعد مختلفة للعبة التأثير. التحدي الحقيقي لا يكمن في مقاومته، بل في فهم منطقه وتوظيفه دون الانزلاق إلى سطحية الخطاب. وبين سرعة التفاعل وعمق المحتوى، وهنا تتحدد قدرة الفاعلين في المجال الإعلامي والعلاقات العامة على توجيه الرأي العام، ليس بوصفه موجة عابرة، بل كقوة يمكن استثمارها بوعي ومسؤولية.