الكُتاب العظماء هم محررون رائعون، فكيف السبيل إلى ذلك؟

نكتب أحيانًا بعض النصوص ولكن لوجود رابط عميق بيننا وبينها لا نستطيع التعديل عليها وتحريرها، نشعر وكأن ذلك ظلم لها.

لذلك نجد أنّ أغلب الكُتاب لديهم مسودات روايات وفصول كثيرة، قد اتخذتها العنكبوت بيتا لها في أدراجهم.

لكن ما فائدة أن نكتب ولكن، لا يقرأ أحدٌ ما كتبنا؟ فلن يكون له قيمة ما لم ينفع ويُمتّع القارئ…

التحرير ليس سهلا على الأقل بالنسبة لي، دائما أستشعر ذلك الثقل عند إعادة الصياغة والتحرير وكأن النصوص تناجيني بصوت خافت أنِ اتركيني أعيش بسلام.

حاولت مراتٍ ومرات لكنني فشلتُ في ذلك، هل من حل مُجدٍ لمشكلتي؟

يقول جوش سبيكتور:

احذف 20% مما كتبت لتصبح مسودتك أفضل 100%".

لا أظن أنني وصلت إلى هذه النسبة، لأنّ أغلب تعديلاتي تدور حول الأخطاء الإملائية وبعض الجمل الركيكة، لكنني في الغالب لا أحذف الكثير.

أما همنجواي فيقول:

أكتب في سُكر وحرر بشكل رصين.

يصف حالة الكتابة بالسُكر لأن هذه الحالة ستجعلك تفرغ جعبتك دون الالتفات للأخطاء أو ضحالة اللغة، وأما عملية التحرير فعليها أن تكون بتؤدة ورصانة ورزانة.

وتقول أيضًا إيما هيل Emma Hill:

المسودة الأولى أسود وأبيض، لكن التحرير يُلون القصة.

أي أنّ التحرير يعطي لكتاباتنا الحياة ويجعلها صالحة للقراءة، لذلك يُقال عن الكُتاب البارعين أنهم محررين رائعين، لأنّ عملية التحرير ليست سهلة.

تأتي عملية التحرير بعد وقت لابأس به من الكتابة أي بعد زوال حالة السُكر تلك، لتكون العملية كاملة وموضوعية دون تحيّز أو تعلقٍ بالجملة الأولى.

شاركوني تجربتكم مع التحرير والتعديل؟ وهل تجدون ذلك سهلًا أم أنّ في ذلك صعوبة وبالتالي تطلبون مساعدة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد من خبرتي في مجال الكتابة أن للتحرير عدّة طبقات وعادةً ما يكون التحرير المُتخصص أقل عبئاً على الكاتب، بمعنى أنّ التحرير ليس دائماً لهُ علاقة بالمعنى، أحياناً بالسياق.

  • تحرير السياق الروائي: هو من أهم أنواع التحرير، لإنّ في هذه المرحلة الكاتب يطّلع على روايته بطولها، فيعرف أنّ هناك طرقاً يجب أن تستقيم فيها وأنّ مسارات فيها يجب أن تُحذف، فيوجّه ويُعدّل ويغير براحة لإنّ ذلك من مصلحته طبعاً وضمن مزاجه.
  • تحرير العبارات: من أجمل أنواع التحرير، أن تستبدل كلمة بأفضل، عبارة بأحلى منها، حين تُدرك بأنّ الكلمة العفوية جاءت حلوة وأنّ الكلمة المقصودة عندك صارت أحلى، لهذا التحرير مُتعة رهيبة، خاصّة عندما تكون الرواية أدبية عاطفية، كثرة الاستعارات والصور الجمالية تُحلّي هذا الخوض والتعديل.
  • التحرير الإنشائي: هناك مرحلة يقوم بها مُعظم الكُتّاب وهي مرحلة التخلّص من العبارات المُكرورة في الأوساط الأدبية والعبارات الساذجة حتى ولو كانت مُهمّة أو حُلوة!

كُلّما كان تخصصك في التحرير أدقّ وغايتك أوضح، صار العمل أسهل

وهُناك العديد من أنواع الرؤية للتحرير الأدبي، أهم ما يُمكن أن أشاركك إياه هو أنّهُ حين تكتبين في المرّة الأولى حاولي أن تكتبي وفي نيّتك العودة للهدم، العودة للإصلاح، لا أعتقد أنّ مُعظم عمالقة الأدب في العالم كانوا يكتبون بالمُتعة الخالصة، أحياناً يضطر الكاتب لأن يكون جافّاً مع ما يكتب (وهنا أقصد أن يكون جافاً وقاسياً بتطبيق هذه الممارسات وليس جافاً مع الكلمات) وكل ذلك من أجل أن يُتقن العمل ويُحسنه.

يا أهلا ضياء أحييك على الإضافة الثرية.

أنّهُ حين تكتبين في المرّة الأولى حاولي أن تكتبي وفي نيّتك العودة للهدم، العودة للإصلاح

أظن أنّ هذا هو السر الذي أبحث عنه منذ زمن، وقد لاحظت حقا أنني حين أكتب بسرعة وفي نيتي العودة أعدل بيسر، على عكس الايام التي أكتب دون نية في التعديل.

ممتاز!

عندي مقالة استفدت منها سابقاً وأريد مشاركتك فيها، أشعر بأنّك من الممكن أن تحتفظي بها لتعودي إليها عند كل عمليّة تحرير:

جميل جدا، لدي ملفات في جوجل keep احفظ فيها اعدادا من الروابط المختلفة في مجالات عدة وسأضيف هذه للتعديل والمراجعة.

شاركوني تجربتكم مع التحرير والتعديل؟ وهل تجدون ذلك سهلًا أم أنّ في ذلك صعوبة وبالتالي تطلبون مساعدة؟

أعجبني التشبيه بالسكر، في العديد من الحالات أكتب أمور وعندما أرجع لقراءتها أتساءل هل أنا من كتبها، في بعض الحالات أعجب جدا بما كتبت وفي البعض الآخر أقول في نفسي يا له فظاعة ما كتبته أين كان عقلي مما أكتب.

بالنسبة لي التحرير أصعب من الكتابة بشكل كبير على الأقل بالنسبة لي، خاصة في حالة النصوص الطويلة والمقالات الطويلة، دائما استثقل الموضوع وأوجله وفي المستقبل سأصبح أطلب المساعدة في ذلك.

بالنسبة لي التحرير أصعب من الكتابة بشكل كبير على الأقل بالنسبة لي، خاصة في حالة النصوص الطويلة والمقالات الطويلة، دائما استثقل الموضوع وأوجله وفي المستقبل سأصبح أطلب المساعدة في ذلك.

الأمر يسهل أصبح بالممارسة والتمرين يا مريم، فأنا على سبيل المثال لم أكن أوجّه الجهد الكافي لهذه العملية على الإطلاق. لكن مع اتخاذ الكتابة مسارًا مهنيًا لي، أصبحتُ قادرًا على تحرير النصوص بمنتهى الأريحية، حيث أنني أجد في هذه العملية متعة خالية من مسؤولية الكتابة نفسها أثناء التنفيذ، فتتسنّى لي فرصة التعامل مع النص بعين القارئ، أعدّل هنا وأشذّب هناك، إلى أن أصل إلى الصورة المثلى بالنسبة إليّ في هذه اللحظة. صدّقيني، مع الممارسة الأمر يصبح أكثر متعةً.

صدّقيني، مع الممارسة الأمر يصبح أكثر متعةً

صحيح صديقي كل شيء بالممارسة يصبح سهل وبسيط ربما لأني ما زلت في بداية المشوار لم استصعب الأمر أو ربما السبب أني لا أنتبه للأخطاء التي أقوم بها والكسل على محاولة إعادة التصحيح عندما أجد أسلوب لا يعجبني.

والكسل على محاولة إعادة التصحيح عندما أجد أسلوب لا يعجبني.

صدقيني يا مريم لدي كسل رهيب في التعديل، حتى أنني أحيانا أرى أن استبدال الجملة سيكون أفضل لكنني أعجز عن ذلك لمجرد أنها لابأس بها

أعجبني التشبيه بالسكر، في العديد من الحالات أكتب أمور وعندما أرجع لقراءتها أتساءل هل أنا من كتبها،

هل تعلمين يا مريم أن تلك الحالة التي تسبق ما كتبنا قد تكون كنزا لنا، لأنها فعلا حالة تدفق ومتعة وأرى أننا علينا تحديدها بدقة لنستغلها أحسن استغلال.

أعتقد فعلًا يا دليلة أن التحرير يحتاج منزلة كبرى واجتهادًا زائدًا من قبل الكاتب. خاصة لو كانت الكتابة إبداعية بمعنى أنه يكتب قصة وليس مقالًا مثلًا.

وهذا نابع في البداية من وقوع الإنسان في حب أفكاره وتعبيراته وقراءتها كأنها مازالت بداخله. مما يجعله يواجه صعوبة في النظر لها بعين موضوعية ونقدها أو تغييرها كأن النص بنيان سينهدم بمجرد خلع حجر واحد منه.

ولكن يتطلب الأمر بعض الشجاعة والاجتهاد للقيام بتحرير نصوص أنت كاتبها والاعتراف أنها مازالت تنقص جزءًا ما. ولكن أكثر ما نحتاج له هو الوقت الكفيل بجعلنا نرى الأشياء على حقيقتها.

بالنسبة لي كنت أخشى التحرير لشعوري أن الكتاب الجيدون فعلًا لا يفعلون ذلك. لا ينظرون لكتاباتهم على أنها قوالب يمكن التعديل عليها ولكن أدركت أن هذا غير صحيح وأن المقال الذي نراه متكاملًا الآن ربما قد كتب في شك نصوص متفرقة وجمعت سويًا أو ربما قد تم تعديله مئات المرات حتى وصل لشكله الحالي ولكننا نرى فقط الشكل النهائي.

بالنسبة لماركيز مثلًا فقد قال سابقًا أن القصة قالب مصبوب لا يمكن تعديله أما الرواية فهي حرة يمكن التغيير في أساسها كيفما نشاء. وأنا أرى أن كل الكتابات مثل رأيه في الرواية يمكن التغيير فيها حتى تصل لأفضل شكل لكن المهم أن نعرف متى نتوقف.

ولكن يتطلب الأمر بعض الشجاعة والاجتهاد للقيام بتحرير نصوص أنت كاتبها والاعتراف أنها مازالت تنقص جزءًا ما

فعلا ليس سهلا أن تحكم بالنقص على نصك أيا كان، لكن فكرة أنه يمكن التحسين دائما فكرة رائعة، تجعلنا نتحسن دائما ونعدل أكثر.

بالنسبة لي كنت أخشى التحرير لشعوري أن الكتاب الجيدون فعلًا لا يفعلون ذلك

كانت لدي نفس الفكرة واظن أن هناك بقايا منها تعرقلني، كنت أعتقد أن الكتاب البارعين يكتبون بشكل رائع من أول مرة وبدون تعديل أو تحرير.

بالإضافة إلى ما تثولينه يا دليلة، صادفتني مقولة رائعة منذ عدة أشهر، حيث كانت تقول:

كيف تكتب قصة جيدة؟ اكتب قصة سيئة ثم أعد كتابتها.

أجد أن هذه الدلالة هي واحدة من أبرز معايير سلوك الكتابة بشكل عام، حيث أن إعادة العرض أهم من العرض نفسه، وقد اكتشفتُ ذلك للمرة الأولى بنصيحة من صديق مهتم بالكتابة المسرحية، حيث أنني كنت أحدّثه حول بعض الأزمات التي تقابلني في رواية كنت قائمًا وقتها على تنفيذها، وأخبرني وقتها أن أفضل طريقة للعودة إلى المسار الصحيح هو إعادة الكتابة لأكثر من مرة. والحث يقال أن المسألة فعلًا كان لها أثرها الجيّد.

لا أعلم لماذا أعتبر التحرير سهلا مقارنة مع توليد الأفكار وتشكيلها هي الأمر الأصعب لدي، ومن ناحية أخرى لا أعتقد بأن جميع الكُتاب العضماء كانوا محررين بجد، بل كانوا يستعينون بمحررين أخرين من أجل التدقيق الإملائي والتنسيق، وأتذكر بأنني قد تحدثت سابقا عن هذه المسألة في موضوع هنا في حسوب:

وصراحة ليس لدي مشكلة في الإستعانة بمحرر أخر يعالج ما يكتبه، ففي النهاية لا يمكن أن ننتج محتوى كاملا إلا بالمعالجة والنقد الدائم التي نتلقاه، وقد نجد الروائية الكندية مارغريت إستعانة بمحرر وصرحت بأن الإستعانة بمحرر" ماهر يعني ظهور نصك أو كتابك في افضل شكل" ، بل أضافت بأن المحرر له الفضل الكبير في إظهار التميز لأعمالها.

التحرير هو الأصعب بالنسبة لي، وأظنني لست مثلك فأنا قد اقبل بناقد ينقد محتواي لكن ليس تعديله ونحريره لا أدري ربما لتعلقي بنصوصي أكثر.

قرأت تلك المساهمة وهي ثرية بالفعل، وأرى أن التحرير والاستعانة بمحرر ليس عيبا لكن علينا أن نتخير المحرر الأفضل لهذه المهمة.

قد لا تصدقيني دليلة إذا قلت أني أتمنى لو أن أطلع على مسودات روايات الكتاب و أشعارهم. نعم، أنا أريد أن أرى نفوس هؤلاء الكتاب مصبوبة على الورق بدون تعديل؟ أريد أن أراها أصيلة حتى تبين من ورائها نيات كتابها. قد أكون غريبا في ذلك ولكني أتمنى أن أطلع على عملية الخلق الأولى للنص قبل أن يتم تحريره و تنقيحه. أريد حالة السكر تلك التي ذكرها هيمنجواي:

أكتب في سُكر وحرر بشكل رصين.

كلنا قد يعلم أن السكران قد يخرج مكنون نفسه دون أن يدري وقد يشي بما لا لو علمه في الحقيقة لأنكره.

ومع ذلك، فبدون عملية التحرير، قد لا يخرج الكتاب إلى النور و إلى القراء وهنا ردي على سؤالك الأول:

لكن ما فائدة أن نكتب ولكن، لا يقرأ أحدٌ ما كتبنا؟ فلن يكون له قيمة ما لم ينفع ويُمتّع القارئ…

الفائدة هي لك أنت ولي أنا. نعم، فيكفي أن ننفس عن أنفسنا فنخرج أتراحنا و أفراحنا على الورق و أظن أن هذا من قبيل أن يكتب بعض الكتاب مذاكرتهم الشخصية فلا تنشر إلى بعد أن يرحلوا بسلام.

الفائدة هي لك أنت ولي أنا. نعم، فيكفي أن ننفس عن أنفسنا فنخرج أتراحنا و أفراحنا على الورق و أظن أن هذا من قبيل أن يكتب بعض الكتاب مذاكرتهم الشخصية فلا تنشر إلى بعد أن يرحلوا بسلام.

هذا يجعل الانسان يزكي نفسه أكثر ويتصالح معها ويهذبها، حتى إن باح بما فيها لم يخجل منه ولم يجد فيها ما يجعله يتوارى من القارئ خجلا.

دائمًا أقف عاجزة أما قول ابن القيم عن عباد الله الصالحين، حين قال:

بواطنُهم كظواهرهِم، بل أجلَى! وسرائرُهم كعلانيتِهم، بل أحلَى! وهِممُهم عند الثُّريَّـا، بل أعلَى.

لك أن تتخيل حين تتدفق انفس هؤلاء على الورق و نقرأها دون تعديل.